Define your generation here. Generation What
الأغنية السياسية بعد ستة أعوام من الثورة: هل هو سن «النضج»؟
 
 
يسرا الهواري من كليب "العلم"
 

الأغنية السياسية هي إنتاج ثقافي مرتبط بكل الحضارات والثقافات، وعامل مهم لقياس التغيرات السياسية والاجتماعية في وعي المجتمعات.

وبطبيعتها كمجال يخضع في أوقات التغيرات أو الأزمات المجتمعية لاستقطابات حادة، فأنواع الأغاني السياسية تختلف بين اليمين واليسار؛ هناك دومًا الأغنية الوطنية، على غرار أناشيد تمجيد الدولة والجيوش، أو الفخر بالهوية الوطنية وسماتها العامة، ما يكون كثيرًا كاذبًا ومدعيًا، وهناك الأغنية التي تمثل الهامش أو الإنسان العادي، الذي وإن كان هو أيضًا جزءًا من الفخر الوطني إلا أنه يرزح تحت الظلم والتهميش والمعاناة. غالبًا ما تكون أغنية الهامش أصدق من أغاني الفخر الوطني وأقدر على البقاء منها في وعي الشعوب، حتى وإن جرى اكتشافها في وقت لاحق.

الأبوان – درويش وإمام

كثيرًا ما ارتبطت الأغنية السياسية بأحداث تاريخية كبيرة، مثل ارتباط تجربة سيد درويش بثورة 1919، وهي ثورة التحرر الوطني الأولى في تاريخ مصر الحديث، ولكن الأشهر والأكثر تأثيرًا على تجمعات كبيرة من الطبقة الوسطى والأدنى في مصر والدول العربية، كانت تجربة الشيخ إمام التي ارتبطت بانتفاضة 1977.

وميز كلًا من تجربتي سيد درويش والشيخ إمام خطابهما، أي كلمات الأغاني وانتقاء مفردات بعينها وصيغ موسيقية مستلهمة من تراث شديد الشعبية والخصوصية وتعارض الموسيقى السائدة، كما فعل درويش في استلهامه بعض مطالع أغانيه وجمله الموسيقية من ضجيج وغناء وهمهمات الفئات الشعبية، كعمال البناء أو الباعة المتجولين أو عاملات الجنس (المومسات المحترفات)، مثلما ظهر جليًا في أغان مثل «يا بلح زغلول»، «طلعت يا محلا نورها»، «سالمة يا سلامة»، وغيرها. أما خطاب إمام، والذي كتبه شعراء عانوا القهر المادي والمعنوي للسلطة، كالمنع والسجن والاحتجاز والملاحقة، فكان أبرز ما يصوغه الشكل الساخر، الذي يكاد يكون فاحشًا أحيانًا، وأدّى فيه إمام دور المستهزئ برموز السلطة ووقارها، والمعبر عن قوة السخرية في مواجهة الجبروت، وكانت الصيغ الموسيقية فيه بسيطة ومختلفة عن السائد من الألحان المعقدة في فترة من أهم فترات ازدهار الموسيقى المصرية، سواء الرسمية منها أو السائدة.

ولهذا يمكن عد درويش وإمام الأبوين الروحيين للأغنية السياسية الخارجة من رحم ثورة 25 يناير، والتي شهدت زخمًا كبيرًا بالتحديد في عامي 2011 و2012، وكان كل خطابها الحض والتثوير والعنف والسخرية من المؤسسات الرسمية ومن التفكير المجتمعي التقليدي، إلى أن تعرضت لتراجع حاد بعد حراك 30 يونيو، الذي صاحبه استقطاب دموي بين قوى الإسلام السياسية والدولة المصرية ممثلة في مؤسسة الجيش مع قطاعات عريضة من السياسيين، ثم شهدناها تعود في 2016 لتطلق رسائل تنوعت من حيث جمالياتها وأشكالها وخطاباتها وأشكال وصولها للمتلقي.

