Define your generation here. Generation What

في انتظار ترامب: الحرب الدائمة في الشرق الأوسط

من زاويتنا في الشرق الأوسط، تنعدم أمام المراقب أي قدرة على توقع توجهات الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بخصوص المنطقة، فليست للرجل خبرة تذكر في التعامل مع قضاياها، ناهيك عن أن يملك من الأصل تصورًا عن حلها، كما أنه يفتقر في تعاطيه مع تفاصيلها إلى أي استراتيجية متكاملة، يمكن منها استخلاص منطق حاكم أو مبدأ موجه. وبعيدًا عن شتات أقوال تعلقت بالمنطقة وانتقد فيها الرئيسَ المنتهية ولايته أوباما، ومنافستَه هيلاري كلينتون، ظل ترامب طوال حملته يظهر عدم الرغبة في التورط في وعود تخص المنطقة. وإذا ما أضفنا إلى هذا كله تلك الحمولة الثقيلة التي حفل بها خطابه، والتي نضحت بشعبوية مفرطة، ولوَّنها نَفَسٌ عنصريٌ فج، ضد الأجانب بالعموم، والعرب والمسلمين على وجه الخصوص، فإن الأمر يزداد تشوشًا.

مزيد من الشيء ذاته

إلا إن الوضع يزداد قتامة أكثر إذا ما فارقنا البعد الشخصي في التحليل، وركنَّا إلى تلك القناعة بأن الولايات المتحدة الأمريكية في الأخير هي دولة مؤسسات وأن سياساتها محكومة ببنية مصلحية راسخة. فاستدعاء تاريخ السياسات الأمريكية في المنطقة في حقبة ما بعد الحرب الباردة يبين لنا كيف تدمن واشنطن نسيان ماضيها، وتنكر بإلحاح وجود مبدأ غير مكتوب حكم مجمل حراكها في الشرق الأوسط؛ «مبدأ الحرب الدائمة». وهو مبدأ مراوغ ظل يبدل واجهاته ويعيد تشكيل صيغه في عناوين براقة، يبرز من ظاهرها الاختلاف، بل والتناقض مع سابقاتها، لكن نواتجه ظلت واحدة، أي الحرب.

وكم رأينا حمى المناداة بالتغيير في المنطقة تجتاح سوق صنع السياسات في واشنطن، ويتردد صداها في مؤسسات القرار ومراكز الأبحاث، في معلبات سياسية، ويصفونها دائمًا باستخدام لفظتي «تغيير» و«جديدة»، داعين بحماس بالغ الرئيس الجديد إلى تبنيها.

يقال إن رؤى السياسة الخارجية التي تطرحها الأجنحة الحزبية المتنافسة في العاصمة الأمريكية تحتاج دومًا إلى ساحة لإثبات قدرتها، ولدلائل على إمكانية تعزيز المصالح الأمريكية بواسطتها. ولا غرابة في أن منطقة الشرق الأوسط كانت هي هذه الساحة بامتياز، فمنذ كارثة إقدام صدام حسين على احتلال الكويت، والتي تفجرت أحداثها خلال لحظة ارتباك للنظام الدولي، أعقبت زلزال انهيار الاتحاد السوفيتي الضخم، ظل كل رئيس أمريكي يطرح في لحظة ترشحه في الانتخابات وعودًا للشرق الأوسط، وزعمًا ضخمًا بأن الأخير على «قائمة أولوياته للتغيير».

الأمر بوضوح لم يأت من طرف ترامب وحده، فلا اعتراض عربي على سداد كامل الفواتير التي يتحدث عنها، بل إن حديث المنطقة عن مضاعفة مشتريات السلاح سابق في الأصل على دعوة ترامب

حملت اللحظة العارمة التي أفل فيها نجم موسكو، لتحل واشنطن محلها سيدةً متفردةً على العالم، وبمسمى براق هو «النظام العالمي الجديد»، أسوأ تجلياتها في المنطقة. وقتها اختار الرئيس الجمهوري جورج بوش ضرب المثل على القدرة الأمريكية الجديدة، باستعراض مضاعف للقوة في منطقتنا، فاندلعت حرب خلّفت ما جاوز المليون ونصف المليون قتيل، وبُثت وقائعها المفزعة على الهواء مباشرة، لإثبات أن ثمة «روما جديدة» قد صعدت لسدة حكم العالم.

