Define your generation here. Generation What
ما فعلته الحملة الروسية في الانتخابات اﻷمريكية
كيف قيّمت الاستخبارات الأمريكية حجم التأثير الروسي على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟
 
 
 
المصدر: Gage Skidmore, By: Wikimedia Commons
 

تابع الكثيرون في أنحاء العالم خلال اليومين الماضيين ما أثير عن الحملة الروسية للتأثير في نتيجة الانتخابات الرئاسية اﻷمريكية اﻷخيرة، والتي انتهت بوصول المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت اﻷبيض، خلفًا للديموقراطي باراك أوباما، وهي الحملة التي زعم تقرير استخباراتي أمريكي أنها تمت بأوامر من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هذا التقرير نعرض أبرز ما انتهى إليه التقرير الأمريكي، وردود الفعل حياله، مع توضيح لخلفياته وسياقه اﻷعم.

تقرير ونسخة مرفوع عنها السرية

أصدر قطاع الاستخبارات الأمريكي  يوم الجمعة، 6 يناير الجاري، تقريرًا حمل تقييمًا تحليليًا مشتركًا بين الوكالات الثلاث؛ وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ومكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI)، ووكالة الأمن القومي (NSA)؛ لدافع ونطاق نوايا موسكو بالنسبة للانتخابات الأمريكية الأخيرة، واستخدام موسكو للأدوات الإلكترونية والحملات الإعلامية للتأثير على الرأي العام الأمريكي قبيل الانتخابات.

يمثل هذا التقرير نسخةً رُفعت عنها السرية من تقييمٍ آخر سري للغاية قُدم للرئيس الأمريكي باراك أوباما، والمصرح لهم من قِبَل الرئيس بالاطلاع عليه فقط. بينما تتطابق نتائج التقريرين، لا يتضمن التقرير المنشور كامل المعلومات المساندة، لما قد يتسبب به ذلك من كشفٍ لمصادر ووسائل جمع الاستخبارات لدى قطاع الاستخبارات الأمريكي، أو الإضرار بها.

خلفية التقرير

في وقت سابق أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي حذر نظيره الروسي، في لقاءٍ سري بالصين في سبتمبر الماضي، من عواقب استمرار الأنشطة الإلكترونية الروسية. وفي 15 ديسمبر الماضي صرح أوباما أن الولايات المتحدة سوف ترد على الجهود الروسية للتأثير على الانتخابات. بعدها بيوم طالب المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، الإدارة الأمريكية إما بتقديم دلائل على التأثير الروسي أو التوقف عن الحديث عن الأمر.

بعد أسبوعين، رد أوباما على الجهود الروسية المزعومة عبر طرد 35 ممن يشتبه في كونهم عناصر للاستخبارات الروسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم دبلوماسيون ومسؤولون روس وعائلاتهم، وفرض عقوبات على اثنين من أبرز الأجهزة الاستخباراتية الروسية. كما عاقبت الإدارة الأمريكية أربعة من كبار مسؤولي أحد هذه الأجهزة، وهو جهاز الاستخبارات الرئيسي المعروف اختصارًا بـ «GRU». علاوة على ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إغلاق منشأتين على الأراضي الأمريكية زعمت استخدامهما في أنشطة استخبارات روسية.

في أعقاب ذلك، أصدر أوباما أمرًا تنفيذيًا جديدًا يسمح له، وللرؤساء الأمريكيين اللاحقين، بالرد على الجهود الخارجية الهادفة للتأثير على الانتخابات في أمريكا أو أي من «حلفائها وشركائها»، ما يمثل إشارة واضحة إلى مخاوف حول احتمالية كون ألمانيا أو فرنسا الهدف التالي لروسيا. كما أمر بنشر تقريرًا استخباراتيًا أكثر تفصيلًا عن تلك النشاطات الروسية، وهو الذي أصدره قطاع الاستخبارات الأمريكي أمس اﻷول.

