Define your generation here. Generation What
إزميرالدا من البرازيل: الرقص الشرقي كفكرة.. وتلويحة باليد
 
 

«عندما تكون محترفًا للرقص، كالجاز مثلًا أو حتى الرقص المعاصر، وتريد المزيد من الحرية في التعبير  العاطفي أو الحركي، ستجد نفسك ذاهبًا إلى الرقص الشرقي». هذه هي أحد الأفكار الملهمة للراقصة البرازيلية إزميرالدا كولابون، هي الآتية من البرازيل، أي من منطقة تعج بكل أنواع الرقص والتعبير بالجسد، بدءًا من ذلك المقولب في قواعد جامدة، وحتى ذاك المزدحم بالحركات والنغمات الصاخبة.

الحرية بوابة الرقص

عبر مقاطع الفيديو المسربة من حفلاتها، تقدم الراقصة البرازيلية حركات لا تستطيع عين المشاهد التملص منها، أو النظر إليها عابرًا.

تحركاتها وإن رآها البعض خاطفة، إلا أن آخرين يرونها مُهَندَسة أكثر من اللازم. قد يكون هذا هو جوهر الجدل بين مشاهديها في مصر.  يذهب المعجبون إلى أنها تعيد الرقص إلى أصله الفني، متجاوزة الاستعراضات التجارية، والاهتزازات العشوائية الفجة، وأن المشكلة قد تكمن في صعوبة مشاهدة راقصات أخريات بعدها، أما المعارضون فيذهبون إلى أن تحركاتها الفنية والأصلية وضعتها في القالب التقليدي، الملتزم بالنص، دون اجتهاد.

تتحدث إزميرالدا عن حركاتها هنا، وتركز الحديث عما جذبها للرقص الشرقي بعد احترافها للباليه والرقص المعاصر، فتقول لـ«مدى مصر»: «في عيد ميلادي السادس عشر أسرني الرقص الشرقي، وجدت أنه تجسيد للحرية، أعطاني حرية التعبير عما أريد التعبير عنه، بالإضافة لكيفية التعبير، تقنيًا وعاطفيًا. كنت بالفعل راقصة باليه محترفة، ودرست رقص الجاز والرقص المعاصر، لكن هذه الحرية حسمت قراري ببدء تعلم الرقص الشرقي. جسدت كل إرادتي للمضي في هذا المسار، وكانت الأولوية بالنسبة لي هي لغة الجسد. هناك تحد كبير عندما تريد التواصل مع مجموع الناس عن طريق جسدك، بغض النظر عن الخلفية الثقافية واختلاف الجنسيات، سواء بينك وبينهم، أو فيما بينهم بعضهم البعض أيضًا. من هذا المنظور، لابد أولًا من التأكد من كل حركة وإيماءة يستطيع جسدك القيام بها، وكلما عرفت أكثر، كلما استطعت التعبير أكثر، ويصبح التواصل مع الناس أقوى. هذه هي بداية فهمي للغة الجسد، بعدها تكون الأولوية الثانية للتحكم في الحركات، وفصلها عن بعضها البعض. الأمر في النهاية يوصل إلى فهم كامل ومختلف للهوية».

اليدان هما السر

حين ترقص إزميرالدا، يبدو وكأنها تحمل المشاهدين على الرقص معها. تتحرك بكل أنسجتها لتستحوذ على حواس المشاهد، ثم تتلاعب به؛ تبعده بحركاتها، ثم تعود لتضمه إلى رحلتها بكلتا يديها. اليدان هما السر، وهما أكثر ما حمل آثار الباليه في رقصات إزميرالدا. لا تقدم يداها حركات لسد الفراغ بين دقات الإيقاع، وإنما هما جزء أساسي، وأحيانًا يكون هو الأساسي بألف لام التعريف، في الرقصة. تتنقل الحركات بين الخصر والصدر وحتى اليدين، ليؤديا نفس الدَقّة ولكن بإحساس مختلف. إزميرالدا تعي هذا جيدًا: «عندما نتحدث عن الرقص، فإن اليدين هما أداة مهمة جدًا. هما أساسيتان للطاقة الكامنة فيهما، ولقدرتهما على توجيهها عبر كامل الجسد. بإمكانك تأدية وظائف التواصل عبر الكلام، أي أن تدير، تتحكم، تساعد.. إلخ، ولكن يمكنك فعل هذا أيضًا عبر تلويحة اليد، وفي التواصل الطبيعي بين الناس. اليدان قادرتان على إيصال أحاسيس معقدة ومشاعر صعبة للإنسان. باختصار، ترتبط اليدان بالقلب مباشرةً، لذلك فمن المهم عدم نسيانهما في الرقص مطلقًا؛ هما المسؤولتان في المقام الأول عن الزاوية التي تريد النظر لها، وعن إتقانك لفكرة أن يكون قلبك المصدر الأول لما تريد التعبير عنه».

