Define your generation here. Generation What
امتحانات «البوكليت» للثانوية العامة: إصلاح في الوقت الضائع
 
 

أعلنت وزارة التربية والتعليم عن اعتمادها نظام «البوكليت» لامتحانات الثانوية العامة، الذي يتضمن تغييرا في أنماط الأسئلة والأجوبة، ودمج ورقتي الأسئلة والإجابة، بالإضافة إلى التركيز على وضع أسئلة تقيس مهارات الفهم والاستنباط والاستنتاج، والاعتماد على عدد أكبر من الأسئلة التي تتطلب إجابات موجزة، «لتجنب الإطالة والتركيز على الكيف وليس الكم» بحسب بيان أصدرته الوزارة الأسبوع الماضي.

كان أحد أهم أسباب تبني نظام«البوكليت»، بحسب الوزارة، هو منع تسريب الامتحانات. وهي القضية التي سببت أزمات عدة للوزارة ولطلاب الثانوية العامة على مدار السنوات الماضية. وأكدت الوزارة أنه ستكون هناك نماذج مختلفة لكل امتحان، يُراعى فيها تغيير ترتيب الأسئلة، حتى تكون عملية تسريب الامتحانات أصعب بكثير.

إلا أن الإعلان عن النظام الجديد جاء قبل خمسة أشهر فقط من بداية امتحانات الثانوية العامة، ما أثار غضبًا واسعًا وانتقادات عديدة في أوساط الطلاب والمدرسين، الذين شككوا في قدرة النظام الجديد على تجنب الغش وتسريب الامتحانات، بالإضافة إلى شكاوى أخرى لها علاقة بطبيعة النظام ذاته.

مناهج «صم».. وأسئلة ذكاء

بدأت الوزارة بالفعل في نشر نماذج للاختبارات بالنظام الجديد في كل المواد الدراسية على موقعها الرسمي، بواقع نموذج واحد لكل مادة. وقارن«مدى مصر» بين نماذج الاختبارات الجديدة، ونماذج امتحانات في السنوات السابقة، وتبين أن النظام الجديد لم يشهد أي تغيير ملحوظ في مضمون الأسئلة أو شكلها، إذ ما زالت الأسئلة التفسيرية التي تتطلب إجابات مطولة مثل «علل» أو «بم تفسر» موجودة. بالإضافة إلى الأسئلة المقالية وأسئلة الاختيار من متعدد.

إلا أن التغييرات التي شهدتها نماذج الاختبارات الجديدة، شملت الدمج بين ورقتي الأسئلة والأجوبة، ما يعني زيادة عدد ورقات الامتحان الواحد إلى ما يقارب الثلاثين ورقة، بالإضافة إلى إعطاء مساحة أقل للإجابة مع زيادة عدد الأسئلة، وزيادة أسئلة الاختيار من متعدد، وإلغاء الأسئلة الاختيارية، وهي النقطة التي كانت مصدر الشكوى الأكبر بين الطلاب.

تقول الطالبة إسراء محمد: إن إلغاء الأسئلة الاختيارية وجعل الأسئلة جميعها إجبارية، سيمثل مشكلة كبيرة أمام الطلاب، خاصة في المواد العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا، بالإضافة إلى اللغة العربية والرياضيات. مضيفة: «أتاحت لنا الأسئلة الاختيارية [في الامتحانات السابقة] فرصة للحصول على درجات أفضل، حيث يمكننا الإجابة على كل الأسئلة، والحصول على درجات الأسئلة التي حازت على أعلى نسبة إجابات صحيحة. الآن علينا الإجابة على كل الأسئلة وهي عددها كبير جدا».

وتقول إسراء أن الطلبة في حالة ارتباك، حيث ما زالوا يطالعون النماذج المنشورة على موقع الوزارة، ولا يعلمون ما هي الطريقة المثلى للتحضير لهذه الامتحانات.

في المقابل؛ تقول الطالبة آية عبيد إن الميزة الوحيدة للنظام الجديد ستكون أثناء التصحيح، موضحة: «عادة ما تحدث مشاكل كثيرة أثناء تصحيح الامتحانات، حيث يصحح المدرسون أجوبة بدون وجود الأسئلة أمامهم، ما يؤدي في الغالب إلى خصم درجات دون وجه حق من الطلاب، أو إضافة درجات. أما الآن؛ فيستطيع المدرس قراءة السؤال والإجابة في نفس الوقت، وهو ما يعني نسبة خطأ أقل بكثير».