التقييمات والأحكام الرئيسية

ذكر التقرير أن الجهود الروسية للتأثير على الانتخابات الرئاسية لعام 2016 تمثل التعبير الأحدث عن رغبة موسكو طويلة الأمد في إعاقة النظام الديمقراطي الليبرالي ذي القيادة الأمريكية، لكن هذه الأنشطة الأخيرة أظهرت تصعيدًا كبيرًا في درجة المباشرة، ومستوى النشاط، ونطاق الجهود بالمقارنة بالعمليات السابقة. وأضاف أن الرئيس الروسي أمر بشن حملة تأثير، عام 2016، مستهدفًا الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بهدف إضعاف ثقة الجمهور في العملية الديمقراطية الأمريكية، وتشويه سمعة الوزيرة -المرشحة في الانتخابات ذاتها- هيلاري كلينتون، والإضرار بإمكانية انتخاب الجمهور لها. كما أن بوتين والحكومة الروسية كان لديهما تفضيل واضح للرئيس المنتخب ترامب.

قدّر قطاع الاستخبارات الأمريكي أيضًا أن بوتين والحكومة الروسية قد تطلعوا لدعم فرص انتخاب ترامب كلما أمكن عبر التشكيك بالوزيرة كلينتون، ومقارنتها به على نحو سلبي. وهو تقدير تتفق عليه الوكالات الثلاث. علاوة على ذلك، وفقًا للتقرير، فقد أشار بوتين بشكل معلن إلى تسريبات بنما، التي أعلنت تورط بوتين وبعض المقربين منه في عمليات غسيل أموال، وفضيحة المنشطات الروسية في الأولمبياد الصيفية لعام 2016، والتي أدت لمنع مشاركة 111 رياضيًا روسيا من أصل 389 رياضيًا- بوصفها جهود توجهها الولايات المتحدة لتشويه سمعة روسيا، ما يشير إلى سعيه للرد عبر استخدام الفضائح لتشويه سمعة الولايات المتحدة ووصفها بالنفاق.

كما رجح التقرير بقوة أن بوتين أراد تشويه سمعة الوزيرة كلينتون لأنه وجه إليها اللوم بشكل معلن منذ عام 2011 للتحريض على الاحتجاجات الواسعة ضد نظامه في أواخر عام 2011 ومطلع 2012، ولأنه يحمل ضغينة بسبب التعليقات التي اعتبرها بشكل شبه مؤكد هادفة للحط من قدره.

بالإضافة إلى ذلك، أوضح التقرير أنه منذ يونيو الماضي، تجنبت تعليقات بوتين المعلنة بشأن الانتخابات الأمريكية الإشادة بترامب، حيث ظن مسؤولو الكرملين «على الأرجح» أن أي إشادة من بوتين شخصيًا سوف تؤدي إلى نتائج عكسية. ومع ذلك، وفقًا للتقرير، أشار بوتين إلى تفضيله للسياسات التي أعلنها ترامب، والمنطوية على التعاون مع روسيا، كما أشادت شخصيات بارزة موالية للكرملين بما اعتبروه مواقف صديقة لروسيا بشأن سوريا وأوكرانيا. وقد قارن بوتين علانيةً بين نهج الرئيس المنتخب تجاه روسيا وبين «الخطاب العدواني» للوزيرة كلينتون.

كذلك استدل التقرير على تفضيل بوتين لترامب بأن الرئيس الروسي كانت لديه العديد من الخبرات الإيجابية في التعاون مع قادة سياسيين غربيين جعلتهم مصالحهم التجارية أكثر ميلًا للتعامل مع روسيا، مثل رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، سيلفيو بيرلسكوني، والمستشار الألماني السابق، جيرهارد شرودر. كما أدان دبلوماسيون روس بشكل علني العملية الانتخابية الأمريكية وكانوا مستعدين للتشكيك العلني في نتائجها. وقد أعد مدونون موالون للكرملين حملة على تويتر تندد بغياب الديمقراطية (#DemocracyRIP)، حيث توقعوا فوز كلينتون، وذلك بناءً على نشاطاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبحسب التقرير، قدّر قطاع الاستخبارات الأمريكي أيضًا أن تلك الحملات قد حصلت على موافقة أعلى مستويات الحكومة الروسية، خصوصًا الحملات المتسمة بالحساسية السياسية.

