Define your generation here. Generation What

ترامب والبشر العاديون وإمكانيات المقاومة

لمواضيع كثيرة استهدفتها شعبوية ترامب اليمينية مثل المهاجرين والمسلمين واليساريين ـ بدا الثامن من نوفمبر كابوسًا سياسيًا، حينما فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، الذي جاء فوزه بإقرار من المجمع الانتخابي رغم خسارته للتصويت الشعبي. إذ حصلت هيلاري كلينتون على 64 مليون صوتًا، بينما حصل ترامب على 62 مليون صوتًا وحصلت الأحزاب السياسية الأخرى مجتمعة على سبعة ملايين صوتًا. وهذا يعني عمليًا أن 133 مليون شخصًا قد صوتوا في بلد يبلغ تعداده 381 مليون نسمة، وأن أقل من نصف السكان قد أعربوا عن تأييدهم للرئيس المنتخب.

إثر خسارة الانتخابات الرئاسية والأغلبية في الكونجرس، تراجع الحزب الديمقراطي. وجاءت استجابة الليبراليين ـ من الحزب الديمقراطي إلى وسائل الإعلام الرئيسية ـ لهذه الأزمة السياسية في صورة الدعوة إلى إعادة الترتيب السياسي واتباع سياسات الحب. ففي مقالة حديثة بمجلة «رولينج ستون» كتب المعلق الأفروأمريكي فان جونز أن الحب سيتغلب على ترامب، مؤكدًا على قيمة التحول في المجال السياسي بدلًا من التحدي المباشر لبنية المجمع الانتخابي أو السياسات اليمينية. كما تقدم عضو الكونجرس كيث إليسون لرئاسة اللجنة الوطنية الديمقراطية. وكانت مثل هذه الخطوات محدودة من الديمقراطيين نظرًا لقبولهم بالوضع السياسي القائم الذي يحافظ على نظام المجمع الانتخابي ولا يتحدى الحركات اليمينية المتطرفة والمحافظة.

لقد تعرضت المحافظة اليمينية لتحديات من خلال نطاق من الأفعال التضامنية التي اشتملت ـ ولم تقتصر ـ على حماية الجماعات المهمشة، وإنشاء مدن آمنة لمعارضة خطة الرئيس المنتخب للترحيلات الجماعية، والدعوات للتظاهر في يوم التنصيب اعتراضًا على الرئيس المنتخب. وهذه جميعًا خطوات لم ينظمها الحزب الديمقراطي، بل البشر العاديين من يسار الوسط إلى اليسار.

يمثل انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة انعطافة صادمة وخطيرة في الأحداث، لا للولايات المتحدة وحدها، بل وللشرق الأوسط، وللبيئة. هو تحول حاسم، يمثل أحدث إخفاقات أحزاب الوسط واليسار غداة الكساد الكبير الذي فتح الباب لانتصار مرشح استعمل الشعبوية اليمينية وأقام حملته الانتخابية على العنصرية ورهاب الأجانب. إن ترامب نتاج نظام فاشل ومؤسسة سياسية، ويمثل أيضًا تحديًا للمؤسسة السياسية نفسها. و«الترامبية» مثلما أوضحت لانس سيلفا في مجلة «جاكوبين» هي «جزء من ظاهرة عالمية ولدت من حطام الكساد الكبير. فالأزمات السياسية دفعت بالسياسات الأساسية ـ في بلد تلو الآخر ـ باتجاه اليمين».

تحت عنوان الديماجوجية، قدم ترامب نفسه بديلًا عن المؤسسة السياسية المختنقة بإبرازه مساعيه ماليًا وتليفزيونيًا. فاجترأ بهذا قسم من الطبقة العاملة الأمريكية الباحثة عن زعيم يجهر بمخاوفها. وبدلًا من تقديم سياسات متماسكة من شأنها تحسين حياة الطبقة العاملة والفقراء العاملين، اختارت قيادة الحزب الديمقراطي مرشحًا من المتن السياسي راغبًا في فهم المهمة بالشكل المعتاد.