وكأن مرور ست سنوات على الثورة المصرية التي ألهمت الكثيرين، كان حافزًا على إطلاق أعمال جديدة نقرأها كخلاصة لنضج وتراكم هذه التجارب وبعض المشروعات الفنية التي سنتطرق لها، وبعضها توقف قليلًا وبعضها لم يتوقف، ولكن الرابط بينها جميعًا يكمن في أن هناك عنصرًا جديدًا قد طرأ، قد يكون هو إدراك الموقف أو واقعية الهزيمة.

في المحصلة فإنتاج 2016، الذي اخترنا منه هنا أربع تجارب للحديث عنها، جاء مليئًا بالتساؤلات ومعبرًا عن الإنهاك، وفي بعض التجارب كان عنيفًا ولكنه أجوف ومرتبك في الشكل أو تائه كخطاب غريب.

مشروع كورال: معافرة

«مشروع كورال» هو أحد تجارب الخلق الفني الجماعي البارزة في مصر الآن، وبدأ قبيل الثورة المصرية في ٢٥ يناير، وتطور بعد تنحي مبارك ليصبح صوتًا للعديدين. وخلال عامي ٢٠١١ و٢٠١٢ تحديدًا أصبحت التجربة راسخة وتتطور، حيث كان صوت المنتسبين للثورة وميدان التحرير في حالة نشوة وإصرار، وهذا ما عكسته أغاني «مشروع كورال» وقتها، وتحديدًا من حيث الشكل، حيث نجد العشرات مصطفين أمام فتحة المسرح التقليدية أو عدسة الكاميرا، والحضور بالعشرات أو المئات أو الآلاف. كان شكل التلقي التقليدي للمشروع يعكس حالة منصات التحرير وتجمعاته، فأعضاء المشروع مختلفون ومتنوعون تنوع الميدان نفسه قبل التنحي. تطور المشروع بعدها تبعًا لتطور السياسة ولتفاعل جمهور شباب الثورة مع الأحداث السياسية والاستحقاقات والصراعات مع الشرطة المصرية في التظاهرات أو قرارات السلطة الحاكمة، أي المجلس العسكري، في ذلك التوقيت.

لماذا صنفنا تجربة «مشروع كورال» بوصفها «خلقًا جماعيًا» أو «إبداعًا جماعيًا»؟ لأنها تجربة فنية بلا تراتبية سلطوية، فالكل يشارك ويساهم في إنتاج الكلمات واللحن والغناء، وحتى استخدام الآلات الموسيقية يجري بمشاركة العازفين، وليس تبعًا لسلطوية النغم المحكوم. وهذا ما جعل للتجربة صوتًا مغايرًا وأصيلًا في مجال الأغنية السياسية والإنتاج الموسيقي السياسي، كما جعلها تعبر عن الهامش أو الصوت المغاير عن الإنتاج الموسيقي المستهلَك من الأغلبية.

ظل «مشروع كورال» على حالته، ولم يشهد تغيرًا في الشكل أو الخطاب حتى حراك ٣٠ يونيو، بما أعقبه من أحداث سياسية وميدانية أحدثت ردة في التعبير الفني، لأن حالة الاستقطاب الشديدة في رأيي كانت مربكة لأي فعل خلق جماعي يحتاج لمساحة من الديمقراطية والتسامح والاختلاف. وبالتالي اكتفت مجموعات المشروع في القاهرة والإسكندرية بتقديم الأغاني السابقة، بالإضافة لتقديم عرض كبير لمدة ساعتين يشمل برنامجها كله تقريبًا.

خرجت الأغنية الجديدة لـ«مشروع كورال» والتي أخذت اسم «معافرة»، للنور من خلال الإنترنت، وبالتحديد عبر موقع يوتيوب، بشكل مسرحي بسيط، لكنه شديد التأثير ويناسب التجربة التي لا تعتمد على فنانين محترفين بالضرورة، كما لا تعتمد على وجهة نظر إبداعية صارمة. «مشروع كورال» هو تجربة جماعية تأخذ بالاعتبار كل أفرادها.