بعد حملات التأثير، انتقل التقرير إلى التعرض للاختراقات الروسية الرقمية وتسريبات البيانات الناتجة عنها. وقال إن حملة الكرملين الموجهة ضد الانتخابات الأمريكية شملت تسريبات بيانات مستمدة عبر عمليات رقمية روسية؛ شملت أهدافها عناصر مرتبطة بالحزبين الديمقراطي والجمهوري والدولة الأمريكية ومجالس انتخابية محلية، لكن رغم ذلك، أكد التقرير على أن التأثير الروسي لم يمتد إلى عملية عد الأصوات النهائية.

فيما كانت إحدى المفاجآت التي حملها التقرير هي الإعلان عن تمكن الاستخبارات الروسية في يوليو 2015 من اختراق شبكات اللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) وحفاظها على هذه الثغرة حتى يونيو 2016 على الأقل، أي لمدةٍ تقارب العام. كما رجح قطاع الاستخبارات أن «مديرية المخابرات الرئيسية» الروسية بدأت العمليات الرقمية الموجهة ضد الانتخابات الأمريكية في مارس 2016؛ ما نتج عنه تحصّلها على حسابات بريد إلكتروني شخصية خاصة بمسؤولين بالحزب الديمقراطي وشخصيات سياسية. وبحلول مايو 2016، استخلص الجهاز كميات كبيرة من البيانات من شبكات اللجنة.

شرعت مديرية المخابرات الرئيسية بعد ذلك، وفقًا للتقرير، في استخدام الشخصية الرقمية «جوسيفير 2.0» (Guccifer 2.0) وموقعي دي سي ليكس (DCLeaks.com) وويكيليكس (WikiLeaks) لنشر تلك البيانات. وأوضح التقرير أن شخصية جوسيفير، الذي زعم أنه مخترق روماني مستقل، قد أصدر عدة بيانات متناقضة ومزاعم كاذبة بشأن هويته الروسية على الأرجح. كما أشارت التقارير الصحفية إلى أن عدة أشخاص تواصلوا مع صحفيين زاعمين أنهم جوسيفير. وتابع التقرير بأن المحتوى الذي يُقدِّر أنه سُرق من الحسابات المخترقة في مارس قد ظهر على موقع «دي سي ليكس» في شهر يونيو.

وعلى الجانب الآخر، صرح بوتين في مطلع سبتمبر بأن تسريب بيانات اللجنة الوطنية الديمقراطية لويكيليكس كان هامًا، ووصف البحث عن مصدر التسريبات بالتشتيت، منكرًا أي تورطٍ روسي «على مستوى الدولة».

فيما وصف التقرير قناة «آر تي» بـ «منصة البروبجاندا الدولية الرئيسية للكرملين»، وأوضح أنها قد تعاونت بشكل نشط مع ويكيليكس. وأضاف أن رئيسة تحرير القناة قد زارت جوليان أسانج، مؤسس ويكيليكس، في السفارة الإكوادورية بلندن، حيث ناقشا تجديد عقد البث خاصته مع القناة.

كما وصف التقرير التسريبات المتعلقة بالانتخابات بأنها تعكس نمط استخدام الاستخبارات الروسية لمعلومات مستولى عليها ضمن جهود تأثير موجهة ضد أهداف مثل رياضيين أوليمبيين وحكومات أجنبية أخرى. مثال على ذلك، حسبما يورد التقرير، أن الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا) كانت هدفًا بارزًا منذ أوليمبياد صيف 2016، حيث اشتمل ذلك على تسريبات يقدّر القطاع الاستخباراتي أن مديرية المخابرات الرئيسية تحصّلت عليها في الأساس، وتضمنت بيانات عن رياضيين أمريكيين. كذلك استهدفت روسيا بعض الأهداف المرتبطة بالحزب الجمهوري، لكنها لم تنفذ حملة كشفٍ مماثلة لإصدار تلك البيانات.