ولم تمض إلا سنوات قلائل حتى صخبت واشنطن بضرورة تغيير المنطقة، كبابٍ لتعديل نظام عالمي قوامه السلام الأمريكي المنفرد، وجاءنا الديمقراطي بيل كلينتون بمنظوره شديد النفاق الذي حمل لافتة «التدخل الإنساني». وشهدنا في منطقتنا كيف لم يخل عهده «الحمائمي» من استعراضات حربية جديدة، حصدت مزيدًا من الأرواح في الصومال وأفغانستان والسودان، فضلًا عن العراق الذي لم ينقطع فاصل الدم فيه.

وعلى عادتها، استمرت واشنطن على صخبها الموسمي المنادي بالتغيير، وأخرجت أسوأ طبعات يمينها لتعلن الامتعاض من رخاوة كلينتون، خصوصًا بعدما ضربت فاجعة الحادي عشر من سبتمبر رموز القوة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية. وتسيّدت خطابَ المحافظين الجدد ديباجةٌ وطنية متطرفة، انعكست عندنا في صورة رغبة محمومة في جمع ما اعتبروه حصادًا منسيًا من زمن الحرب الباردة. فيما لعبنا نحن كالعادة دور حقلهم المختار لجمع هذا الحصاد، واستقبلنا حربًا جديدة عُنونت بلافتة «الحرب على الإرهاب»، حربًا لم تمنع نواتجَها الدامية الادعاءاتُ بالإصلاح ونشر الديمقراطية في المنطقة.

رغم ترديد عبارة «التغيير»، يظل إنكار صناع السياسات في واشنطن لحقيقة أن ثورات شعبية طالبت بالحرية والعدالة والكرامة قد مرت ببلدان هذه المنطقة، يستفز المطالع لهذه الاستراتيجية

وحين حل الموسم التالي، صخبت واشنطن ثانية بالرغبة في تغييرنا، وهرع كهنة البنتاجون وشارع بنسلفانيا والكابيتول هِل إلى كيل النقد الحاد للمحافظين الجدد، ولسياسات جورج بوش الابن جميعها، وحملوا على ميله التدخلي المعنون بـ«الحرب على الإرهاب». وربما فرحنا للحظات بوجودنا في قلب هذه اللغة الاعتذارية، واحتفلنا بباراك أوباما الذي هتف بها، إمعانًا منا في أداء دور الضحية التي يتوجب تخفيف آلامها.

الرجل الذي جاءنا ملقيًا قصيدة سلام من قلب القاهرة، أكبر عواصم المنطقة، حمل خطابه عنوانًا مغويًا هو «البداية الجديدة»، ضمَّنه وعدًا صريحًا بانتهاء زمن الحروب الأمريكية في المنطقة، وسحْب قواته من العراق. ولا عجب أن مضت السنون دون أن ينحسر التدخل العسكري، أو تنقطع الحرب. ربما خفت وتيرتها حينًا أو قلت كثافتها قليلًا، لكنها ظلت مستمرة. لم ينصلح حال العراق ولم ينته مسلسل الدم في المنطقة، لكن ما استجد كان ترهل أمريكي واضح، أسفر عن مغامرات وضعت مربعات أخرى في المنطقة على قائمة الحرب، تاركة غيرها بين مطرقة سياسات الاستبداد الطائفية وسندان القاعدة وداعش وأمثالهما من ميليشيات التطييف وإفرازات حمى التنافس الإقليمي.