أعلنت صفحة «شاومينج» تحديها للنظام الجديد، معلنة البدء في عمل تطبيق مفتوح على مشغل الهواتف «أندرويد»، لوضع نماذج الإجابات المختلفة حيث يمكن للطلبة التسجيل من خلال عمل حسابات، والبحث عن الأسئلة التي يريدون الحصول على إجاباتها، بالإضافة إلى «مفاجآت أخرى» سيتم الإعلان عنها تباعا.

إلا أن آية ما زالت ترى مشكلة كبيرة في ما يخص الأسئلة الإجبارية: «لا يستطيع الطلاب تذكر وحفظ منهج كامل تم تدريسه على مدار عام كامل في أكثر من سبعة مواد. حيث أتاحت الأسئلة الاختيارية للطلاب في السابق فرصة تجاوز مذاكرة أجزاء معينة من المنهج، واختيار عدم الإجابة على الأسئلة المتصلة بها. الآن؛ سيتعين علينا مذاكرة المنهج بأكمله، ما يعني عبئًا إضافيًا على الطلاب».

وأعلنت الوزارة عن تخصيص نسبة 30% من الأسئلة للطالب المتفوق، تستهدف مهارات الفهم والتذوق والاستنباط والاستنتاج والتحليل، على حد قول الدكتور حسن شحاتة رئيس لجنة وضع معايير امتحانات الثانوية العامة، الذي أكد لـ«مدى مصر» أن هذه الأسئلة ستضمن ألا يتحول امتحان الثانوية العامة إلى «شيك درجات بدون رصيد للطلبة». وأضاف شحاتة: «نُفاجأ كل عام بمجموعات كبيرة من الطلاب الحاصلين على نسب درجات خيالية، تؤهلهم لدخول لكليات القطاع الطبي والهندسة، ثم يرسبون في السنة الأولى لدراستهم الجامعية. في هذا العام نستهدف أن يحصل الطالب الذكي فقط على هذا المجموع من الدرجات، بينما سيحصل الطالب المتوسط فقط على الدرجات التي يستحقها ولن نكافئ الطلاب على ما حفظوه، لكن على ما فهموه».

إلا أن إسراء ترى أن هذه السياسة غير عادلة: «تربينا منذ الصف الأول الابتدائي على حفظ المناهج ووضعها في كراسة الإجابة آخر العام. كيف يطلبون منا الآن في الخمسة أشهر الأخيرة من الدراسة قبل الجامعية، أن ننحي كل هذا جانبًا ونعمل أخيرًا على تنمية مهارات التفكير؟ أشعر وكأننا نبدأ في الوقت الضائع». مضيفة أنها ترى من الأفضل بدء تجريب مثل هذه الأنظمة على مراحل تعليمية أخرى، وليس قبل شهور قليلة من الإمتحانات التي يتحدد على أساسها مستقبل مئات الآلاف من الطلاب.

التدريب ليس للجميع

لم تعلن الوزارة عن أي خطط لتدريب الطلاب والمدرسين على كيفية التعامل مع النظام الجديد للاختبارات، إلا أن شحاتة أكد لـ «مدى مصر»، أن الوزارة بدأت في وضع نماذج الأسئلة على موقعها، وأنها ستضيف نماذجًا أخرى لكل مادة تباعًا، كل أسبوعين. كما سترسل هذه النماذج للمدارس، كي يستخدمها المدرسون في تدريب الطلبة على التعامل مع النظام الجديد. وأضاف: «سيتيح موقع الوزارة فرصة تلقي شكاوى المعلمين والطلاب على النظام الجديد عبر موقع تفاعلي، حتى تُؤخَذ في الاعتبار. وبدأ الكثير من المدرسين بالفعل في تصميم نماذج للامتحانات مشابهة للنماذج الواردة على موقع الوزارة لتدريب الطلاب عليها».

واتفقت الطالبتان آية وإسراء على رأيهما الذاهب لعدم جدوى الاعتماد على تدريب المدرسين للطلاب، لكون «الطلاب لا يذهبون إلى المدارس في الأساس حتى يتم تدريبهم على نماذج الامتحانات هناك»، وأكدتا أن عملية التدريب بدأت بالفعل في مراكز الدروس الخصوصية. تقول آية: «بدأ المدرسون بالفعل تدريبنا على مجموعة من الأسئلة صعبة الحل، فنحن لا نملك رفاهية خسارة 30% من درجات كل مادة بسبب أسئلة الذكاء».