انتقل التقرير بعد ذلك إلى التركيز على جهود البروبجاندا التي تشنها روسيا من خلال وكالتها، سبوتنك (ريا نوفوستي سابقًا)، وبشكل أكبر من خلال قناة «آر تي» والقنوات الأخرى التابعة لها في أنحاء العالم بلغات مختلفة. حيث قدمت القناة خلال الانتخابات تغطية سلبية في ما تعلق بكلينتون؛ مركزةً على رسائلها المسربة، وحالتها الصحية العقلية والجسدية السيئة، وارتباطها بالتطرف الإسلامي، ومتهمةً إياها بالفساد، على عكس تغطيتها الإيجابية لترامب. كذلك لم يغفل التقرير رسائل التصيّد (trolls) التي نالت من المرشحة الديمقراطية، معتبرًا أن مصدرها «وكالة أبحاث الإنترنت» (Internet Research Agency)، ومقرها بسان بطرسبورج، وقدرّ أن ممولها المرجح هو صديق مقرب لبوتين، لم يذكر اسمه، على علاقة بالاستخبارات الروسية.

وقد أوضح صحفي، وصفه التقرير بالخبير بشأن الوكالة، أن بعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التي يبدو أنها على صلة برسائل التصيد الاحترافية الروسية -لأنها كانت في السابق مخصصة لدعم الأعمال الروسية في أوكرانيا- بدأت في دعم الرئيس المنتخب منذ ديسمبر 2015. يشير ذلك إلى اتهام التقرير لروسيا بشكل ضمني باستخدام «لجان إلكترونية» لنشر ودعم أهدافها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

علاوة على ذلك، تابع التقرير بأن رأي بوتين المعلن بالنسبة للتسريبات يشير إلى أن الكرملين وأجهزة الاستخبارات الروسية سوف يستمرون في استخدام عمليات التسريب الرقمية، لأنهم يرون أن بإمكانها إنجاز الأهداف الروسية بشكلٍ سهلٍ نسبيًا ودون إضرار كبير بالمصالح الروسية، حسبما يذكر التقرير الأمريكي.

فيما أوضح كشف آخر هام تضمنه التقرير أن روسيا سعت للتأثير على الانتخابات في أنحاء أوروبا.

وخصص القطاع الاستخباراتي الصفحات الثمانية الأخيرة من التقرير للتركيز على قناة «آر تي»، خصوصًا قناتها الناطقة بالإنجليزية والموجهة للجمهور الأمريكي، حيث ذكر برامج وحلقات محددة بثتها هذه القنوات بهدف زعزعة ثقة الجمهور الأمريكي في العملية الديمقراطية الأمريكية. كذلك ركز على التوسع السريع للقناة وأفرعها العالمية، كما أوضح أن فرع القناة في أمريكا قد موضع نفسه كقناة أمريكية محلية وسعى بشكل متعمد إلى طمس أي صلات قانونية بالحكومة الروسية.

كما ركز  التقرير بشكل خاص على رئيسة تحرير قناة «آر تي»، مارجاريتا سيمونيان، وهجومها المستمر على الولايات المتحدة وعملياتها السياسية، حيث استشهد بتصريحاتها في مقابلات سابقة معها، والتي هاجمت فيها المؤسسات السياسية الأمريكية، وإشادتها بالحركات التمردية على النظام السياسي مثل «احتلال وال ستريت»، معتبرةً أنها الطريقة الوحيدة لتغيير النظام السياسي الأمريكي. كما قدمت القناة، وفقًا للتقرير، تقارير بخصوص تأثير إنتاج الغاز الطبيعي الأمريكي على أسواق الطاقة العالمية والتحديات المحتملة أمام ربحية عملاقة الطاقة الروسية «جازبروم»، بالإضافة إلى سياسة القناة المعارضة للتدخل الغربي في النزاع السوري ولوم الغرب على شن «حروب معلوماتية» ضد النظام السوري.

