Define your generation here. Generation What

مصر وميانمار: عما هو أهم من بوذا

كان مدهشًا بالنسبة لي اعتراض البعض على تصريحات شيخ الأزهر التي اعتبر فيها البوذيةَ دينًا إنسانيًا أخلاقيًا، وبوذا حكيمًا صادقًا، صاحب تأثير في تاريخ الإنسانية، وهو ما صرح به خلال مؤتمر عن بورما.

ووجه الدهشة، أن ما قيل يعبر عن انفتاح يدعو للمدح لا للقدح، وقد لا يدرك المعترضون أن هناك خلافًا حول ما إذا كانت البوذية دينًا سماويًا أم وضعيًا، وإذا ما كان بوذا مرسلًا من السماء، أم حكيمًا من أهل الأرض.

وصحيح أن إثبات الرسالة لبوذا لم يقل به أحدٌ من الأقدمين، غير أن الشيخ جمال الدين القاسمي، أحد رواد النهضة العلمية الدِّينية في الشام، أورد في تفسيره «محاسن التأويل»، لسورة «التين»، أن معاصرين ذهبوا إلى أن التين هنا هو الشجرةُ التي كان يأوي إليها بوذا، وأنزل الله عليه الوحي وهو تحتها، وهذا سر تقديس البوذيين لها، حتى أنهم يسمونها التينة المقدسة.

على أية حال، فإن وصف البوذية بالدين لا شيء فيه، فكلمة «دين» من حيث هي، تطلق كل ملة أو اعتقاد، بل إن القرآن اعتبر عبادة الأصنام في مكة دينًا، حين قال «لكم دينكم ولي دين».

(2)

ولكن الأهم من هذه الجزئية التي أخذت حيزًا دون داع، هو دخول شيخ الأزهر على خط الأزمة في بورما، ما يفتح أمامنا بابًا للنظر في قضية أكبر، وهي قضية التغيير في كلا البلدين مصر وميانمار، سيما وأنهما بدأتا مرحلة التحول في النظام السياسي في توقيت واحد، أي العام 2011.

و«ميانمار» هو الاسم الجديد، الذي اُستبدل باسمها القديم «بورما»، منذ عام 1989، وهي بلاد ظلت خاضعة للاستعمار البريطاني لنحو قرن من الزمان، ثم بعد الاستقلال، ظلت خاضعة لحكم ديكتاتوري عسكري امتد لأكثر من نصف قرن آخر.

وخلال هذا الحكم العسكري، امتلكت ميانمار سجلًا حافلًا بالسوء في تزوير الانتخابات المحلية والبرلمانية، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، حسب توصيف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وسجلًا أسوأ في الاعتقال والقمع والتصفية الجسدية والعرقية للمعارضين السياسيين والصحفيين، وأضحت ميانمار بنهاية الأمر، من أكثر دول العالم فسادًا –في تصنيف منظمة الشفافية الدولية– ومن أعلاها في مستويات الفقر.

حتى جاء العام 2011، ووصلت البلاد إلى طريق مسدود، وأدرك أطراف النظام العسكري هناك أن مصالحهم باتت مهددة، وبأنهم أمام خيارين، إما الانفجار أو حلحلة الأوضاع باتجاه التغيير، عبر انتخابات حرة، وهو ما حدث بالفعل.

وبالفعل، أجريت انتخابات وٌصفت بـ«الحرة»، وَصل من خلالها العسكري السابق «ثين سين» لرئاسة البلاد، بعد اكتساح حزبه بغالبية الأصوات، وقد تعهد أثناء ترشحه بالإصلاح والديمقراطية.

شَكّل ثين سين حكومًة كان أغلب وزرائها من المدنيين، وحقق فعلًا إصلاحات سياسية محدودة، كان أهمها حل مجلس الدولة للسلام والتنمية، وهو بمثابة المجلس العسكري الذي هيمن على مقاليد الحكم لعقود، وبدا هذا تغييرًا هائلًا، ثم اتخذ سين إجراءات تخفف القيود على المعارضة، فأطلق سراح المعارضين السياسيين، ورفع هامش حرية الإعلام نسبيًا، وأعاد قانون حق الإضراب عن العمل. هكذا تحركت مياه السياسة قليلًا في البلد الواقع جنوب شرق آسيا.

ثم في نوفمبر عام 2015، أجريت انتخابات نيابية، فاز فيها أكبر أحزاب المعارضة «الرابطة الديمقراطية» بقيادة «أونج سان سو»، الحائزة على جائزة نوبل للسلام.

وفي مارس عام 2016، أجريت انتخابات رئاسية جديدة، فاز فيها «هتين كياو»، ليصبح أول رئيس مدني منتخب، عقب 54 عامًا من الحكم العسكري. وتعهد كياو بتحقيق المصالحة الوطنية، وإحلال السلام وتحسين الظروف المعيشية للشعب، وصياغة دستور يحقق الديمقراطية والفيدرالية في البلاد.