وعلى نحو خطر، جرّأت حملة ترامب جماعات الكراهية اليمينية القصوى، كما أفسحت مكانًا طبيعيًا لسياسات المحافظين في المتن السياسي. أقصى اليمين يمتلك الثقة، ويمتلك منصة ورئيسًا يمكن الالتفاف حوله الآن، وهو ما بدا واضحًا في مجلس ترامب الوزاري. فقد رشح الرئيس المنتخب ستيفن بانون ـ الرئيس التنفيذي لشركة «برايت بارت» الإعلامية اليمينية المتطرفة ـ مستشارًا لفريقه الانتقالي، واقترح سيما فيرما لوزارة الصحة، وهو ما قلل تمويل برنامجي الرعاية الصحية Medicaid وMedicare. أما التصرف الفاضح حقًا فهو أن سياسات ترامب ستكون حاسمة في ما يتعلق بالبيئة، فهذه سيكون لها تأثير عالمي، لا سيما وأن تغير المناخ يؤدي بالمهاجرين وبالعمال الفقراء للمزيد من ظروف الحياة التي لا يمكن التنبؤ بها. فترامب يتعهد بإنتاج المزيد من الوقود الحفري وإقامة المزيد من خطوط أنابيب النفط خلال الأيام المائة الأولى من ولايته.

والطريقة التي سيحقق بها هذا ستكون من خلال مجلسه الوزاري، وتحديدًا من خلال مرشحيه لهيئة حماية البيئة EPA واختياره وزير الطاقة نائب أوكلاهوما العام الجنرال سكوت برويت الذي يجلس مع ريك بيري حاكم تكساس السابق في مجلس إدارة شركة Energy Transfer Partners. ومن المتوقع لريكس تيلرسن الرئيس التنفيذي لإكسون موبيل أن يكون وزير الخارجية القادم، وهو ما سيزيد من توحد مصالح رأس مال الوقود الحفري مع مصالح الحكومة الفيدرالية الأمريكية. وفي حال مد المزيد من خطوط أنابيب النفط في الولايات المتحدة وغيرها، فستصل كمية ثاني أكسيد الكربون إلى مستوى يجعل من المستحيل تحقيق أهداف اتفاقية باريس المناخية التي تضمنت الحفاظ على الاحترار العالمي أقل من درجتين مئويتين، وهي العتبة التي تبدأ عندها تغيرات كارثية في الحدوث.

بعد ثماني سنوات من الأزمة المالية والكساد الكبير، لا تزال الولايات المتحدة ودول أخرى كثيرة تشهد أطول وأبطأ تعافٍ تسجله الذاكرة. وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى تحول جذري في المناخ السياسي. في الوقت نفسه، يتبنى الشباب رؤى اشتراكية بحسب استطلاعات جالوب التي تبيَّن لها أن 55 % ممن تقل أعمارهم عن 30 سنة لديهم رؤية إيجابية للاشتراكية، مقارنة بـ 27 % ممن تتراوح أعمارهم بين 50 و64. يكشف هذا عن تحول أيديولوجي وسياسي جرى منذ الحرب الباردة التي أنشأت نقدًا للرأسمالية وميلادًا لحركات اجتماعية مختلفة، من بينها تأييد ملايين الأصوات للمرشح الاشتراكي الديمقراطي بيرني ساندرز، وحركة «حياة السود مهمة Black Lives Matter »، وأخيرًا معارضة «ستاندنج روك» لخط أنابيب داكوتا.

لقد تبين من انتصار قبيلة سيوكس ستاندنج روك (هونكبابا لاكوتا Hunkpapa Lakota) أن من الممكن الانتصار في الصراعات مهما بدا الأفق السياسي مقبضًا. وقد تمثل سر فرادة ستاندنج روك في أن وضوح غرضها وهدفها وهو خط أنابيب داكوتا. في هذه الحالة، كانت شركات معينة ـ هي بنك «ويلز فارجو» و«سيتي بانك» ـ هي المستهدفة. فخسرت شركة Energy Transfer Partners 450 مليون دولار، ومجموعة ديفاند دابل DeFund DAPL بيّنت أن أكثر من 22 مليون دولار قد سُحبت من مؤسسات بنكية مشتركة في مشروع خط الأنابيب. وسواء أكان الناس قد انضموا لحركة المقاومة تلك دعمًا لسيادة السكان الأصليين أم من أجل حقوق البيئة، فقد كانت لحظة بارزة للوحدة السياسية. وهناك احتمال أن يُنقل خط الأنابيب إلى موقع آخر، وأن تتوقف معارضة الصفقة بعد موعد الأول من يناير النهائي، لكن قرار سلاح المهندسين في الجيش الأمريكي في الرابع من ديسمبر بعدم منح التصريح اللازم لخط أنابيب داكوتا لن يكون ممكنًا بدون حركة دولية. وفي ظل عاصفتين محتملتين ورئاسة ترامب، سيكون من الحتمي تقوية التنظيم الجماعي الذي أدى إلى هذا النجاح.