ورغم ريح الربيع العربي ووعدها الذي لقي ترحيبًا متحفظًا من واشنطن، فقد عجزت السياسة الخارجية الأمريكية عن تغيير بوصلتها التي تفضل الحرب، إلى وجهة التنمية والشراكة والديمقراطية، وانزعجت من تحلل تحالفاتها التقليدية مع نظم الاستبداد. ولمدة وجيزة، رأينا كيف اشتبكت في أروقتها الرؤى المصلحية التقليدية الأشد رسوخًا، مع الرؤى الجديدة التي ودّت لو تكرس شيئًا من المثالية العملية، وانتهى الحال سريعًا بإلقاء شعارات القيم والرغبة في التغيير والتكيف مع تطلعات جماهير الربيع، على قارعة الطريق بين البيت الأبيض ومؤسسات القوة في واشنطن. ليدرك من راهنوا على قدرة واشنطن على تمرير طموحات الربيع العربي أنهم ينتظرون عبثًا أن يتمخض التناطح بين حمائم وصقور الحزبين الرئيسين عن تحول حقيقي، وظهر أن كلًا منهما لا يراهن على شعوب منطقة لم يزل يرى فيها مجرد سيرك مباح لمغامرات القوة، ومسرح عبث يمكن أن تُرمى فيه أساطير التغيير المعاد تدويرها، وبصوت مبشريها من مختصي الشرق الأوسط وعرابي نظم الاستبداد، فتؤتي مفعول السحر لصالح مغامراتهم.

رغم ريح الربيع العربي ووعدها الذي لقي ترحيبًا متحفظًا من واشنطن، فقد عجزت السياسة الخارجية الأمريكية عن تغيير بوصلتها التي تفضل الحرب

ولا نريد أن ننحو باللائمة على واشنطن وحدها دون حلفائها، ودون القوى التي وجدت فراغًا للقوة سارعت للعب فيه بدورها، فقد انحسرت قدرات أمريكا في المنطقة، ولم يكن مستغربًا أن خفتت مطامح أوباما لصنع التغيير، وبدا في عاميه الأخيرين ضجرًا، راغبًا في نفض يده عنها. كل هذا وأزيز الطائرات لا يكف، وسيل الدم لا ينقطع، بل رحنا لفاصل جديد، بتنامي داعش وأخواتها. وتحولت بؤرة الصراع المعنون بـ«الحرب على الإرهاب» من أواسط آسيا، إلى الهلال الخصيب، تحولًا التهم الربيع العربي، الذي حل بدلًا منه حضورٌ لقوى لا تملك إلا أوهام هوياتية فجة، حالفت في دراما العبث الاستبداد خصمها المفضل، ليمنح كل منهما الآخر قبلة الحياة، بعدما بشرت الثورات بإنهاء سطوتهما.

وها هو عصر ترامب يهل، وسط سيمفونية الدم الشرق أوسطية ذاتها، ببؤر متفجرة تنتظره، من سوريا إلى اليمن وليبيا. ولم يبق في حلوقنا إلا التساؤل الساخر: هل ننتظر مزيدًا من الشيء ذاته؟

ليس حبًا من طرف واحد

رغم هذا التشاؤم المستحق، يتكرر السؤال الذي انتهك معناه مرات ومرات: هل يجئ الرئيس الأمريكي المنتخب بجديد يعرف به مصالح بلاده وأسلوب تحصيلها في المنطقة؟ هل ثمة إمكانية معه لوقف مسار ربع قرن من النظر إلى العرب كخاسرين مفضلين في لعبة الهيمنة، عليهم دومًا تسديد فواتير أزمات المنطقة والعالم، دون الحصول على شيء في مقابل ذلك؟ أظنها أسئلة بالية، لا مجال لتصور الإجابة عليها في معادلة رابحرابح بين الولايات المتحدة والشعوب المتطلعة إلى تغيير حقيقي في المنطقة.

وحتى إن تجاوزنا موجة الانشغال الراهنة بترامب كرجل جاء من خارج المألوف سياسيًا في واشنطن، وتجاهلنا عناصر خطابه المفعم بالفوقية والشعبوية، وإن تجاوزنا مجمل حال الاستغراق الانتخابي بطروحاته التنافسية المنفعلة والضيقة، وانطلقنا من البُعد المؤسسي لا الشخصاني للسياسة، هل سينبئنا هذا بإمكانية تغيير حقيقية؟

لنحاول! ولنبدأ من اتفاق عام بين المشتغلين على متابعة العلاقات الأمريكيةالشرق أوسطية، قوامه أن ثمة مصالح أمريكية مستقرة وراسخة في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، يمكن تلخيصها تحت عناوين ثلاثة رئيسة، هي:

حماية المصالح الاقتصادية: ويعلوها استقرار إمدادات البترول كمًا وسعرًا، والمصالح المتعلقة باستدامة العلاقات الاقتصادية التفضيلية مع المنطقة وفتحها دون عوائق وبمزايا خاصة للصادرات الأمريكية، خصوصًا السلاح، مع بقاء هذه الأسواق مفتوحة أمام الاستثمارات الآتية من أمريكا وحلفائها.

