Define your generation here. Generation What

تدوينة: البحث عن فكري ناشد، البحث عن تأهيل الضحايا

كلما وقعت أحداث طائفية جلل، أفقدتنا في مسارها خسائر بشرية كبيرة، انتابتني موجة من الحزن الغائر والمرارة، مرارة فقد أناس يحمل كل منهم قصة خاصة يستحق الحياة من أجلها، ومرارة القتل على الهوية، تلك البغضاء المتلاحمة بكل معاني التمييز والاستعلاء، لكون الآخر أخلص في ما يعتقده، وثبت عليه.

بعد كل حادث أليم، كنت أسعى للمشاركة بأشكال مختلفة في تخليد ذكرى الضحايا، أو للدخول في نقاشات سياسية وطائفية حول الأسباب والنتائج والحقوق. إلى أن وقع حادث البطرسية الأخير، والذي أزعم أن أمامه غارت قدرتي على التعايش مع هذه الأحداث مجددًا، واستسهال الأدوار اللاحقة عليها، والتي عادة ما أدمنّا القيام بها، حتى افتقدت النفس والروح الإحساس بفداحة الحدث الجلل الذي نعمل على طيه بصبر وجلد لنستأنف العيش.

هذه المرة تملكني حزن عميق، عجزت معه على استيعاب الحدث، والتعاطي معه، عن ادعاء أو عن صدق، بشجاعة أو بمقدرة، شعرت باليأس العميق؛ لا أمل، لا تغيير، سنبقى في الدائرة المفرغة، نعرف الأسباب ونعجز عن الحل. وقفت أمام حقيقة الأمور في أقبح صورها، فلا إيمان بالعدالة، ولا إيمان بالحق، بل إيمان بالتميز عن الأخر، إيمان بموت الأخر، إيمان بقصف الأجل، إيمان باحتكار الحياة والسلامة والبقاء.

ظللت، وإلى الآن، أشعر بخيبة أمل لم أشعر بمثيلتها من قبل، ولم تستدع همتي أي من دعوات التضامن أو تخليد الذكرى، ولم يستلفت انتباهي سوى ذلك الشخص الذي جاء من عمق الأحزان، فقيد الزوجة وكل الأبناء في حادث طائفي مماثل قاسي ومروّع وقع من ستة أعوام، حادث تفجير كنيسة القديسين، وهو الأستاذ فكري ناشد.

انتشرت للأستاذ ناشد صور عديدة؛ قيل إنه شارك في جنازة خمسة وعشرين من ضحايا تفجير البطرسية كمرتّل في الصفوف الأولى، كما نُشرت له صور أثناء عزاء السيدة نهلة، أم لفتاتين هما كل أبنائها، ذهبتا ضحية التفجير. تساءلت: ترى كيف استطاع هذا الرجل التعايش مع فجيعته ومصابه الأليم؛ حيث سقطت أمامه الزوجة وكل أبنائه أشلاء؟ كيف تعايش مع وحدته؟ كيف خرج إن كان خرجمن مأساته؟ أعلم أن الحياة أقوى من الموت، ولكنى أيضًا أعلم أن من الممكن أن يحيا أناس بلا اكتراث، بلا شغف، بلا إقبال، أحياءً في انتظار الموت.

قيل إنه ينقل تجربته في التعايش لأهالي الضحايا، يقدّم لهم التعازي، ويقدم بالتأكيد قدرًا كبيرًا من النصائح للفرار من حرقة القلب ومرارة الفراق.

لم أستسغ ما ساد بعد سقوط سبعة وعشرين ضحية من خطاب استشهادي يرضى بالموت كهدف للحياة، ولا اقتنعت بأن رسالة التعزية، أو غنيمة الحياة لأهالي الضحايا، هي أنه أصبح لهم شهداء يذكروهم أمام الله!

كم هو مخادع هذا الخطاب ويقلب الحقائق، فالأصل أن نعيش لا أن نموت. ما حدث هزيمة بمعنى الكلمة، هزيمة إنسانية ومجتمعية فادحة، فشل في تغيير أفكار الناس، وتمكن لأفكار الكراهية وأفعالها؛ أناس تموت بالمجان لما لا يستحقون أن يموتوا لأجله، هذه هي الحقيقة، بيت القصيد والحسرة، ومكمن الألم والعويل.

أعود لهذا الـ«ناشد» للحياة مرة أخرى. أبحث عنه بالاسم في شبكات التواصل الاجتماعي وبرامج البحث على شبكة المعلومات. أريد أن أسمع منه، وأعرف المزيد عنه. وجدت له عددًا من الروابط؛ صورًا ومقابلات تليفزيونية ولقاءات صحفية مكتوبة، وكم تمنيت أن ألتقيه شخصيًا. لا أخفي أن ظهوره في مشاهد العزاء أيقظ فيّ الرغبة في الفعل والتدخل، لكن الفعل كان مختلفًا هذه المرة، فعلًا لا يهدف للإسهام في إنهاء الطائفية المقيتة، والتي يبدو أن مطالبنا وجهودنا لم تتوفر لها بعد إرادة العالم وإرادة مجتمعنا المتطرف والعصبي والقبلي الصغير، وإنما كان هذا فعلًا يهدف لتأهيل ضحايا العنف والتمييز.

