Define your generation here. Generation What

تيران وصنافير: عن الدولة والأرض والسلطة القائمة عليهما

لما كان الفقه الدستوري قد اتفق على أن الدولة تتكون من عناصر ثلاثة، هي إقليم وشعب وسيادة أو سلطة تمارس مهام الحكم فوق إقليم الدولة بالنيابة عن الشعب، ولما كان أهم ما يميز السلطة التي تمارس الحكم وتدير شؤون أي بلد من البلاد هو حرصها على حماية حدود الدولة، وممارسة مهام السيادة الوطنية فوق هذا الإقليم، فلم يرد بالتاريخ المعاصر ما يمثل شبيهًا بما يحدث الآن بخصوص قضية الجزيرتين المصريتين تيران وصنافير، من التخلي طواعية عن جزء من أرض الدولة تحت مسمى «إعادة ترسيم الحدود».

وللتذكير، ففي عام 1982 خاضت القوات البريطانية حربًا لمدة عشرة أسابيع ضد قوات دولة الأرجنتين التي حاولت احتلال جزر فوكلاند وممارسة سيادتها عليها تحت زعم تبعيتها لها، ورغم بعد المسافة بين حدود بريطانيا وتلك الجزر، والمقدَّرة بحوالي بثمانية آلاف ميل بحري، ولكن بريطانيا خاضت الحرب دفاعًا عن سيادتها وملكيتها لها.

ولكن السلطة المصرية عقدت اتفاقًا بين المملكة العربية السعودية وبين جمهورية مصر العربية بمقتضاه تكون جزيرتا تيران وصنافير ضمن حدود السعودية، رغم البعد التاريخي والوثائقي العميق والذي يؤكد على وقوع هاتين الجزيرتين ضمن حدود الدولة المصرية، وأقل تدليل على ذلك هو ما جاء باتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، ولم يكن للسعودية أي حضور أو ذكر فيها.

ومن القواعد القانونية المستقرة أن البينة على من أدعى، وهو ما يعني أن على الدولة السعودية التدليل بنفسها على خضوع هاتين الجزيرتين لسيادتها، ولكن الأمر يسير عكس المنطق القانوني، حيث أن السلطة المصرية هي من تسعى للتأكيد على تبعية هاتين الجزيرتين للسعودية، وهو ما يثير الدهشة والتعجب.

وقد سلكت هيئة قضايا الدولة الممثلة لدفاع الحكومة المصرية كل الطرق أمام محكمة القضاء الإداري، لإثبات تبعية الجزيرتين للسعودية، ولكن حكم محكمة القضاء الإداري، في الدعويين رقمي 43709 و 43866 لسنة 70 قضائية، جاء ببطلان توقيع ممثل الحكومة على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، الموقعة في أبريل سنة 2016، والمتضمنة للتنازل عن الجزيرتين لصالح المملكة العربية السعودية، وقد تطرقت أسباب الحكم إلى ما يؤكد مصرية هاتين الجزيرتين.

ثم جاء القرار الأخير للحكومة المصرية، بموافقتها على هذه الاتفاقية وتصديرها لمجلس النواب المصري، قبيل صدور حكم محكمة القضاء الإداري في الطعن المقدم من الحكومة المصرية ضد أفراد الشعب الممثلين في هذه الخصومة القضائية دفاعًا عن مصرية هاتين الجزيرتين. ومنذ صدور حكم القضاء الإداري، سارت الأمور من قِبل السلطة المصرية على نحو غير مفهوم، وبطريقة تبعد كل البعد عن صميم مصلحة الشعب الذي تمثله، فقد اتخذت سبيلًا غير قانوني في الاستشكال على تنفيذ الحكم أمام محكمة الأمور المستعجلة غير المختصة، والأنكى أن يتصدى هذا الفرع من أفرع القضاء للفصل في الدعوى ويقضي بوقف تنفيذ الحكم، بل وأن تسير على نفس النهج المحكمة الاستئنافية، بتأكيدها صحة ما صدر من محكمة أول درجة، مما اضطر محكمة القضاء الإداري للتعليق على ما صدر من محكمة الأمور المستعجلة، بقولها في الإشكال المقدم إليها رقم 66959 لسنة 70 قضائية: «فإن ما صدر من محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة في القضية رقم 1863 لسنة 2016 مستعجل القاهرة بجلسة 29 / 9 / 2016 من وقف تنفيذ للحكم المستشكل فيه لا يعدو أن يكون محض لغو، وهو والعدم سواء، ولا قيمة له، ولا يمثل أدنى عقبة في تنفيذ الحكم المستشكل فيه والاستمرار في تنفيذه، انطلاقًا من اتفاق المحكمة الإدارية العليا ومجلس الدولة عمومًا، المحدد بنفس المادة 190 من الدستور، من أن مجلس الدولة يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه».

وبالفعل، فقد تخطت الحكومة المصرية كل ذلك، بموافقتها على هذه الاتفاقية التي أرسلتها لاحقًا لمجلس النواب المصري، وكأنها تريد زيادة الأمر تعقيدًا، أو الاعتماد على ما تملكه من زخم يفوق أغلبية البرلمان، من خلال تكتل «دعم مصر» الداعم لكل تصرفاتها.