حماية المصالح العسكرية: ويعلوها تعزيز الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، بالقواعد والعلاقات العسكرية التمييزية، وأمن إسرائيل، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وبالطبع استمرار المواجهة مع الإرهاب، منعًا لتمدده في المنطقة، وفي المساحات التي تخلفها نظمه الفاشلة.

استدامة تفوق أمريكا وإبقاء موازين القوة لصالحها: وقف تمدد روسيا ونفوذها هي وحلفائها في المنطقة، مع دعم الحلفاء الإقليميين في هذه المواجهة، وفق ما تراه واشنطن أولوية للعمل، وضمن أطر التفاوض/التوافق فوق الإقليمي، التي تربط مناطق صراع واشنطنموسكو الراهن في شرقي أوروبا بشرق المتوسط، وترتبط أيضًا بالصراعات في جنوبي آسيا وفي الممرات الملاحية الدولية، فضلًا عن الصراعات غير التقليدية في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها.

ورغم إيماننا بأن مصالح مثل نشر القيم الأمريكية، ودعم التوجهات الليبرالية، وتعزيز التحول إلى الديمقراطية، وفتح المجال أمام مشاركة المجتمع المدني، وحماية حقوق الإنسان، لا يمكن وصفها بأنها مصالح «أكثر رسوخًا»، لكن لأغراض التحليل، سنضيفها كدائرة رابعة من المصالح التي تدفع واشنطن لإقرارها في المنطقة.

في ضوء قائمة المصالح الرباعية هذه، يدرك المتابع أن ترامب، وحتى اللحظة، لم يطرح أي ملامح لسياسة شرق أوسطية متماسكة. وليس بيدنا سوى محاولة لملمة نتف للإجابة مما هو متاح من أقوال وتصريحات هنا وهناك.

تلخيصًا، ثمة مقدمات خمس يمكن منها اشتقاق ملامح لسياسة ما، إما وردت بنصها في خلال حملته الانتخابية أو بفحواها، أو تدوولت على ألسنة بعض مستشاريه المتعلق عملهم بالمنطقة. وهي مقدمات أو قناعات يجري تداولها اليوم كعناوين للتباحث في لقاءات التعارف بينه وبين المنطقة:

على حلفائنا دفع مقابل الأمن الذي نوفره لهم، وتسديد فواتيره كاملة.

إن رهاننا في إنجاز المصالح الأمريكية في المنطقة يعتمد على تلك النظم الحليفة التي تعمل ضد الراديكالية، بغض النظر عن الطبيعة الاستبدادية لتلك النظم الحليفة.

لا مجال للنأي، فسياسات أوباما وتردده في سوريا، لم تمدد الحرب وتفاقم نواتجها المأساوية وحسب، بل غذت أيضًا خطر داعش وأنمته إلى المستوى الذي يهددنا، فيما جرى تجاهل متعمد للتحذيرات المقدَّمة من حلفائنا في المنطقة.

يجب عدم التهاون مع إيران، أو السماح لها بتمديد نفوذها وإعمال استراتيجيتها التدخلية في المنطقة، حتى لو اقتضى الأمر مواجهتها عسكريًا. كذلك لا مجال للاستمرار في الاتفاق النووي معها وفق الصيغة المطروحة حاليًا، فإما أن نراجعه أو نتراجع عنه.

يظل التوافق مع «القائد» فلاديمير بوتين حول سوريا مفيدًا في الخروج من المأزق السوري، وفي التعامل مع مخاطر داعش، وهو أمر ضروري ومكمل لسياستنا مع حلفائنا.