لديّ تصور أن وجود فكرى ناشد في حد ذاته بين الضحايا يؤدي دورًا إيجابيًا، باعتباره نموذجًا للتعايش والبقاء، ومُلهمًا لأهالي الضحايا الذين تعرض جميعهم لصدمة عنيفة جراء الفقد وفداحة الحدث. كما يتيح لي وجوده مجالًا للتفكير حول فرص تأهيل ضحايا العنف والتمييز الديني. ومجتمعنا يعتبر تأهيل أي ضحايا رفاهية، لا يعتد بها بأي حال، فتُترك الناس لأحزانها، تلعق آلامها بنفسها، وتعالج جراحها بيديها، كالقطط الضالة بلا صاحب التي تلعق أوساخ أجسادها بألسنتها.

بحثت على الإنترنت عن مراكز لتأهيل ضحايا العنف والصدمات، والمتعايشين مع صدمات نفسية كبرى، وقرأت كثيرًا عن برامج التأهيل، والجهود الممكن اتخاذها لتوفير قدر من الصحة النفسية للناجين من الكوارث الكبرى والصدمات العنيفة. ويفيد أغلبها بأهمية توفير الدعم النفسي والعاطفي للضحايا بشكل أساسي، ويشير لخطوات من التأهيل والدعم، خاصة وأن أهالي الضحايا قد يتعرضون لحالات مرضية قد يأبون الاعتراف بها أو إدراكها، في ضوء سيادة خطاب أخروي منسحب من الحياة، في محاولة ركيكة للتعزية. ومن ضمن هذه الحالات المرضية الأرق، الاضطراب النفسي، نوبات الغضب والهياج، آلام المعدة، الرغبة في العزلة والصمت، أو حتى هيستيريا ردود الفعل، وربما الرغبة الدفينة في الانتحار.

وتبدأ خطوات التأهيل بضرورة توفير الإحساس بالأمان لأهالي الضحايا، وهو أمر مرتبط بشكل رئيسي بالكشف عن أسباب الفجيعة، والمرتكب لها، ثم محاسبته.

وقد يكون حادث تفجير البطرسية من الحوادث القليلة التي كُشف عن جناتها، بالمقارنة بحوادث طائفية عديدة أخرى، عادة ما كانت الدولة تعجز فيها عن تقديم الجناة للتحقيق والمحاكمة، بل وعن كشف اللثام عنهم، وهما أمران مهمان، يحققان قدرًا من الرضا والإحساس بالأمان لأهالي الضحايا، ولكننا لا نستطيع اعتبار هذا كافيًا لتوفير الأمان والسلامة، أو رادعًا بأي حال من الأحوال، فلا تزال جهود الدولة والتنظيمات المجتمعية الأخرى عاجزة عن اتباع سياسات محددة لمواجهة الطائفية، وعن اتخاذ مواقف جذرية رادعة ضد خطابات التحريض على القتل والكراهية.

يحتاج أهالي الضحايا، وعلى الأقل الأفراد الأقرب للضحايا، لجلسات فردية من الاستماع، قد لا يقوون عليها إلا بعد مرور أسابيع من وقوع الفجيعة، عندما تستطيع قواهم التماسك قليلًا. هذا التدخل لجلسات الاستماع يتيح لهم مساحة مفتوحة يجترون فيها آلامهم بصوت مسموع، ويعبرون فيها عن آلام الفقد والغضب بلا تنقيح أو ترشيد، بلا استنكار أو محاولات ساذجة لتحويل جلسة الحزن إلي جلسة ادعاء للفرح أو التجاوز، جلسات تُكفل لها السرية بعيدًا عن أعين مدعي التماسك أو العزاء، هي كشف للغطاء عن جرح ينزف بمرارة الفقد وصدمة المباغتة.

وقد يناسب بعض الحالات من أهالي الضحايا تغيير أماكن السكن، أو إعادة تنظيم المقتنيات وترتيب الغرف، بحيث تبقى هناك مساحة دافئة تفصل بين ذكريات المفقودين وأهاليهم، تحمل إحساسًا بالشجن والفقد، ولكن مع قدر أوفر من نسيان التفاصيل، وقدر أقل من الألم والحرقة.

وبالعودة إلى حالة فكري ناشد، ولأن التحايل والتعايش نسبيًاممكنان، فقد ذكر ناشد في أحد المقابلات الصحفية التي أجريت معه أنه سعى لتحويل غرفة بناته إلي مزار للتبرك، فأعاد ترتيب غرفتهم، بما يتناسب مع إلهامه بالعزاء والتعايش، حصل على رفات محدودة من أشلاء أحبائه من الشهداء، وأعاد توزيع الصور، وحرص على البقاء في منزله، رغم قدرته على تغيير المنزل.