ولكن لماذا لم يوقع رئيس الدولة بذاته على تلك الاتفاقية، إعمالًا لصلاحياته الدستورية الواردة بنص المادة 151 من الدستور المصري الأخير، والقاضية بأن «يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات»، ولماذا جعل رئيس مجلس الوزراء هو من يوقع عليها، وذلك على خلاف ما تواتر عليه العمل في هذا الشأن؟

أعلم أن الدستور المصري الأخير، في مادته 148، قد منح رئيس الجمهورية سلطة تفويض رئيس مجلس الوزراء لممارسة بعض الصلاحيات، ولكن هذه المادة الدستورية قد انتهت بجملة «على النحو الذي ينظمه القانون». إذن فهناك حدود يجب أن ينظمها القانون لللتفويض في الاختصاصات الرئاسية. وبمطالعة الجريدة الرسمية لم نجد أي قانون صادر بتفويض رئيس مجلس الوزراء بمباشرة هذا الاختصاص. فعلى سبيل المثال، أصدر رئيس الجمهورية بتاريخ 22 / 11 / 2016 قرارًا جمهوريًا برقم 76 لسنة 2016، بتفويض المهندس شريف إسماعيل، رئيس مجلس الوزراء، لمباشرة اختصاصات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في قانون الخدمة المدنية، والمتعلقة بالأحكام الخاصة بالتعيين في وظائف المستويين الممتازة والعالية، وكذلك قرار رئيس الجمهورية رقم 387 لسنة 2015 بتفويض رئيس مجلس الوزراء لممارسة بعض الاختصاصات الخاصة بالتصرف في بعض أملاك الدولة.

هذه نقطة أولية في موضوع هذه الاتفاقية، ولكن الأهم منها هو ما يتعلق بالحدود الدستورية في شأن المعاهدات المتعلقة بالتنازل، حتى ولو أُُطلق عليها اسم مختلف، كما هو الحاصل بتسميتها «اتفاقية ترسيم الحدود». وقبل الدخول في هذه المنطقة المثيرة، فهناك تساؤل رئيسي عن توقيت إرسال الحكومة هذه الاتفاقية إلى مجلس النواب، فلماذا لم تنتظر الحكومة حتى صدور حكم من المحكمة الإدارية العليا كما هو متوقع خلال هذا الشهر؟ هل تتعمد السلطة التعكير المستمر للمياه التي لم تكن راكدة، وكيف يكون ذلك وهناك شباب يقضون من أعمارهم خلف القضبان بتهمة التظاهر في يوم الأرض للحفاظ على مصرية هاتين الجزيرتين؟ أم أن السلطة تعمدت خلق احتكاك ما بين السلطة القضائية المنظورة أمامها القضية، والسلطة التشريعية، بإحالتها الاتفاقية إليها قبل أيام من صدور الحكم؟

ومن الناحية الدستورية، فقد جاء نص المادة الأولى من الدستور المصري لسنة 2014 ليقضي بأن «جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شئ منها». ومن هنا فإن ما يلي من مواد الدستور يجب أن يسير على هدي هذه المادة ذات الأسبقية في الترتيب، ثم جاءت لتنظم لهذا الأمر المادةُ 151 من ذات الدستور والتي تتكون من ثلاث فقرات.

الأولى: يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات ويصدّق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور. وهذه الفقرة تتناول الأصل العام في اختصاص رئيس الدولة بإبرام المعاهدات، وتقف حدود الرئيس عندما يبدأ دور مجلس النواب، سواء كان بالموافقة أو الرفض.

الثانية: وتجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وهو ما يؤكد على أن هذه النوعية من المعاهدات الواردة بالفقرة الثانية لابد من موافقة الشعب نفسه عليها، بصفته الأصيل وصاحب المصلحة، وليس من خلال ممثليه البرلمانيين.

الثالثة: وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة.

وهذا رأس الأمر وعموده، إذ أرى أن التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود، بما تضمنته من التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، يخضع لما جاء بهذه الفقرة الثالثة، وذلك لسببين دستوريين؛ أولهما هو المخالفة الصريحة لما جاء بالمادة الأولى من الدستور (لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شئ منها)، وثانيهما هو ما جاء بذات الفقرة الأخيرة من المادة 151 (أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة).

وهذه هي خلاصة الموضوع من الناحية الدستورية، وخلاصة حدود السلطة التنفيذية في هذا الأمر، وهو ما يعني بطلان التوقيع على مثل هذه الاتفاقية، بل وعدم جواز حتى عرضها على مجلس النواب أو على الاستفتاء الشعبي.

وأرى أن هذه فرصة عظيمة قدمتها الحكومة لأعضاء البرلمان لاستعادة ثقة الشارع السياسي فيه في أمر جلل، وخطر محدق وشيك بمصلحة الشعب بأسره، ورغم تيقني النظري، وفقًا لما سبق بيانه، من خروج هذه الاتفاقية عن صلاحية المناقشة، إلا أنني أرى أنها مناسبة جد عظيمة لأن يخرج أعضاء مجلس النواب من بوتقة السلطة وشرنقتها، وذلك بانحيازهم للصالح العام وصالح الشعب، حتى ولو اقتضى الأمر تقديم استقالتهم الجماعية.

اعلان
 
 
طارق عبد العال