والسؤال: هل في هذه المقدمات ما يناقض ما توده العواصم العربية الكبرى؟ يمكن القول ببساطة إن الأربع مقدمات الأولى منها على الأقل ترجوها نظمنا بل وتتمناها بشدة، وتسعى حثيثًا من أجل تحويلها إلى سياسة أمريكية معتمدة.

الأمر بوضوح لم يأت من طرف ترامب وحده، فلا اعتراض عربي على سداد كامل الفواتير التي يتحدث عنها، بل إن حديث المنطقة عن مضاعفة مشتريات السلاح سابق في الأصل على دعوة ترامب، والكل ماض فيما يمكن بسهولة اعتباره سباق تسلح تقليدي، تعاظَمَ بين بلدان الخليج وإيران منذ لحظة الاتفاق النووي مع الأخيرة، رغم مأزق الانخفاض الشديد في أسعار البترول وآثاره الوخيمة على مالية البلدان المصدرة للنفط، التي يخاطبها ترامب بضرورة تسديد فواتير الأمن والسلاح.

من باب سعد نظم الاستبداد الباقية على حالها أن تعلو مرة أخرى في واشنطن مطالبات الواقعيين باستعادة الرهان عليها. والأسعد أن يراهن ترامب على ذلك أيضًا

يبين تقرير فصلي للبنك الدولي صادر الصيف الماضي أن «الموازنات المالية في البلدان المصدرة للنفط بالمنطقة تحوَّلت من فائض قدره 128 مليار دولار عام 2013 إلى عجز قدره 264 مليار دولار عام 2016. وخسرت مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي 157 مليار دولار من العائدات النفطية العام الماضي، ومن المتوقع أن تخسر 100 مليار دولار أخرى هذا العام. وفي عام 2015، استنفدت السعودية 178 مليار دولار من الاحتياطي الأجنبي، تبعتها الجزائر، 28 مليار دولار، والعراق، 27 مليار دولار

هل غيّر هذا الواقع المنذر بالشؤم شيئًا من الرغبة في دفع فواتير واشنطن؟ تدلل بيانات مشتريات السلاح في عامي 2015 و2016 ببساطة على اتجاه صاعد للمدفوعات، التي بلغت ذروة غير مسبوقة في ظل إدارة أوباما، التي لم تكل عن الزعم بأن توجهها يلفظ الحرب. وقد تفوقت فيه مدفوعات الدول العربية بين بلدان العالم، حيث طلبت واردات تفوق حاجتها، بل وتفوق ما احتاجته في أوقات حروب المنطقة الكبرى. ولم يغيّر انهيار سعر البترول لمستوى غير مسبوق، هو أقل من خُمس ما كان عليه قبل أربع سنوات، الالتزام العربي بتوريد البترول بسعر تفضيلي وبكمية مستقرة إلى الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين. التوافق تام رغم الخسائر. أما عن السعادة التقليدية التي تكتنف مجمل البلدان الشرق أوسطية بفتح الأسواق عن آخرها أمام الاستثمارات الأمريكية، فبادية في كل ركن، مع اتساع تبني نمط الحياة والاستهلاك الأمريكي، ولا جديد ههنا!

ومن باب سعد نظم الاستبداد الباقية على حالها أن تعلو مرة أخرى في واشنطن مطالبات الواقعيين باستعادة الرهان عليها. والأسعد أن يراهن ترامب على ذلك أيضًا، وأن يعلن أن أكثر هذه النظم استبدادًا هم أصدقاء له، قادرون على جلب الاستقرار والحماية للمصالح الأمريكية. ربما أدهشه تكالبهم على مقابلته حتى من قبل إعلان نتيجة الانتخابات، مقدمين أوراق اعتمادهم له، كأنما كانوا يودونه هو بالتحديد.

التوافق بينه وبينهم ليس هينًا؛ فيما يخص أوباما، تحكي المرارة في حلوق الكثير منهم عن غضبهم المكتوم من سياسات الرئيس المغادر لمنصبه، وعن تعاظم آمالهم في استعادة ثقة واشنطن مرة أخرى، وإرجاع العلاقات التقليدية إلى سابق عهدها. ولعل التلويح من طرف ترامب بنقض الاتفاق حول برنامج إيران النووي أن يكون عربون المحبة لحلفاء المنطقة، خصوصا نظم الخليج، التي رأت في توجهات واشنطن إزاء إيران إبان أوباما تخليًا واضحًا عنها، وتكريسًا لطموحات هيمنة لم تكل إيران عن إنفاذها وتمديد آثارها التي بانت جلية في عواصم عربية أربعة.