 

خيمة السلامة العاطفية لستاندنج روك وألواح الطاقة الشمسية ـ بإذن من إدنا بونهوم

التضامن بين شعوب السكان الأصليين يتنامى. في صيف 2015، وقّعت الشعوب الـ 115 الأولى على معاهدة تاريخية لمقاومة مشروع خط الأنابيب. ومن الأسئلة التي يثيرها هذا أمام نشطاء البيئة وشعوب الشرق الأوسط سؤال عن كيفية اتخاذ ستاندنج روك نموذجًا لحملات رامية إلى التخلص من مشاريع الولايات المتحدة العسكرية في العراق وأفغانستان وغيرهما. في البداية استهدفت الحركة بوضوح الشركات التي تتربح من النفط وتدمير البيئة، وهو ما يمكن أن تتبناه الحركات المناهضة للحرب والراغبة في التخلص من الشركات المصنعة للسلاح.

ثانيًا، قدمت ستاندنج روك منصة لمختلف أشكل المقاومة لإنشاء جبهة موحدة في القضية البيئية المرتبطة بتاريخ القمع والمساعي الرأسمالية. في ما يتعلق بالشرق الأوسط، يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ضوء أن المنطقة واقعة تحت نفوذ القوى الغربية منذ الحكم الاستعماري والانتدابين البريطاني والفرنسي. الحركة المناهضة للحرب التي تحترم حياة الناس في الشرق الأوسط وتعترف بالأخطاء التاريخية، مع تقديمها حلولًا مادية للحاضر، ستستوجب تضامنًا جذريًا ديمقراطيًا ينظم الطبقة العاملة والفقراء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الخارج. لقد علّمت ستاندنج روك الكثيرين منا، ممن ذهبوا إلى المخيم، أن للاحتجاجات وزنًا وأننا لا يمكننا الاعتماد فحسب على السياسات الانتخابية أو على الحزب الديمقراطي. فهذه اللحظة وهذه الاحتجاجات قادرة على خلق حركة مناهضة للحرب يندمج فيها الملونون.

في الوقت الذي تدخل فيه الولايات المتحدة فترة محنة سياسية، يجدر بنا أن نتساءل كيف تقيم المجتمعات استراتيجيًا شبكات قيادة وتضامن لتحدي الشركات ومسؤولي الدولة الذين يقضون على صحتهم ومائهم ومعيشتهم؟ لا تقتصر المسألة على الإصرار، بل تمتد إلى وضع السلطة في أيدي الناس ليتخذوا قراراتهم بصورة جماعية.

إن تاريخ الحركة الهندية الأمريكية في سبعينيات القرن العشرين واليوم محوري بسبب سياساتها الراديكالية. انتصار ستاندنج روك لن يحدث دائمًا بدون تحولات ثورية في المجتمعات التي نعيش فيها. التنظيم الذاتي والتماسك والمشاركة والدفء في قبيلة سيوكس ستاندنج روك كان درسًا مفاده أن البشر العاديين أساسيون للحياة في مجتمع أكثر عدلًا. لقد كانت ستاندنج روك تختلف عن الحركات الأخيرة مثل احتلال وول ستريت. لحسن الحظ، كان احتلال وولستريت استجابة للأزمة الاقتصادية العالمية التي حمست جيلًا جديدًا من النشطاء على التنظيم الجماعي المعلن. ولسوء الحظ، لم تكن هناك مطالب وقيادة واضحة، وبالتالي كان الوضع غامضًا، وهو ما يعني أنه قابل للانفجار من الداخل. ما تميزت به الصخرة المنتصبة (ستاندينج روك) أنها كانت ذات قيادة وبنية واضحة مكنتها من التوصل إلى استراتيجية سياسية شاملة.

بالمعدل الحالي، ستستمر مشاريع الوقود الحفري في الولايات المتحدة في تدمير هذا الكوكب وتدمير مجتمعاتنا. والحاجة ماسة لإقامة منظمات نشطاء سياسية يمكن أن يشعر بها الجميع في الانتفاضات والاحتجاجات المبدئية على ترامب. وحين نقاتل وننتصر، يمكن تقديم الناس والبيئة إلى الصدارة، وما نكسبه هو الحرية والمساواة للجميع.

____________________

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
 
إِدنا بونهوم