إلى هنا يبدو التطور إيجابيًا، لكن لأن الحكم العسكري -الذي استمر عقودًا- كان يعامل الجميع بمنطق القوة الخشنة، فإن مرحلة التحول نحو الديمقراطية، فجّرت معها صراعات عديدة، كانت غير منظورة في عهد الاستبداد، وكان للمسلمين النصيب الأوفر منها، فارتفعت وتيرة التعصب وأعمال العنف ضدهم.

ثمة تغيير جرى، لكنه غير مكتمل، فعلاقات القوة بين أطراف السلطة في ميانمار لم تتغير كثيرًا إلى الآن، إذ لا يزال الجيش محتفظًا بربع المقاعد في البرلمان، بنص دستوري، ولا يزال مسيطرًا على الكعكة الأكبر من الاقتصاد، ووسائل الإعلام وشركة استيراد السلاح، ولا تزال الشرطة العسكرية تمارس تهديدًا على الصحفيين والمعارضين.

إن قرنًا ونصف قرن من الاستعمار والاستبداد العسكري في ميانمار، خلّف تركة ثقيلة لا تزال تأثيراتها تتداعى، كما أن التخلص من آثارها والتحرر من أغلالها ليس سهلًا.

إن فهمنا لهذه الخلفية، سيجعلنا ندرك أن قضية المليون مسلم أو يزيد هناك هي -على خطورتها- ليست سوى تفصيلة ضمن تفاصيل أخرى لا تقل أهمية، وتشترك جميعها في نسج واحدة من أكثر الفصول مأساوية في قصص الاستبداد العسكري، وكلفة الخلاص منه.

المسلمون في ميانمار هم أتعس أهل الأرض، حسب وصف مجلة نيوستيسمان (NewStatesman) البريطانية، فهم يتعرضون لأشد أنواع التنكيل، والقتل والاستباحة الجسدية، ويعاملون كمهاجرين لا كمواطنين، حتى أنه لم تتح لهم المشاركة في هذه الانتخابات الأخيرة، لا ترشحًا ولا تصويتًا.

وتحرك شيخ الأزهر لجمع أطراف الأزمة من بوذيين ومسلميين عبر مجلس حكماء المسلمين دور إيجابي مهم بلا شك، ويصب -إن نجح- في اتجاه التغيير والتعايش الذي ترنو إليه ميانمار.

(3)

وإذا انتقلنا إلى مصر، سنجد أيضًا أن العام 2011 كان، وللمفارقة، هو ذاته العام الذي بدأت فيه أم الدنيا مشوارًا مماثلًا في ذات الطريق نحو التغيير، والتطلع إلى الحرية، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، تعرف ما عرفته الأمم المتقدمة من فصل بين ما للدين وما للدنيا.

ثم جرت في النهر مياه كثيرة، وساهمت القوي السياسية المؤثرة بشقيها الإسلامي والمدني، والنظام القديم، في وصولنا إلى محطة يراها كثيرون أسوأ مما كنا عليه.

كما أن نظرة سريعة على الدور الرسمي للأزهر، منذ تفجرت قضية التغيير وحتى يومنا هذا، تترك انطباعًا بأنه يقف ضد حركة التغيير، لا معها، بدءًا من البيانات الرسمية والفتاوى الديني، التي حرمت التظاهرات، واعتبرتها خروجًا على الحاكم، وصولًا إلى بيانات وفتاوي أخرى مناقضة لذلك تمامًا، كتلك التي أصدرها الأزهر قبل الثلاثين من يونيو، وأكد فيها جواز خروج المتظاهرين على الحاكم، ورد على جماعات الإسلام السياسي بعدم تكفيرهم حتى ولو خرجوا «بالسلاح» وكهذا البيان الصوتي قبل نهاية يوليو 2013، الذي دعا فيه شيخ الأزهر جماهير المصريين للخروج في مظاهرات استجابة للدعوة التي أطلقها آنئذ، وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي، لتفويضه في مواجهة ما سماه بـ«الإرهاب المحتمل».

ولو أضيفت هذه البيانات إلى مواقف أخرى، سيتبين في المجمل أن الأزهر في مصر لعب دورًا في حركة ارتدادنا العكسي، حتى أن كثيرين يعتقدون أن المؤسسة الدينية الأهم باتت أداة من أدوات الحكم، في إخضاع الجماهير والسيطرة عليها، بدل أن تكون أداة من أدوات الجماهير في نيل خلاصها.

هكذا بدأت ميانمار ومصر طريق التحول في عام واحد، لكن بعد خمس سنوات، نجد أن الأولى لا تزال تكافح وتتقدم -وإن ببطء- في طريق تحولها نحو حكم مدني رشيد، في حين أننا ارتددنا على أعقابنا، وانقطع مسارنا.

اعلان
 
 
عبد الهادي حريبة  heriba500