المختلف في «معافرة» أنها أكثر إنسانية وعالمية (عمومية)، بالمقارنة بسائر أغاني المشروع، كما أنها شديدة المصرية أيضًا، ففي صوت جماعي وبأداء مسرحي يشبه النحيب، تتجسد فنيًا مظاهرة متخيلة عن وطأة الخنقة اليومية التي أصبحت معتادة والتي تعبر عن انحسار أي حراك أو أمل في التغيير أو في الإنجاز أو السعادة ، وقد يكون هذا هو الموت المعنوي لكثير مما حلمنا به. تعكس أغنية «معافرة» حالة الإحباط والارتباك الجماعية لدى قطاع كبير من الشباب المصري. وإذا كانت الأغنية قد خرجت بشكل جماعي إلا أنها تصلح كتعبير فردي عن هذه الحالة.

خرج الشكل الفني لهذه الأغنية كمقطع مسرحي منقول بالفيديو. المشهد الأول تطل فيه الكاميرا من أعلى على رؤوس ووجوه مجموعة كبيرة من الشباب (جزء من فريق «كورال») المحشورة في مساحة ضيقة، وكأن هذا مكاننا كشباب الآن؛ أن ننحشر في مساحة ضيقة مخططة ومرسومة، ثم مع كلمات الأغنية ينفرط الشباب في ما يشبه التيه، وبعد التصفيق والتوقيع وصوت آلة الدرامز وبإيقاع كريشندو متصاعد يتحولون إلى مظاهرة يائسة معبرة عن الإحباط وقلة الحيلة: «من كتر الخنقة ضحكتمش فارق شكل الموت».

«مولانا» عبد الله المنياوي: يا طلاب العالم الثالث

تستند تجربة عبد الله المنياوي في الأغنية السياسية لبناء يختلف عن ذلك الذي تبناه درويش \إمام، وهذا لأن اللغة والشكل مختلفان.

عبد الله المنياوي منشد ومغني وعازف ترومبيت مؤخرًا، هكذا يرى نفسه، ويكتب نثرًا وشعرًا بالعربية الفصحى وينشده على غرار المنشدين الصوفيين التلقائيين التقليديين، مصحوبًا بصيغ موسيقية غربية ومختلفة طوال الوقت. أحيانًا تكون أقرب لصيغة الروك الإنجليزي البديل، وأحيانًا تكون موسيقى صوفية إلكترونية Electro Sufi، وأحيانًا يُطلَق عليها «موسيقى تجريبية معاصرة»  Contemporary Experimental Music. يستبطن المنياوي في غنائه تجربة صوفية ما، وينشر رحيقًا جديدًا ثوريًا رمزيًا باطنيًا، وله أتباع ومريدون ودراويش، ولا أعرف إن كانوا يفهمون كل مصطلحاته العربية الفصيحة التي يستخدمها في أغانيه . المنياوي ليس وحيدًا في هذا الدرب الموسيقي، فهناك آخرون قد يكونون سبقوه، مثل على طالباب، وقد خرج علينا هذا النوع من الموسيقى أيضًا مع أيام الثورة الأولى، بفضل موقعي يوتيوب وساوند كلاود، أي الإنترنت مرة أخرى .

تجربة المنياوي الأخيرة «يا طلاب العالم الثالث»، من ألبومه «محاولات البطن»، جاءت أيضًا مختلفة بعد سنوات خمس من الثورة. فالمنياوي، الذي كان منشدًا ومطربًا في عام ٢٠١١ وما تلاها، صار مطربًا ومؤلفًا وملحنًا وعازفًا ومنتجًا. كما شحذ كل جوارحه الفنية محاولًا طرح شيء مختلف، ليس عن الآخرين فحسب، ولكن عن نفسه في المقام الأول. أراد التمرد على «مولانا المنياوي» الذي كان يلهب العروق بغنائه، وبشعره الأقرب لشعر الحماسة، وهو يضفّر اسم «جابر جيكا» في كلماته عن الثورة وعن العدالة.

