Define your generation here. Generation What
ستة أعوام من الثورة، ستة أعوام من الأفلام عن الثورة
 
 

كبرتُ على أفلام ثورة ١٩٥٢ التي أطاح فيها الجيش بالملك فاروق بدعم شعبي. شكل الفساد الحكومي، المآثر العسكرية، وحشية البوليس، وأحلام العدالة الاجتماعية أفلام الخمسينيات والستينيات. وبعد مرور ما يقرب من ستين عامًا ظهرت ثورة أخرى تطالب بالقيم التي وعدت بها سابقتها وسعت إليها وفشلت في تحقيقها.
في الثامن والعشرين من يناير عام ٢٠١١، علِقت في أحد المباني في شارع متفرع من ميدان الجلاء بالدقي، بعدما هوجمت مسيرتنا المتجهة إلى ميدان التحرير من قبل قوات الأمن باستخدام طلقات الخرطوش والغاز المسيل للدموع
. في البناية جاهد الجميع لالتقاط أنفاسهم، ساعدوا من استطاعوا مساعدتهم، ورشّوا الكولا في وجوه بعضهم البعض. من ضمن العالقين كان المخرج خالد يوسف (حين ميسرة، هي فوضى) وجدت ذهني شاردًا في السينما: هل يصبح هذا المشهد جزءًا من أفلامه القادمة؟
جعلني تدفق الصور الآتي من اعتصام التحرير ٢٠١١، كما جعل غيري، نفكر في معنى أوسع لكيفية تمكن السينما من إعادة بث هذه اللحظات التاريخية للأجيال المقبلة
. كيف سيتفاعل صناع الأفلام مع هذه الصور، القصص، الأفكار الكثيفة والمشاعر؟ ما هو الفيلم الأيقوني الذي سيصنع عن هذه الثورة؟
صرح العديد من صناع الأفلام بأن هذه الأحداث بحاجة لمرور الوقت لتُهضم، لكن عدة أفلام روائية صنعت بالفعل، ينظر كل منها للثورة من خلال قصص وأنواع فيلمية محددة
. قضيت الأسابيع القليلة الفائتة في مشاهدة هذه الأفلام، وأحيانًا إعادة مشاهدتها، حتى أرى كيف تغيرت المقاربات للحدث عبر ستة سنوات، وماذا يقول هذا الأمر عن أين نحن الآن.
٢٠١١
: سينما الثورة نصف المطهية

تميز كثير من الأفلام التي تلت الثورة مباشرة بالصنع المتعجل في العموم. على سبيل المثال فإن فيلم سامح عبد العزيز «صرخة نملة» (٢٠١١) كان قد انتهى قبل الثورة، لكن نهايته تغيرت لتشملها، كما أخبر الممثل الرئيسي في الفيلم عمرو عبد الجليل مجلة «بص وطل» الترفيهية في ٢٠١١. يتعرض الفيلم بميلودرامية لعدة قضايا تسببت في الثورة مثل الفساد والفقر والفروق الطبقية ووحشية البوليس. حاول الفيلم طرح مشاكل مصر بطريقة مشتتة في إناء واحد، لكنه في النهاية قدم طبخة غير مكتملة.

كذلك كان فيلم «الفاجومي» (٢٠١١)، وهو فيلم يتناول سيرة الشاعر الثوري أحمد فؤاد نجم. ورغم رتابة سرد الفيلم، ما تجعله أشبه بوثائقي تعليمي للاستخدام في فصول التاريخ، إلا أنه يوفر سياقًا لكفاح مصر الثوري الطويل. كان كل من نجم ورفيقه الملحن الشيخ إمام صوتين معارضين محترمين منذ فترة حكم عبد الناصر، وخلال احتجاجات التحرير في ٢٠١١ سيطر الثنائي على الشريط الصوتي للأحداث.