مبادلة الموقف الأمريكي المتساهل في الملف النووي الإيراني لقاء تعاون واسع في وجه داعش، لم يكن ورقة اللعب الوحيدة على الطاولة. في هذا الخصوص تتجاذب واشنطن حزمتين من المصالح؛ واحدة تود استعادة إيران لدائرة النفوذ الأمريكي، أو على الأقل تحييد نزوعها التوسعي ووكالتها للروس، وإقامة سلام معها، ربما في مقابل ترك بعض النفوذ لها في العراق، خصوصًا وقد تنامى هذا النفوذ فعليًا عبر العقد الماضي، وبشكل غير بعيد عن أعين الأمريكيين ورضاهم. والحزمة الثانية تود الاستمرار في احتواء إيران وتقليص نفوذها، الذي بدا وأنه يتضخم لمستوى يستحيل معه الحديث عن أي إمكانية لاحتوائها بمجرد اتفاق على الورق لا يكفي لتحجيم قدراتها العسكرية. تقلق الطموحات الإيرانية واشنطن بقدر ما تفزع الخليج وتثير حفيظته، والأكيد أن الروس يعلمون هذا، ويستثمرونه جيدًا.

أوباما الذي أغضبهم في مسألة إيران، لم ير في داعش خطرًا وجوديًا، وظل ينظر إلى خطر التنظيم بوصفه أصغر من أن يقارن بخطر الطموحات الروسية أو الضغوط الصينية على اقتصاد العالم، بل واعتبر داعش أقل خطورة بمراحل من مخاطر التغير المناخي. ومثل نظم المنطقة، فقد تعامل فريق ترامب مع هذه التفرقة بخفة، معتبرين أوباما مجرد مأفون يهرف بمخاطر متوهمة، ويتجاهل الخطر المحيق. بالطبع يذكرونه بتردده، وبقوله إن داعش مجرد شخصية عبثية عنيفة في فيلم حركة هوليودي، بلا قوام حقيقي بمقدوره تشكيل خطر وجودي على الولايات المتحدة. كما يذكرون تغييره موقفه هذا بعد حادث سان برناردينو، حين تراجع أمام حدة النقد والتشكيك في استراتيجيته في الشرق الأوسط، متوعدًا: «سندمر داعش». استمع أوباما صاغرًا لأصداء الفزع المتصاعدة بين الأمريكيين، والتي ضخمها اليمين، بعدما كان يرى الأمر حالة من فزع غير مبرر.

كان تردد أوباما في المشاركة بحشد بري في سوريا مدفوعًا بخشية أن يتسبب هذا في مضاعفة قوة تنظيم داعش وقدراته التعبوية، إذا ما هبطت قوة أجنبية لمواجهته على الأرض. وفضل التعامل عبر سلاح الجو، لكن هذا الأمر بذاته، إلى جانب الخلافات بينه وبين وزيره للدفاع تشاك هاجل، أفضى إلى تعقيدات ميدانية مربكة، فميليشيات المقاومة التي دعمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها كانت تتفتت فعليًا، وتعجز عن تكوين صف حقيقي يقف في وجه قوات النظام المتهالكة، ناهيك عن أن يناوئ قوات داعش. وميدانيًا، كانت قوة أغلب هذه الميليشيات، ورغم ضخامة ما أنفق عليها، تؤول إلى صالح داعش والقاعدة. طرح هذا في حينه ضرورة إعادة تقييم علاقة الأمريكان بهذه القوى، لكن أوباما آثر نفض يده كليًا، ما أثار غيظ الوكلاء الإقليمين الذين تحمسوا لدعم هذه القوى، ومنهم تركيا ودول الخليج!