ويرى الطلاب أن مشكلة الثانوية العامة أكبر من مجرد تغيير نظم الامتحانات، فالنماذج الجديدة «مش هترجعنا للمدرسة تاني» على حد قول آية، التي تؤكد أنها ذهبت للمدرسة مرتين فقط منذ بداية العام الدراسي، مضيفة: «نذهب للمدرسة فلا يحتمل المدرسون الضوضاء التي نسببها فيطردوننا، ولن يحل النظام الجديد عودة الطلاب للمدارس التي لم تعد محورية للعملية التعليمية». تذهب آية يوميًا، في المقابل، إلى مراكز الدروس الخصوصية، حيث تدفع شهريا قرابة 2000 جنيه، للجلوس في قاعات تستوعب أعدادًا تتراوح ما بين 400 إلى 800 طالب.

«الوزير يتعامل بشكل سطحي وغير جذري مع الأزمة، مما ينتج حلولا غير مكتملة. لا تحتوي المناهج وكتب التدريب وكتب الوزارة على أي طريقة يمكن من خلالها للطلاب والمعلمين التدرب على هذا النوع من الامتحانات».

وتتفق إسراء مع آية، مضيفة أن تغيير مضمون المناهج وتطوير طرق التدريس هو الحل الأمثل، وليس تغيير شكل الاختبارات فقط: «نماذج الإجابة [التي يجري التصحيح بموجبها] مطابقة للكتاب المدرسي الذي يحتوي على الكثير على الأخطاء العلمية في الكثير من الأحيان. لن يغير نظام الامتحانات الجديد من هذا الواقع شيئًا، ما زلنا مطالبين بكتابة نفس الإجابات المدرسية الواردة في الكتاب الوزاري».

أيمن البيلي، المدرس بمديرية التربية والتعليم بالدقهلية، ووكيل نقابة المعلمين المستقلة، يرى أنه لا يمكن تطبيق نظام«البوكليت» بدون تطوير منظومة المناهج بشكل أوسع. مضيفًا أنه كان من الأفضل وضع استراتيجية أكبر لتطوير التعليم، يتم تطبيقها بشكل تدريجي على مراحل تعليمية مختلفة، بدلًا من تطبيق النظام بشكل فجائي على طلاب الثانوية العامة قبل خمسة أشهر من بداية الامتحانات، واصفًا قرار الوزارة بـ «الترقيع».

وأضاف البيلي: «الوزير يتعامل بشكل سطحي وغير جذري مع الأزمة، مما ينتج حلولًا غير مكتملة. لا تحتوي المناهج وكتب التدريب وكتب الوزارة على أي طريقة يمكن من خلالها للطلاب والمعلمين التدرب على هذا النوع من الامتحانات».

كما يرى وكيل نقابة المعلمين المستقلة، أن الاكتفاء بنشر نماذج الامتحانات على موقع الوزارة، قد ينتج عنه مشكلة إتاحة، شارحًا: «لا يتمتع كل طلبة الثانوية العامة برفاهية الوصول للإنترنت، خاصة هؤلاء في المناطق النائية والفقيرة. فهل ستتيح الوزارة نماذج الامتحانات في المدارس؟ وحتى لو أتاحتها، كم من طلاب الثانوية العامة يذهب للمدارس في الأساس؟»

الوزارة مطمئنة و«شاومينج» يتحدى

بينما يؤكد حسن شحاتة، رئيس لجنة وضع معايير امتحانات الثانوية العامة، أن أحد أهم مميزات النظام الجديد هو صعوبة تسريب هذه الامتحانات؛ خاصة مع نية توزيع أربعة نماذج من نفس الامتحان بترتيب مختلف للأسئلة. وهو ما يعني عمليًا صعوبة نشر نماذج الإجابات لأربعة نماذج مختلفة في نفس الوقت. إلا أن الكثير من المراقبين يرى أن هذا ربما يكون حلًا عمليًا فقط، حينما يتم تسريب نماذج الأسئلة أثناء الامتحان.

تشرح آية أن تسريب الامتحانات في السنوات السابقة كان يعتمد على تسريب ورقة الأسئلة بعد بدء الامتحان بالفعل، حيث يتم حل الامتحان ونشر نموذج الإجابة على مواقع التواصل الاجتماعي. إلا أن هذه الاستراتيجية تطورت بشكل كبير في العام الماضي، حين بدأت صفحات شهيرة مثل«شاومينج بيغشش ثانوية عامة»، بنشر نماذج الامتحانات كاملة قبل موعد الامتحانات بساعات عدة، ما دفع وزارة التربية والتعليم لإلغاء امتحاني اللغة العربية والتربية الدينية، وإعادة إجرائهما مرة أخرى، ما أدى لموجة غضب واسعة بين الطلاب الذين تظاهروا ضد قرارات الوزارة.