ينتهي الفيلم بعد تظاهرات الخبز عام ١٩٧٧، حين قُتل أكثر من ٨٠٠ مواطن وهم يحتجون على زيادة الأسعار. بعدها، وعلى حين غرة، ننتقل إلى مشهد من التحرير عام ٢٠١١، وفي المشهد نجم وهو رجل عجوز. بالنسبة لي كان ضم الثورة بهذا الشكل غير مناسب وغير ضروري. احتاج الأمر لسياق، ولنظرة لمشاركة نجم وشِعره في ذلك الوقت. رغم الأداء القوي لخالد الصاوي، إلا أن الفيلم ضعيف سينمائيًا ولا يعطي الأعمال الأيقونية لنجم، ولا مسيرته الطويلة والشجاعة، حقهما.

من ضمن كل الأفلام التي شاهدتها كان فيلم طارق عبد المعطي «حظ سعيد» (٢٠١٢) وكان أصعبها من حيث مقدرتي على إكماله. سعيد (أحمد عيد) هو بائع متجول يطمح للزواج من خطيبته وإيجاد شقة. وفي وسط عقده لصفقة مشبوهة مع مقاول لإجلاء مجموعة من الشباب من إسكانهم الحكومي لإفساح طريق لمشروع سكني مربح، تندلع الثورة. يحاول فيلم «حظ سعيد» جاهدًا أن يكون مضحكاً، معتمداً على قوالب مكرورة ليساريين وإسلاميين، لكنه وللأمانة محض تذكير بكيفية تدني المقاييس السينمائية المصرية، رغم كونها أقدم وأنشط صناعات السينما في المنطقة.

ينتهي الفيلم بنجاح الثورة وبتأجيل محاكمة مبارك إلى أجل غير مسمى.
٢٠١٢
: البصيرة والروح، لكن شيئاً لا يزال نيئًا

يتناول فيلم إبراهيم البطوط «الشتا اللي فات» (٢٠١٢) أحداث الثورة بشكل مباشر. بعض المشاهد التي جرت في التحرير صُورت بالفعل خلال الاحتجاجات، حيث كان البطوط يعلم بالفعل أنه سيصنع فيلمًا عنها. كنت محبطة حينما شاهدت الفيلم في مهرجان القاهرة عام ٢٠١٢، ربما جزئيًا بسبب استمرار أحداث الثورة في التكشف. لكن بعد إعادة مشاهدته الآن، بعد كل هذه العروض التجارية، فقد وجدت لدي احترامًا للفيلم كنوع من التوثيق للأيام الـ18 للأجيال المقبلة.

ظلت مشاهد عديدة ترن بداخلي؛ مشهد استجواب بعض المتظاهرين المعتقلين في سجن مرتجل، تتابعات تظهر نشوة السلطة المعقدة والإشكالية في نقاط تفتيش اللجان الشعبية، ومشاهد مؤثرة على غير العادة للتعذيب في أمن الدولة. وبينما يقدم الفيلم شخصيات مسطّحة بحد أدنى من العمق، فأظن أنه قيم لأنه يلتقط روح التحرير في ٢٠١١ ورغبته غير القابلة للمساومة في التغيير.

في «بعد الموقعة» (٢٠١٢) ينظر المخرج المخضرم يسري نصر الله عن قرب إلى موقعة الجمل المشينة، حينما اقتحم متظاهرون مؤيدون لمبارك، يُظن أنهم مأجورون، ميدان التحرير وقد امتطى بعضهم الأحصنة والجمال.

يعيش خيَّال (باسم سمرة) على السياحة قرب منطقة الأهرامات، ويرشوه أحد أعضاء الحزب الوطني للمشاركة في الهجوم. في حين تتطوع مديرة تنفيذية في إحدى شركات الإعلانات وتؤيد الثورة (منة شلبي) مع أحد المجموعات الناشطة لنشر قيم المشاركة والديموقراطية. يصطدم عالما الشخصيتين ببعض، عاكسين حلم إلغاء الفروق الطبقية. إلا أن الفتاة تلاقي صعوبة في النفاذ إلى مجتمع الخيّال، بسبب أقاويل أعضاء الحزب الوطني السابقين عن كونها تأخذ أموالًا من الخارج لإفساد عقول المصريين، في تكتيك شائع لتلطيخ السمعة نشأ وقتها واستمر فيما بعد.