جاءت «يا طلاب العالم الثالث» على هيئة شهادة رصينة عن وضع الحراك الثوري، حاول فيها المنياوي إطلاق نفير أممي من أعماقه. كان يبحث فعلًا عن رفاق هذه المرحلة، وهم طلاب العالم الثالث وطلاب العالم الأول كذلك. ولم يتخل عن الرمز/البطل التضحوي، فاستدعى جوليو ريجيني ممثلًا لمحنة حراك الطلاب والشباب، ولم يكتف بالكلمات التحريضية، وإنما خلق إيقاعًا جنائزيًا بأداء هادئ، بلا صخب الإنشاد وغنائيته، وبموسيقى إلكترونية ممتزجة بنعيق الترومبيت الذي يعزفه أيضًا، موسيقى منسقة وموزعة بإيقاع بطيء ومزعج، وتأخذنا إلى مساحات صوتية تستدعي الفراغ الكوني، فننتقل بخيالنا من جنازة جوليو إلى السباحة في الفضاء في أفلاك النجوم والكويكبات الملونة، ونرى وجوهنا تبتسم وتتمتم معه: «عرفونا أنه وقت التراجع، قد تقدمنا هراء».

رامي عصام: ليه تحبسوا وردة؟

أُطلق على رامي عصام لقب «مغني الثورة»، الذي قد يكون أُطلق على آخرين أيضًا، ولكنه كان أكثر من التصق به، لقربه من الشباب غير الممارس للسياسة التقليدية من جموع شباب الثورة المصرية.

انطلقت تجربة عصام مع الثورة، وفي أثناء اعتصام التحرير الذي استمر لـ ١٨ يومًا، وكانت تجربته التي نالت شهرة واسعة امتدادًا بشكل ما لتجربة إمام/ نجم، ولكن أكثر بساطة وبلا أدلجة. كما جعلت منه ملامحه الشكلية، وهو الشاب الممشوق ذو الشعر الطويل صاحب الصوت الأجش، نجمًا لدى فئات عريضة من الشباب. اعتمد رامي على صدقه ومباشرته التي كانت بليغة جدًا في أوقات كثيرة، وساذجة وإشكالية أحيانًا. كذلك ساهم في تكوين شخصية رامي الفنية تعرضه نفسه للاعتقال والتعذيب، لبضع ساعات في ٢٠١١ من قبل قوات الجيش، والتي كانت تمثل قوات النظام الحاكم بعد تنحي مبارك.

رامي الذي كان حاضرًا في كل المشاهد السياسية، بوصفه المغني الثوري ومحرض الجماهير على التظاهر في الميادين، هو تمثيل لقطاع كبير من الشباب يضم بداخله فئات عديدة، منهم التحرريون الرافضون لأي سلطة، والإسلاميون المحافظون المتمردون على أي سلطة سياسية، وإن كانوا منصاعين تمامًا لمنظومة القيم الإسلامية الوهابية المحافظة والمتطرفة أحيانًا، ومنهم الشباب الناقمون على أوضاع مصر بشكل دائم، لأنهم يضعون أنفسهم طوال الوقت ربما في مقارنة مع بلدان أخرى تختلف سياقاتها عنهم كثيرًا. كان جمهور رامي عصام إذن متنوعًا ويثير التفكير، وهذا بالقطع ما شكل وصاغ مشروعه الموسيقي بشكل كبير .

في أغنيته «سجن بالألوان» يبلور عصام سعيه ليكون نجم الروك المصري، في هيئته وعنف أغانيه واختزالها وقسوتها تجاه المجتمع.

فيديو الأغنية بشكل عام هو عنصر مهم في تلقي الأغاني الثورية المعاصرة، وكل التجارب المذكورة هنا، باستثناء تجربة المنياوي، أتت بتصور بصري لا يمكن فصله عن خطاب الأغنية.

هنا يظهر عصام في مكان معد مسرحيًا بشكل جيد، ويقوم التتابع البصري للأغنية على استمرارية اللحظة على غرار المسرح، والإيحاء بأن كل الأغنية لم تصوَّر إلا مرة واحدة بدون تقطيع، وبطريقة اللقطة الواحدة، التي شملت أكثر من مكان ومرحلة، وتظهر ممثلة وراقصة تشبه الناشطة السياسية سناء سيف، وهي محور أغنيته، ثم تنتهي الأغنية برقصة غربية للممثلة والراقصة، مصممة على نهج الرقص المعاصر.