بتصالح ترامب المفتون بشخصية بوتين، مع حقائق التدخل الروسي في سوريا، أصبح الباب مفتوحًا لتمرير وفاقٍ ودي بشأن سوريا، يأتي في صيغة تسوية يتقاسم بموجبها الأمريكان والروس النفوذ في سوريا

قصة اختلاف توجهات أوباما في سوريا عن ترامب والحلفاء العرب تنقلنا مباشرة إلى قناعة ترامب الخامسة بخصوص التوافق مع روسيا، والتي يبدو من ظاهرها التباين مع وجهات النظر في عديد من عواصم الشرق الأوسط. المتابع لتطورات العلاقات العربيةالروسية، والسعودية الروسية على وجه الخصوص، منذ الصيف الماضي، يدرك أن القبول بتوافق ترامببوتين وحالة الغزل الإعلامي بينهما، لم يزعج العرب، بقدر ما أزعجتهم توافقات كيريلافاروف التي مهدت للتدخل الروسي في سوريا. حتى ورقة التشدد إزاء مصير الأسد، والتي رُفعت عربيًا وأوروبيًا، خفتت تمامًا بين الجميع، لصالح الحديث عن أولوية القضاء على خطر داعش وإعادة توحيد الأراضي السورية.

بتصالح ترامب المفتون بشخصية بوتين، مع حقائق التدخل الروسي في سوريا، أصبح الباب مفتوحًا لتمرير وفاقٍ ودي بشأن سوريا، يأتي في صيغة تسوية يتقاسم بموجبها الأمريكان والروس النفوذ في سوريا، على قاعدة تصفية المخاطر الجهادية المتفق بشأنها بشكل عريض، وفاقٍ لا يجادل كثيرًا حول مصير الأسد، ويميل إلى الرؤية الروسية لفض النزاع وإقرار عملية سلمية بشروط رسمتها موسكو. قبول ترامب بنواتج ما تحقق من حسم ميداني على الأرض يبدو مجرد إقرار براجماتي بالأمر الواقع. والسؤال: هل يمتد هذا التوافق مع الروس، والذي يشمل التوافق مع الأسد وإيران، ليكون توافقًا مع عموم المنطقة، وبما يعدل التوازنات الدولية فيها؟

لا يبدو أن الحال سيكون كذلك، فطموحات بوتين لامتلاك المزيد من النفوذ في المنطقة، سواء مباشرة عبر التدخل والاتفاقات الأمنية والاقتصادية، أو عبر وكيله الأهم وهو إيران، بمشروعها الطموح لمد هيمنتها على العواصم المشرقية العربية، تناقض في أساسها طموحات فريق ترامب ومحاولاته لاستعادة التفوق الاستراتيجي في المنطقة. ويزداد الأمر تعقدًا لصالح سيناريو مواجهة قادمة بين القوتين، حين ندرك أن ثمة مبادلة متعثرة للمواقف في شرق المتوسط والهلال الخصيب بملف القرم وشرق أوروبا!

الورطة المستأنفة

بالعموم، لم يزل التصور السائد في واشنطن، عن أولويات العمل العسكري والاستراتيجي في المنطقة، محكومًا بتفضيل التدخلية، حتى ولو كان التوجه العام انكماشيًا. وما يراه البعض، من خبراء العلاقات الدولية والسياسات الأمريكية في العالم، من كون واشنطن مقدمة على عزلة دولية جديدة، ومن أن فلسفة عهد ترامب ستغدو خليطًا بين مبدأ مونرو والجاسكونية، نراه غير منطبق على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

الأمر باختصار هو أن الحرب لم تزل الباب الأوحد الذي يدلف منه صناع السياسة في واشنطن إلى المنطقة. حتى أحدث الطروحات الأمريكية، والموصوفة بالمغايرة، ويبدو من ظاهر نصها أنها تبشر بتغير في ثوابت النظرة الأمريكية لكيفية التعامل مع المنطقة، يتبين لدى مراجعة مرتكزاتها أنها تعيد تدوير أطر التدخل المصحوبة باستراتيجيات الإصلاح الفوقي، بسقفها المصوغ وفق أوضاع وتوازنات ما قبل الربيع العربي. مثالنا ههنا هو التقرير النهائي لمجموعة العمل حول الشرق الأوسط الذي زُين باسم مادلين أولبرايت، ومعها استيفن هادلي باسم «مجلس الأطلسي»، وهو في رأينا مجرد تدوير لمبادرة الشرق الأوسط التي قادتها الوزير السابقة بعدما استدعاها جورج بوش الابن لهذا الغرض. تعود أولبرايت الآن تحت وعد براق عن «تغيير المسار السياسي للمنطقة، من فشل الدولة والحرب الأهلية، نحو نظام مستقر وسلمي لدول ذات سيادة».