يحتاج أهالي الضحايا أيضًا لقدر من التضامن الجماعي فيما بينهم، لأن من المفيد أن يتقاسم الأهالي تجربتهم الخاصة والتي يندر تشاركها مع الآخرين. لذا فقد تمثل جلسات العلاج الجماعي تدخلًا معقولًا لإعادة تأهيلهم، حيث يتقاسم الجميع الأحزان والعزاء أيضًا. مثل هذه الجلسات تحتمل القيام بأنشطة جماعية تهدف للتضامن والتكاتف، فإذا اتفق الأهالي على حاجتهم للتقرب لله، أو على حاجتهم لتدخل روحي، يلهمهم استيعاب الفقد والتعايش معه، يمكن تنظيم قداسات خاصة بهم تُذكر فيها أسماء المفقودين، وتلحقها جلسة جماعية للحكي وتبادل الحديث، أو ربما الخروج جماعةً لمساحات مفتوحة، وعقد جلسات للتأمل المفتوح، وتقاسم التجربة مع الآخرين والحكي حول تفاصيل الحياة الجديدة.

ويأتي هنا دور أهالي الضحايا السابقين لتقديم تجاربهم في التعايش مع أهالي الضحايا الأحدث. فأي عابر متماسك لفجيعة سابقة يُعد نقطة نور، وداعمًا مهمًا لإنقاذ أهالي الضحايا الأحدث، للعبور من الأحزان، ولاستعادة شغف، ولو كان بسيطًا، بالحياة، وهنا قد يظهر من جديد دور فكري ناشد، وكل ناشد للحياة، ليكون نموذجًا إيجابيًا للتعايش مع الفقد الأليم للأحباء، وللنظر للمستقبل القريب بأمل.

ويظل تخليد الضحايا، والاعتراف المجتمعي والرسمي بمكانتهم الخاصة، وتجريم الواقعة، ملازمًا دائمًا لدعم الأهالي. ورغم أنه عادة ما يكون تخليد ضحايا الطائفية هو دور الأهالي والكنيسة، إلا إن هذا لا يعبر بأي حال عن استيعاب المجتمع والدولة للمصاب الفادح الذي وقع، فلابد أن يُنظر لضحايا الطائفية والتمييز الديني باعتبارهم فقدًا وطنيًا، يكمن في تخليد ذكراهم موقف مجتمعي ووطني عام من الطائفية وانحياز لضحاياها.

وختامًا، وبعد فترات تتفاوت نسبيًا من حالة لأخرى، قد يتاح لأهالي الضحايا المجال لوضع خطط للتعايش، ولوضع أهداف تستعيد تدفق الحياة للعقول والنفوس المحطمة، وخطط عامة تحول أسباب الفقد لأسباب للعطاء، فتبرز الرغبات في تكوين أو تنظيم فعاليات مجتمعية، قد يكون أحدها التثقيف الشعبي عن التآخي والمواطنة وقبول الاختلاف الديني، أو إتاحة الفرص لتبني مشاريع لأصدقاء مختلفي العقائد والهويات تحمل روح العمل والإنتاج المشترك.

وقد يكون مفيدًا هنا عرض تجارب انطلقت من مرارة الفقد للتحول إلى رسائل للحياة، كمؤسسة «ندى لمكافحة حوادث الطرق» والقائمة عليها أحد الأمهات التي فقدت ابنتها ندى في حادث طريق، أو مؤسسة «الحسن للقدرات الخاصة» والتي تقوم عليها أحد الأمهات أيضًا، والتي أصبح ابنها قعيد كرسي متحرك بعد حادث طريق، أو أن نرى ناشد فكري أخر، ذلك الرجل المكلوم بفداحة الفقد، لكنه يقدم الآن عزاء للاحقين له في وجع الفجيعة.

قد يكون التفكير في دعوة الأستاذ فكرى ناشد، ومؤسسة «ندى لمكافحة حوادث الطرق»، ومؤسسة «الحسن للقدرات الخاصة»، وجميعهم أهالي ضحايا لفجائع شخصية، وتحولوا لتقديم تجارب من التعايش الإيجابي مع خسائرهم وأوجاعهم، هو البداية لتكوين روابط لتأهيل ضحايا العنف الآخذين في التزايد والاتساع. وقد تؤدي مثل هذه الرابطة لانفتاح حالات مختلفة من المتعرضين للعنف والصدمات على المجتمع، وإعادة إدماجهم تدريجيًا في مجتمع تغلب فيه روح الخصومة على التصاحب، وقد يكون أهالي ضحايا العنف الأكثر إبداعًا وإلهامًا للمجتمع لقبول قيم التعايش بتنوع وتعددية.

اعلان