قالت سيمونيان، ضمن التصريحات التي ذكرها التقرير، في 3 أكتوبر إنه: «من المهم امتلاك قناة يعتاد الناس عليها، ثم، عند الحاجة، تعرض لهم ما يحتاجون لمشاهدته. فبشكل ما، عدم امتلاك بث خارجي خاص بنا يشبه عدم امتلاك وزارةٍ للدفاع. ففي فترة السلم، يبدو الأمر وكأننا لسنا بحاجة إليها. ولكن في حالة الحرب، يصبح امتلاكها حاسمًا». كما أوضح قطاع الاستخبارات إن سيمونيان لديها علاقات وثيقة بكبار مسؤولي الحكومة الروسية، خصوصًا نائب رئيس هيئة الأركان بالإدارة الرئاسية الروسية، أليكسي جروموف، الذي تذكر تقارير أنه يدير التغطية التلفزيونية السياسية في روسيا وأحد مؤسسي القناة. بالإضافة إلى صلات أخرى تربط القناة مباشرةً بالكرملين. وتابع التقرير بأن رئيس قناة «آر تي» الناطقة بالعربية، آيدين آجانين، قد نُقل من الخدمة الدبلوماسية لإدارة التوسع العربي للقناة، ما يشير إلى علاقة بين القناة وأجهزة السياسة الخارجية الروسية.

كذلك تعرض التقرير للجهود التي تبذلها القناة عبر قنواتها على وسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع قاعدتها الجماهيرية عبر صفحاتها الرسمية وصفحات المذيعين بها، الذين تلزمهم إدارة القناة بامتلاك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. جدير بالذكر أن الكرملين ينفق سنويًا 190 مليون دولار لتعزيز انتشار القناة، وفقًا للتقرير. وقد حوى مقارنةً هامة بين معدلات متابعة القناة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وشبكات إعلامية أخرى هي؛ الجزيرة الإنجليزية، بي بي سي العالمية، وسي إن إن.

يزعم التقرير أنه لمنع اقتران القناة بالحكومة الروسية، غُيّر اسمها منذ سنوات من «روسيا اليوم» إلى «آر تي»، وأسست الوكالة الإخبارية الفيدرالية الروسية «آر إي إيه» منظمة «غير ربحية مستقلة فرعية» حملت اسم «تي في نوفوستي»، حيث تستغل الاستقلال الرسمي لهذه الشركة لتأسيس وتمويل القناة حول العالم مع تجنب ربطها بالحكومة الروسية.

أخطاء استخباراتية سابقة

جدير بالذكر أن مصداقية تقارير قطاع الاستخبارات الأمريكي قد تعرضت لصدمات قوية سابقًا، خصوصًا التقارير التي سبقت حرب العراق عام 2003، حين وعد مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جورج تينيت، الرئيس الأمريكي حينئذ، جورج بوش الابن، على نحو معروف بـ «ضربة قاضية» في العراق بعد أن ذكرت تقارير الاستخبارات امتلاك صدام حسين لترسانةٍ من أسلحة الدمار الشامل، ما تبين لاحقًا أنه كان فشلًا استخباراتيًا ذريعًا.

دفع ذلك الرئيس أوباما بشكلٍ عام إلى أن يكون أكثر حذرًا في التعامل مع مثل تلك التقارير، كمل جعل القطاع يتبني نهجًا أكثر حذرًا وتشككًا، ففي أعقاب مزاعم استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائية لضرب الغوطة عام 2013 ، فضّل جيمس كلابر، مدير مكتب الاستخبارات الوطنية المستمر في منصبه حتى اليوم، وصف تلك المعلومة بأنها «قوية، رغم أنها لن تؤدي إلى «ضربة قاضية» في سوريا»، ما أدى جزئيًا إلى تجنب أوباما ضرب النظام السوري. ولذلك شدد التقرير الأخير أن قطاع الاستخبارات الأمريكي قد طور الكثير من أساليبه «خلال العقد المنصرم».