رغم ريح الربيع العربي ووعدها الذي لقي ترحيبًا متحفظًا من واشنطن، فقد عجزت السياسة الخارجية الأمريكية عن تغيير بوصلتها التي تفضل الحرب

رغم ترديد عبارة «التغيير»، يظل إنكار صناع السياسات في واشنطن لحقيقة أن ثورات شعبية طالبت بالحرية والعدالة والكرامة قد مرت ببلدان هذه المنطقة، يستفز المطالع لهذه الاستراتيجية، ويثير الدهشة من جرأة الدعوة إلى استئناف تجارب إصلاح منخفضة السقف، برِهان مطلق على نظم الاستبداد، التي سبق وأن تراجعت عن الإصلاحات البائسة تلك، بعدما خفت ضغوط واشنطن، بحصولها على الحرب التي أرادتها. صحيح أن التقرير يحذر ساسة واشنطن بداءة من أي منهج أحادي للتعامل مع المنطقة، معبرًا عن خشيته من تبني الإدارة الجديدة لسياسة خارجية شرق أوسطية ذات ميول انعزالية، معتبرًا إياها «وهمًا خطيرًا»، لكن من يقصده كشريك، ويحذر من تجاهله، هو نظم الاستبداد! وهكذا، فلعبة رعاية وكلاء المصالح بغض النظر عن طبيعتهم السلطوية، المنتجة بذاتها للمخاطر، تجد أساسها في ذلك التصور الأمني الجامد الذي يستدعي بدوره حلول السلاح. هذه الخشية من تفاقم مظاهر العنف وعدم الاستقرار في المنطقة لمستوى «لا يمكن احتواؤه» بحسب لفظ التقرير، لا تدفع إلى تفكيك جذور المعضلات التي تكتنف الدولة والمجتمع في المنطقة، بل إلى الاستمرار في الرهانات الخاطئة.

تقرير مجلس الأطلسي بواجهة أولبرايت وهادلي الذي يتبنى صياغة أمنية لمصالح الولايات المتحدة متمثلة في «حماية المواطنين من الإرهاب، وحماية الاقتصاد الأمريكي وتمكين الأصدقاء والحلفاء، وتمكين العمليات العسكرية الأمريكية العالمية ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل وتجنب الكوارث الإنسانية المزعزعة للاستقرار»، يبشر بلغة وردية بإمكانية التوصل إلى «ميثاق للمنطقة» يخرجها من أزمتها. ويستدعي له أساسًا مأخوذًا عن الاستراتيجية القديمة بشقيها المتلازمين؛ التدخل العسكري (كغاية أولى)، مصحوبًا ببرامج تنموية تستهدف القوى السكانية، «والمواهب البشرية غير المستغلة من الشباب والنساء» كغاية بعيدة. وبينما يضع للأولى ضمانات واضحة والتزامات صارمة ويخصص لها موارد ضخمة عاجلة، يترك الثانية، رغم توكيد أهميتها لفظًا، لأريحية نظم الاستبداد، وحسبما اتفق وقدرتها على ترويض شعوبها، هذا دون ضمانات محددة تربط الشقين الأولى بالثاني. وقد نفهم جزءًا من هذا التصور المراوغ بتأمل قائمة من شاركوا أولبرايت وهادلي هذا الطرح، حيث تكفي أسماء الفريق الاستشاري من المنطقة وحدها لإثارة جبال من الهواجس، وتفتح الباب أمام أسوأ توقعاتنا، وهو ما يحتاج إلى تفنيد تفصيلي له مقام آخر.

اعلان
 
 
عبده البرماوي