يتعرض الفيلم للأحداث بين تنحية مبارك ومذبحة المتظاهرين الأقباط أمام مبنى ماسبيرو في أكتوبر ٢٠١١. ويلتقط تفاصيل دالة من تطلعات الناس، والطاقة التطوعية للطبقات العليا من أجل التوعية السياسية، والعار الذي لاحق العائلات التي أيدت النظام السابق. أما وقد ذكر ذلك فإن ثيمات الانقسام الطبقي، الهوة الجندرية، وتلطيخ السمعة الذي لاحق الناشطين، كانت على قدر ضعيف من التطور. ينتهي الفيلم ببساطة إلى إعادة إنتاج الشعارات والقصص دون مسائلة حقيقية.

بينما يحتوي «فبراير الأسود» (٢٠١٢) على حبكة أصيلة وخلاقة، إلا أنه لا يعطي نفسه الفرصة لتطوير محتواه بصدق. في الكوميديا السوداء التي أخرجها محمد أمين (فيلم ثقافي، ليلة سقوط بغداد) يلعب الراحل خالد صالح دور أستاذ وطني في علم الاجتماع، يأتي من عائلة من العلماء المُساء تقديرهم. يبدأ الفيلم قبل عام من الثورة وينتهي بشكل مفاجئ بقيامها.

في أعقاب حادثة تشعر الأسرة بعدم الأمان في البلد، وتقرر أن الطريقة الوحيدة للنجاة في مصر، هي إما الزواج للدخول في نخبة السلطة أو الهجرة. يتتبع الفيلم محاولات الأسرة المتكررة والعبثية لتحقيق أي من الهدفين. الفيلم وهو مضحك ومسلٍ بشكل مايتبع نفس وصفة كوميديات المخرج السياسية الاجتماعية السابقة، وتمثل فيه الثورة محض تعليق أخير على الأمل في التغيير المحتمل.

٢٠١٣ و٢٠١٤: الثورة من الهوامش

يحكي فيلم أحمد عبد الله (ميكروفون، ديكور) شبه الصامت «فرش وغطا» (٢٠١٣) القصة من خارج ميدان التحرير. وعلى عكس سابقيه فإن «فرش وغطا» يجري تجارب حقيقية في الشكل والمحتوى.

الفيلم الذي يقوم ببطولته آسر ياسين يتتبع مسيرة سجين مجهول يهرب أثناء الفراغ الأمني الذي تلا احتجاجات 28 يناير، ويتخفى في مجتمع عشوائي على أطراف القاهرة خلال اعتصام التحرير. بدلًا من الحوار، يعتمد أحمد عبد الله على كاميرا طارق حفني (مدير تصوير ميكروفون، ديكور) ليحكي عن محاولات الشخصية لإيصال فيديو مصور بكاميرا موبايل يعرض عملية الهروب الجماعي من السجن إلى الإعلام.

رغم كون الفيلم تجريبيًا إلى درجة كونه مهلهلًا، خاصة فيما يتعلق بتفاعل الجمهور والحكي، إلا أن «فرش وغطا» تجربة سينمائية مميزة وتحية إلى أولئك الذين هُمّشوا خلال الانتفاضة الشعبية، سواء كان بالقصد أو بالغفلة، وفي محاولته للابتعاد عن شكل صناعة أفلام عن أحداث تاريخية مهمة أصبح الفيلم عملًا فنيًا يتحدى مفاهيم كيفية صنع الفيلم.

في ٢٠١٤ عاد إبراهيم البطوط بفيلم تشويقي يدعى« القط»، أيضًا من بطولة عمرو واكد وتصوير طارق حفني. مثل فيلمه السابق، يتخذ البطوط الثورة كإطار مرجعي، ولكن كما في «فرش وغطا» فإن الثورة هنا في خلفية القصة وليست في قلبها.

يتمحور الفيلم حول صعود الجريمة المنظمة في أعقاب الفراغ الأمني الحادث بعد الإطاحة بمبارك، وتحديدًا تجارة الأعضاء الداخلية لأطفال الشوارع. يبدأ الفيلم بداية مبشرة، إذ يتتبع مسيرة انتقام لشخص خارج على القانون معروف باسم «القط»، لكنه ما يلبث وأن يتشتت بشخصيات غامضة وغير ضرورية وأجواء سحرية براقة.