تحقيقات سابقة

أكد تحقيق للصحفي فرانكلين فوير، نشره موقع «سلايت» في يوليو الماضي، على المعلومة المتعلقة بدعم بوتين للمرشحين المنتمين لليمين الشعبوي في أنحاء أوروبا؛ حيث خص بالذكر تمويله للمرشحة الفرنسية مارين لوبان، وانتفاع رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، سيلفيو بيرلسكوني، المذكور في التقرير الأمريكي أيضًا، من علاقته ببوتين. بالإضافة إلى عدة سياسيين يمينيين آخرين. وقد رصد هذا التحقيق الكثير من جهود بوتين لتعزيز فرص فوز ترامب في الانتخابات وحذر من التقليل من شأنها أو تأثيرها المحتمل على الانتخابات. كما فصّل التحقيق العلاقات السابقة، الشخصية والتجارية، بين ترامب وشخصيات روسية بارزة، منذ ثمانينات القرن الماضي. بالإضافة إلى تقارير صحفية أخرى سابقة أكدت على بعض ما ورد في تقرير الاستخبارات الأمريكية.

ردود أفعال

استنكر الرئيس المنتخب، ترامب، مؤخرًا اتهامات الإدارة الأمريكية للاستخبارات الروسية بالتأثير على الانتخابات، حيث تسائل مستنكرًا: «لماذا تذمروا فقط بعد أن خسرت هيلاري؟»؛ رغم حقيقة أن كلابر، مدير مكتب الاستخبارات الوطنية، قد اتهم روسيا رسميًا يوم 7 أكتوبر بتنفيذ هجمات إلكترونية على اللجنة الوطنية الديمقراطية ومؤسسات أخرى. بينما علقت صحيفة نيويورك تايمز بأن أوباما قرر عدم الرد على روسيا قبل الانتخابات خوفًا من فعل انتقامي من جانبها في يوم الانتخابات. بينما صرح ترامب يوم 7 يناير بأنه قد «عرف الكثير» بعد اجتماعه بوكالات الاستخبارات، بعدها بيوم واحد قال رينس بريباس، كبير مسؤولي البيت الأبيض المقبل، إن ترامب «يتقبل استنتاج أجهزة الاستخبارات بشأن محاولة روسيا التدخل في الانتخابات الأميركية».

على الجانب الآخر، بينما ردت روسيا سابقًا في أعقاب طرد الدبلوماسيين الروس بإغلاق مدرسة أنجلو أمريكية في موسكو، فإن شخصيات روسية بارزة استقبلت التقرير الأمريكي بموجة من السخرية؛ حيث علق أليكسي بوشكوف، عضو لجنة الأمن والدفاع في المجلس الأعلى للبرلمان الروسي عبر تغريدة: «تمخض الجبل فولد فأرًا: جميع الاتهامات ضد روسيا مبنية على «الثقة» والافتراضات. كانت الولايات المتحدة متأكدة بشكلٍ مشابه حيال امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل». وركزت معظم الانتقادات الموجهة للتقرير على عدم تقديمه لأدلة حقيقية.

جدير بالذكر أن العقوبات الأمريكية على روسيا في هذه الحادثة تفوق العقوبات المتواضعة التي فرضتها سابقًا على كوريا الشمالية بعد هجماتها الإلكترونية على شركة «سوني» الأمريكية عقب إنتاجها فيلمًا كوميديًا يتعرض للرئيس الكوري. كذلك تعتبر أضيق نطاقًا بكثير من العقوبات السابقة التي فرضتها أمريكا وقوى غربية على روسيا بسبب أنشطتها العدوانية في أوكرانيا، والتي طالت قطاعات كبيرة في الاقتصاد الروسي وتسببت في تكبيله.

اعلان