يتميز المنتج في مجمله بالحرفية، ويحمل توافقًا بين الشكل الفني المختار ونوع الموسيقى وكلمات الأغنية، كما يحمل طابعًا غربيًا يدل على الشراكة الفنية الجديدة لرامي في منفاه بالسويد. وصحيح أن إخراج الفيديو والسيناريو البصري لم يكن فنيًا بشكل كبير، لأنه استهلك صور نمطية ومكررة، ولكنه أضاف لأغنية عصام، وساهم في انتشارها وتلقيها عبر يوتيوب وغيره من وسائل الإعلام الاجتماعية.

قد تكون هذه أول أغنية ينتقد فيها عصام المجتمع بشكل كامل، إلى جانب انتقاده الدولة وسلطة ما بعد حراك ٣٠ يونيو، الذي كان عصام أبرز دعاته أيضًا.

وأثارت الأغنية التي كتب كلماتها جلال البحيري وشاركته الغناء فيها مغنية الراب اللبنانية مليكة، جدلًا كبيرًا وقت إطلاقها، بسبب مقطع «كل الرجال سلموا، وسناء بطولها تقوم تكشف ضلال كدبكم وتحارب الفرعون»، الذي رآه البعض من جمهور عصام نفسه غير منصف ويمثل إهانة للرجال المناضلين، كما أن البعض رأوا أنه لا يحتفي بالمرأة كشريكة في النضال، وإنما يقدم خطابًا على غرار «رغم كونها أنثى فهي تساوي الرجال» وعلى غرار المثل المصري «ست بعشر رجالة».

حاول عصام من خلال الأغنية الاحتفاء بدور المرأة في الثورة والنضال، مستدعيًا اسمي مناضلتين مصريين، هما سناء سيف وماهينور المصري، وجاء اسم الأخيرة على لسان مليكة مغنية الراب التي ظهرت في الفيديو المصور، بينما يحيط بها رجال مسلحون يعتقلونها وهي تقاومهم وتغني عن ماهينور وزنوبيا، فهي كلهن وكل النساء ماهينور وسناء ومليكة وزنوبيا.

هكذا كان خطاب رامي في أغنيته «سجن بالألوان» محملًا بعنف الثورة وقهر الاحتجاز، بالإضافة لبعض الارتباك في الرسالة، حيث قسّم و شغل جمهوره العنيف والثوري على وسائل التواصل الاجتماعي بأسئلة مهمة حول أسطرة البطل الثوري بعد الربيع العربي، والموقف الثوري من المرأة الآن.

يسرا الهواري: العلم

 

بعد خمس سنوات من ثورة يناير شاركتنا يسرا الهواري سؤالها الذي طرحته بطريقتها الخاصة: «إيه ممكن لسا يقولي أفرح لما ألاقي علم معلّم على السما؟» كان هذا سؤالها وسؤال الكثيرين في أغنية «العلم»، والتي لحنتها بينما كتب كلماتها سلام يسري في عام 2005.

انطلق مشروع يسرا الهواري بعد يناير ٢٠١١، وصُقل بالشراكة في مشروع آخر هو «مشروع كورال»، الذي يديره فنيًا سلام يسري. لم تخرج الهواري للوسط الغنائي المستقل معتمدة على إمكانيات صوتها؛ قوته أو نعومته، ما يمثّل المعبر الرئيسي لأي مغنية أو مطربة في مصر تلعب منفردة، وإنما خرجت محتضنة آلة أكورديون تخفي نصف جسدها، وتحتمي بها من التصورات المسبقة عن المغنية المصرية. ما ميّز مشروعها الفني كان شخصيتها هي نفسها، وصوت الأكورديون بنوتاته الغربية، والمفارقات المضحكة في كلمات أغانيها التي التي تحمل حكاية في معظم الأحيان، بحيث يمكن للمتلقي أن يرى شخصيتها بسهولة في الأغنية وأن يُسقط أحداثها على واقعه كما يحلو له.