في فيلم «نوارة» للمخرجة هالة خليل (٢٠١٥) جرى تناول الثورة من هوامشها. يحكي الفيلم قصة نوارة (منة شلبي في دور نالت عليه جائزة أحسن ممثلة في مهرجان دبي) فتاة تعمل في إحدى بيوت «الفلول» المنتمين لرموز حكم مبارك بعد انطلاق الثورة، والذين يتركونها لتعتني بالبيت بعد هروبهم للندن. مع أن الفيلم لا يقدم جديدًا من الناحية السينمائية، إلا أنه برع في حكي قصة من هوامش الثورة، وخصوصًا مع تركيزه الخاص على شخصياته النسائية، على خلاف عادة السينما المصرية.

٢٠١٥ و2016: المزيد من المواربة، المزيد من التجريب، المزيد من النجاح

يتعامل فيلم ياسمينا متولي وفيليب رزق «برا في الشارع» (٢٠١٥) مع الثورة بشكل أكثر مواربة. يعيد عمال شاركوا في حركة عمالية في أحد المصانع تجربتهم –بعد ورشة تمثيللخلق الفيلم. مموهَيْن الخطوط الفاصلة بين الروائي والوثائقي، يعيد كل من متولي ورزق رواية جزء مركزي من الأحداث التي تلت اعتصام الـ18 يومًا في التحرير، والتي تجلت في إضرابات عمالية بطول البلاد في القطاعين العام والخاص. يستخدم الفيلم قصة أولئك العمال الذين نهضوا لمقاومة الخصخصة والمطالبة بحقوقهم كعالم مصغر للثورة، على حد قول أحد شخصيات الفيلم. لكن «برا في الشارع» لا يتوقف عند هذه النقطة، فهو أيضًا عمل فني. تصوير الفيلم جاء مرتجلًا، وبينما يتميز بوضوح الرسالة، إلا أن رسالته لا تزاحم مزاياه الشكلية أو الحرية التي يعطيها للمشاهد لرؤيته من وجهة نظره الخاصة.

في ٢٠١٦ لم نشهد تجارب روائية طويلة تتناول أحداث الثورة أو قصصًا من هوامشها، لكن يمكننا اعتبار فيلم «اشتباك» لمحمد دياب أكثر ما قارب هذه الثيمة، رغم عدم تناوله لـ ٢٥ يناير إلا بالإشارة لها في أحد المشاهد باعتبارها «أحلى الأيام». من الناحية التقنية، ففيلم «اشتباك»، الذي عرض في مهرجان «كان» وحقق إيرادات قوية مقارنة بمعظم الأفلام التي تناولت الأحداث السياسية الأخيرة، برع في تصويره الذي كان محصورًا بشكل كلي في عربة ترحيلات الأمن المركزي، ولكن هذا لم يمنع وجود ثغرات في تناوله أحداث ٣٠ يونيو ٢٠١٣ والتعقيدات السياسية والاجتماعية التي تلتها والتي نعيش تبعاتها حتى الآن.

ماذا بعد؟

اتصف العديد من هذه الأفلام –خاصة الأفلام الأولى التي أصرت على التركيز على الثورة كـ«مشهد»، وتلك التي صنعها مخرجون تجاريونبقلة النضج والتسرع. لكن هناك أيضًا تجارب مدهشة، خاصة من صناع الأفلام الآتين من مشهد صناعة الأفلام المستقل وأولئك الذين يروون القصص بطرق غير اعتيادية.

لا أزال أنتظر لأرى إن كان مشهد بناية ميدان الجلاء سيدخل ضمن فيلم خالد يوسف المقبل، لكن من العدل القول إن الأمور تتحسن سينمائياً بالنسبة للثورة، وإن لم يحدث نفس الأمر سياسيًا. ربما سيكشف لنا هذا الاتجاه أن ما بدا لنا سينمائيًا على الفور–المشهدية الكبيرةليس في الحقيقة ما يصنع سينما جيدة. ربما كان الفيلم الأيقوني ليس ما نحتاجه. ففي السينما كما خارج السينما، يمكن القول إن أكثر الجهود تقدمية تحدث في الهوامش اليومية.

__________

ترجمة: محمد الحاج

اعلان
 
 
روان الشيمي