مصر: الجائزة الكبرى

رغم الإتقان الواضح في تعبيرها بجسمها  عن الموسيقى الدائرة، إلا أن فهم الكلمات ظل حجر عثرة أمام إزميرالدا. تقول: «لا أتحدث العربية بطلاقة للأسف، وهذا خطأ كبير من جانبي، لكني أستعين بموسيقيين ومدرّسين لتخطي هذه المشكلة. أريد فهم الموسيقى والكلمات والمشاعر من ورائها، أسعى لفهم خلفية المغني والفكرة وراء الأغنية، ولمعرفة كل أداة موسيقية شاركت في إخراج اللحن، وهذا، بديهيًا، أمر أساسي لتقديم استعراض متكامل».

جمهورها بشكل أساسي هو من البرازيليين ومن السياح الأجانب في البرازيل، ولكن هناك استثناءات. تستدرك: «أيضًا في رحلات كثيرة لإقامة العروض في الخارج، وبالأخص في أمريكا الشمالية والوسطى، يقبل الجمهور على الحضور، حيث أقدّم استعراضات وأعلم الرقص الشرقي أيضًا، بالإضافة للحفلات في البلاد العربية مثل الإمارات وتونس والمغرب وسوريا وعمان. الحصول على جمهور من العرب هو أمر عظيم. لكن بعد إنتاج فيديو «إنت عمري» باتت المشاهدات القادمة من مصر أكبر بكثير. بالنسبة لي، كان الحصول على مشاهدين من مصر بمثابة جائزة لي، وهو جائزة لأي من يريد احتراف الرقص الشرقي».

ليس رقصة نمر في الغابة

تعرضت مسيرة الرقص الشرقي في مصر تحديدًا إلى الكثير من التغيرات، خاصةً مع صعود موجة موسيقى المهرجانات الشعبية؛ باتت حركات الراقصات أكثر عنفًا، مع التركيز على الحس الجنسي الوحشي. نال التحول كلًا من الراقصات المصريات والأجنبيات على حد السواء، وكأنه كان شرطًا للاحتراف في مصر.

لإزميرالدا رؤية في هذا الموضوع تضعها بين طرفين، الأول ضد الأصولية ومع مجاراة التطور الطبيعي، والثاني يحفظ حق التجريب مع الإبقاء على حد أدنى من الشروط الفنية. تقول: «من الصعب أن تعيش وتمارس عملك وتدافع عن الفن الذي تمارسه، خاصة لو كان يتقاطع مع الفهم الثقافي والاجتماعي للأمور. وهذا أمر غير مسبوق لم أره هنا في البرازيل مثلًا، مع رقص الفلامينكو أو الباليه أو الرقص المعاصر. هناك عدة أسباب في نظري أدت لتحول الرقص الشرقي من آداء ونوع رقص إلى تعبير صرف عن الهوس الجنسي، تتعلق جميعها بالمجتمع، وأعني بالمجتمع مجموعة واسعة من الناس آتين من مناطق جغرافية متعددة ولديهم فهم ثقافي معين. دعنا على سبيل المثال نتحدث عن الراقصات اللواتي يحترفن الرقص الشرقي في مصر. هؤلاء يذهبن إلى بلاد الرقص الشرقي دون فهم دقيق له، وإنما يرينه مسألة مرحة ومثيرة جنسيًا بشكل لم يروه في بلادهم، ومن هنا تبدأ كرة الثلج في الدوران. ذات مرة دعاني منظمون لإحياء حفل تخرج، سألتهم لماذا يريدون الرقص الشرقي بالتحديد، فقالوا لي إنهم، بالإضافة طبعًا لتقديرهم الرقص الشرقي كفن، فهم يريدون استعراضًا متوحشًا، مثيرًا ومجنونًا. قلت لهم إنهم لو  كانوا يريدون شيئًا مثيرًا ومتوحشًا، فربما يكون استعراض لنمر من الغابة أنسب لهم. وبخصوص الرقص، لماذا لم تفكروا في الصالصا أو الفلامنكو؟ كان ردهم ببساطة: حسنًا، نقدر وقتك، نبقى على اتصال وسلام. من عليه اللوم في هذا الموقف؟ الشباب الذين شاهدوا راقصات شرقيات عدة مرات؟ أم الراقصات اللواتي قبلن هذا النمط من الرقص؟ من بدأ كل هذا اللغط؟ كل هذا ونحن لم نتطرق بعد إلى السوق ومدارس التعليم والتسويق والمهرجانات. في الحقيقة، فهناك الكثير مما يحتاج للمراجعة والإنقاذ. لو كنت تسألني عما إذا كانت هذه التحولات قد تعرضت للشروط الأساسية لفن الرقص الشرقي، فسأجيبك: نعم».

اعلان