وتتوقع إسراء أن يتم تسريب نماذج الامتحانات كاملة على مواقع التواصل الاجتماعي مثلما حدث في الماضي، حيث «لا يمكن للوزارة مواجهة التطور التقني والتكنولوجي». بينما أضافت آية: «ربما كان يمكن لنظام البوكليت أن يصبح مجديًا في السابق، حينما يتم تسريب الامتحانات بعد عقدها بالفعل.. لكن ما حدث في العام الماضي يعني أن تسريب الامتحانات حدث من المنبع، ما الذي يمنع إذن من تسريب الامتحانات بنفس الطريقة؟».

يرى وكيل نقابة المعلمين المستقلة، أن الاكتفاء بنشر نماذج الامتحانات على موقع الوزارة، قد ينتج عنه مشكلة إتاحة، شارحًا: «لا يتمتع كل طلبة الثانوية العامة برفاهية الوصول للإنترنت، خاصة هؤلاء في المناطق النائية والفقيرة».

إلا أن خبير الامتحانات حسن شحاتة، أكد لـ «مدى مصر» أن الوزارة قد اتخذت احتياطاتها جيدًا، مؤكدًا أن طبع امتحانات«البوكليت» سيتم داخل مطابع «جهة سيادية»، ستشرف على عملية طبع الامتحانات ونقلها وتوزيعها. مضيفًا: «أوقفنا العمل في المطابع السرية التابعة للوزارة تمامًا، وهو ما يعني أنه لا يمكن تسريب الامتحانات بأي شكل».

إلا أن صفحة «شاومينج» أعلنت تحديها للنظام الجديد، معلنة البدء في عمل تطبيق مفتوح على مشغل الهواتف «أندرويد»، لوضع نماذج الإجابات المختلفة حيث يمكن للطلبة التسجيل من خلال عمل حسابات، والبحث عن الأسئلة التي يريدون الحصول على إجاباتها، بالإضافة إلى «مفاجآت أخرى» سيتم الإعلان عنها تباعًا.

ويرجح الطالب عبد الرحمن عمران، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب مدارس مصر، فشل النظام الجديد في منع الغش، مضيفًا: «لم تفكر الوزارة في معرفة مواطن الخلل ومحاولة معالجتها، المشكلة التي ظهرت بالعام الماضي تؤكد أن أزمة التسريب حدثت من داخل الوزارة. وبشكل عملي، لا يمكن تجنب تسريب امتحان موحد يتم إجراؤه في نفس الوقت على مستوى الجمهورية، في ظل هذا الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي».

ويضيف عمران أن اتحاد طلاب مصر تقدم باقتراح العام الماضي للتغلب على أزمة تسريب الامتحانات، يشمل عمل «بنك للأسئلة» يضم عددًا كبيرًا من أسئلة الامتحانات، حيث تقوم كل مدرسة بطبع امتحان بشكل غير مركزي، ويكون اختيار أسئلة الامتحان عشوائيًا داخل كل لجنة امتحان. وهو ما يعني عمليا؛ أن الامتحان لن يكون موحدًا لكل الطلاب على مستوى الجمهورية، وبالتالي يصعب تسريبه.

واتفق البيلي، وكيل نقابة المعلمين المستقلة مع عمران، وتساءل: «هل تعدد الأسئلة واختلاف ترتيبها سيمنع تصوير نموذج الأسئلة وتسريبه لخارج لجان الامتحانات؟ بالطبع لا. علينا أن نتذكر أن الامتحانات سُربت العام الماضي من داخل الوزارة، وهو ما لم تعالجه الوزارة على الإطلاق».

ويرى عمران أن نظام«البوكليت» يعني تكلفة مادية كبيرة، خاصة وأن الوزارة ستحتاج لطباعة أربعة نماذج مختلفة لورقة امتحان تشمل قرابة الـ 30 صفحة، مضيفًا: «أشك في قدرة الوزارة على تحمل هذه التكاليف، وأتوقع الاعتماد على نموذج واحد توفيرًا للنفقات». فيما أكد القيادي الطلابي أن الوزارة لم تلتفت لاقتراحات الاتحاد، مضيفًا أن الوزارة امتنعت عن عقد أية اجتماعات مع الطلاب، منذ قرر الطلاب عقد مؤتمر صحفي بنقابة الصحفيين العام الماضي احتجاجًا على سياسات الوزارة. وهو المؤتمر الذي منعت قوات الأمن عقده.

اعلان
 
 
مي شمس الدين