تستمر يسرا في «العلم» مع مشروعها الفني الفريد الذي يميزها عن الأخريات في الوسط الغنائي المستقل، كونه يعتمد على شخصيتها وإمكانياتها وأفكارها ولا تمسخه أي شراكة فنية جديدة. وبلغة السوق الثقافية فقد أصبح مشروع يسرا ماركة (brand) لا تتشوه أو ترتبك، ولكن تتجدد وإن كان ببطء.

تشتبك «العلم» بشكل كبير مع أسئلة الواقع المعاش، بعد تراجع المزاج الشعبي عن كل ما مثلته ثورة يناير، وبعد جمود كل شيء سياسيًا واجتماعيًا إثر تداعيات حراك ٣٠ يونيو . ورغم هذا إلا أن الأغنية تأتي كسؤال شخصي بسيط يمثّل يسرا، كفنانة شابة تحكي حكايتها من خلال الأكورديون الذي أصبح صوته جزءًا من صوتها، مصحوبًا بعزف عبد الله أبو ذكري على آلة الساز المنتمية لعائلة العود الفولكلورية الشرقية، وإن كانت تُستخدم في «العلم» بعيدًا عن دلالتها التراثية. كل ما سبق أخرج أغنية «العلم» كمنتج فني يفكّك مفهوم الوطنية، كما يشتبك مع الموجة الشوفينية التي رعتها قطاعات الدولة المصرية بعد ٣٠ يونيو، كخطاب فكري وثقافي يناوئ فكر الإسلام السياسي، ولكن رغم هذا، ورغم مدلولات الكلمات والحزن البادي في الموسيقى والرافض لرموز الوطنية التقليدية مثل «العلم»، فقد جاءت الأغنية أيضًا متشبثة بحنين للوطنية المصرية التقليدية، «ريح وباقية من الوطنية تهوي على قلبي شوية».

خرجت أغنية «العلم» على هيئة فيديو قصير مصور على اليوتيوب. الفيديو بسيط وموزع بين مساحة مغلقة، هي البيت والستديو والشوارع، تحديدًا شوارع وسط البلد وميدان التحرير، التي تقطعها يسرا وهي تقود مسرعة، ونرى الناس فيها من بعيد في حياتهم شديدة الاعتيادية. وما بين ظهور يسرا وأبو ذكري وهما يعزفان أو يظهران جالسَيْن في كادرات ثابتة أشبه بمشاهد المسرح. وقبل أن تخفت الإضاءة تدريجيًا ويظلم المشهد في الفيديو، يظهر ثلاث أطفال يرسمون العلم ومصر وحياتهم اليومية في المدرسة والشارع ، ويهمهمون بجمل معظمها مضغم، ولا نميز منها سوى كلمتي «مصر» و«العلم».

***

تنتمي الأغاني الأربع التي اخترناها هنا لمشهد واحد ولأساليب وأسس إنتاج متقاربة (المشهد المستقل)، وتخاطب جمهورًا أغلبه من الشباب والمتعلمين في مصر وفي البلاد العربية، منطلقة من نفس اللحظة ونفس السؤال؛ ماذا سنقول بعد ست سنوات من ثورة يناير؟ وكأن في عام ٢٠١٦ تولد إحساس بمسؤولية ما عن التعليق فنيًا أو إطلاق شهادة عن أحداث مرت عليها ست سنوات.

ولهذا خرجت الأغاني في لحظة مناسبة، ورغم التضييق على العروض والحفلات الحية المتمثل في ضعف التمويل وغلق المسارح والقوانين المقيدة، فمن الطبيعي لهذه المشاريع المنتمية للمشهد المستقل، أو ما يسمى أحيانًا بالـ«أندر جراوند»، أن يصبح الإنترنت هو المساحة المتاحة لعرضها وتلقيها وتقييمها والسجال حولها.

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب