Define your generation here. Generation What
عن حذاء بوكيتينو السحري
ماوريسيو بوكيتينو؛ أو كيف تصنع الأفضلية على الأفضل
 
 
 
ماوريسيو بوكيتينو - المصدر: تصميم لؤي فوزي
 

هناك خطأ بديهي ترتكبه نصف محاولات التحليل على الأقل؛ وهو اختزال المباراة في لقاء بين مدربين، وغض النظر عن عوامل أخرى تشكل أكثر من 50% من النتيجة؛ كالأخطاء الفردية والحالة النفسية للاعبين ومدربهم والحكم نفسه والجمهور والإصابات.. إلخ، لسبب بسيط جدًا هو كون ذلك كله غير قابل للقياس والتحليل، لذا نفضل الاعتماد على عوامل أخرى أغلبها معلوم مسبقًا قبل بداية المباراة؛ كالتشكيل وخطة اللعب وعلى رأس القائمة التكتيك بالطبع، بالإضافة للإحصاءات التي ينتجها الصراع، لأن كل ذلك يمنحنا القدرة على المشاركة في الحدث عن طريق التوقع والاستنتاج، ويشعرنا بالقدرة على السيطرة على أمر معقد ومتشابك ككرة القدم.

العكس بالضبط هو ما حدث في مباراة توتنهام-تشيلسي، والتي انتهت بفوز الأول وكسر مسيرة انتصارات الثاني؛ انعدمت الأخطاء الفردية، إلا إذا اعتبرت قِصَر قامة أزبيليسويتا وموزيس خطأً فرديًا. التشكيلتان مثاليتان لم تجرحهما أية اصابات أو غيابات مؤثرة، بل ونال الفريقان أكبر قسط من الراحة قبل اللقاء مقارنة بباقي مساكين البوكسينج، بالإضافة لتحكيم أكثر من رائع على عكس ما شهدته باقي مباريات الأسبوع، الخلاصة أنها كانت مباراة مثالية لهواة التحليل؛ كل ما يصعب توقعه لم يحدث، تاركًا فقط ما نجيد استنتاجه؛ التكتيك وخطة اللعب والتشكيل.

إذن هل نجحنا أخيرًا؟

بالطبع لا، وإلا ما كانت كرة القدم لتصبح اللعبة الشعبية الأولى في العالم، بوكيتينو قرر أن كل هذا أسهل مما يجب وفاجأنا كما فعل منذ 13 جولة، عندما أنهى مسيرة انتصارات أخرى أقصر عمرًا لصاحبها بيب جوارديولا.

نتكلم كفنيين

لعل أمتع ما قدمه الفريقان هو تكافؤهما شبه التام داخل الملعب، وهو ما نقل المباراة بكافة تفاصيلها التحليلية لخارجه؛ فلا يوجد لاعب يمكن لومه على ثنائية آلي، ولا آخر تفوق فرديًا بشكل واضح على قرينه من الخصم، التفوق الوحيد وقع على الخط، ولا يمكن لأي إحصائية مهما بلغت دقتها أن تعبر عنه.

تشكيل الفريقين وخطة اللعب واحصائيات المباراة – المصدر Whoscored.com

كثيرًا ما يُقال إن أفضل طريقة للتغلب على أي مدرب هي وضع نفسك في حذائه، طبقًا للتعبير الانجليزي الشهير، من ثم ترى ما يراه بميزاته وعيوبه، وتكتسب الأفضلية في المعركة.

خطة الأرجنتيني كانت بسيطة؛ سيرتدي حذاء كونتي أولًا، نفس الـ3-4-3 التي اكتسح بها كونتي البريمييرليج طولًا وعرضًا 13 مرة متتالية، ثم سيجربها أمام واتفورد في مباراة ستنتهي برباعية لهدف للسبيرز، ثم يأتى دور المرحلة الثانية؛ المقارنة الفعلية بين مراكز القوة والضعف في 3-4-3 توتنهام ومثيلتها لتشيلسي.

هنا يكتشف بوكيتينو أنه لا يمتلك أجنحة سريعة مهارية كبيدرو وهازارد، لأن تجاربه مع نكودو ونجاي من قبله لم تُكلل بالنجاح، ولكنه يمتلك أطوالًا وتنوعًا أكبر في الوسط يقدمه لاعبون شاملون كآلي وإريكسن، قادرون على تأدية أغلب المهام الدفاعية والهجومية بكفاءة كافية للنجاح.

أسطى في نص الملعب

بدأ بوكيتينو تعديلاته بإضافة وانياما كليبرو وسط مدمر يمكنه الانضمام للدفاع عند الحاجة ليتحول خطه الخلفي لرباعي يغلب عليه الطابع الدفاعي في حالة فقد الكرة، ويمكنه التكتل في العمق موفرًا الأمان الكافي لروز ووكر للجنوح للأطراف مع آلي وإريكسن، مكونين ثنائية على كل جانب من الملعب. للضغط على أطراف تشيلسي بلا هوادة ومنعهم من التقدم.

الخريطة الحرارية لرباعي الدفاع؛ ألدرفيريلد، فيرتونخن، ديير ووانياما – أعلى، مقابل رباعي الوسط؛ روز، ووكر، إريكسن، وديمبيليه أسفل – المصدر Squawka.com

كل هذا، بالاضافة لجهد آلي المتنوع في المساندة دفاعًا وهجومًا بحرية شبه تامة، كان كافيًا لتعطيل تشيلسي تقريبًا وشل تحولاته السريعة من الدفاع للهجوم، والتي أجهدت الجميع في الجولات الماضية، أو الحد من خطورتها في أقل التقديرات، ولكنه لم يكن كافيًا بعد للفوز بالمباراة، وهو ما وفرته ثغرة البلوز القطرية ما بين مساندة هازارد الدفاعية الضعيفة على جهة، والتي سمحت لإريكسن بارسال عرضياته بأريحية تامة، وبين عجز الثنائي المتجاور أزبيليسويتا وموزيس عن التعامل مع الكرات الهوائية من جهة أخرى؛ لعبة بسيطة جدًا، بدائية جدًا، رغم ذلك لم يجربها أحد مع تشيلسي لتصبح المرة الأولى التي يتلقى فيها البلوز هدفًا من رأسية هذا الموسم.

لم ينجح هازارد  في قطع الكرة إلا مرة واحدة ولم يفز إلا بالتحام واحد من أصل 5 – المصدر Squawka.com

المدهش أن كونتي لم يمتلك حلًا للمشكلة طيلة التسعين دقيقة، وحتى مشاركة ويليان بدلًا من موزيس والتحول لـ4-2-3-1، المفضلة لسَلَفه، لم تكن لتنقذ أزبيليسويتا من كابوس آلي الهوائي، أو كانت ستجبر لويز على مراقبته بشكل فردي تاركًا كيهيل في موقف 1 على 1 مع كين، الذي نسيه الجميع لأن دوره في الخطة كان تكتيكيًا بامتياز؛ توفير الإلهاء اللازم للويز وكيهيل ليسمح لآلي بالانفراد بثالثهما.

الجيل الرابع

الفخ نفسه الذي نصبه بوكيتينو لبيب من قبل؛ تحركات آلي الفوضوية التي لا يمكن توقعها، والفارق الوحيد كان بدء بيب المباراة بخطة بوكيتينو المفضلة 4-2-3-1 والعكس بالعكس ليلعب الأخير بـ4-1-4-1 المفضلة للأول، وربما السبب خلف ذلك هو كون الثنائي ابن مدرسة بييلسا في الأصل، فحاول كل منهما ارتداء حذاء الآخر، ولكن تغلبت مرونة السبيرز التكتيكية وجهد لاعبيه الذين قطعوا أكبر مسافة منذ انطلاقة البريمييرليج، بالإضافة لأكبر عدد من الانطلاقات السريعة Sprints في مباراة واحدة.

ولكنها لم تكن المرة الأولى التي تنجح فيها نظرية الفوضى الخلاقة في كسر أعتى الخطط التكتيكية وأكثرها تعقيدًا؛ عبر موسم ونصف شاهد الجميع بيليتش يستخدم ميكيل أنطونيو بنفس الطريقة، ليسجل 17 هدفًا في 58 مباراة مع الهامرز مستغلًا قامته في التفوق على مدافعي الطرف أصحاب القامة القصيرة في العادة، وهو ما جعل بيليتش يشركه كمدافع طرف ليَقيه الرقابة اللصيقة التي صارت تُفرض على الجناح، وهو مركزه الأصلي، ويمنحه القدرة على التسلل للمنطقة كل مرة بنفس الشكل تقريبًا، وفي الماضي شاهد الجميع فينجر يفوز بالدوري بلا هزيمة وبلا مهاجم صريح كذلك، على الأقل بالمفهوم الإنجليزي التقليدي؛ فكل فترة من الزمن يقلب أحدهم في كتب الكرة القديمة ويخرج بفكرة جديدة على السائد، مثلما كان توتي مهاجمًا وهميًا قبل عصر الوهميين، وكان ديل بييرو جناحًا عكسيًا قبل عصر العكسيين.

ديل بييرو

لم تأت أغلب الحالات السابقة على يد مدربين كانوا كبارًا وقتها ولكنها جعلتهم كذلك، فعلى عكس الاعتقاد الشائع غالبًا ما تأتي الابتكارات من مدربي الصف الثاني والثالث الجائعين الطامحين لإثبات وجودهم، الذين ما زالوا يعيشون سنين المراهقة والشباب التكتيكي ولم يكبلهم النجاح والزواج من الألقاب بعد، بكل ما يأتي معه من روتين وضغوط جنونية تطالب بالتتويج كل موسم وتثبيت التشكيل والخطة.

حيلة صغيرة

حيلة بوكيتينو الصغيرة لم تكن آلي فقط، بل استخدامه في تقديم الحل الذي عجز عنه من سبقوه، تقديم الأفضلية على الأفضل وكشف ثغرات خطته على طبق من ذهب للباقين، ليصبح الإنجليزي الشاب هو اللاعب الوحيد تحت 23 سنة الذي يسجل 19 هدفًا في الدوريات الخمس الكبرى منذ بدايته في الموسم الماضي.

ديلي آلي

ولكن هذا لا يفي بوكيتينو حقه، ولا يعبر عما فعله على مستوى آخر ربما لا يدركه الكثيرون، فقبل بوكيتينو كان إيجاد الترياق للخطط العبقرية يتطلب كثيرًا من الوقت ربما يطول لموسم أو موسمين، في ما يسمى بمعدل الانقلاب التكتيكي أو الـTactical Turn Over، أو ما يمكن تعريفه بالوقت المستغرق لإيجاد المضاد المناسب لخطة لعب معينة ذات نجاح واضح، وهو ما نقله الأرجنتيني الفذ لمستوى آخر تمامًا بقضائه على خطتين ناجحتين لاثنين من ألمع مدربي العالم حاليًا في موسم واحد، ومنذ مباراة الجولة السابعة أمام بيب اعتمد الكثيرون على خطة بوكيتينو في الضغط العالي لمنع السيتي من بناء هجمته من الخلف وإجباره على إرسال الطوليات غير الدقيقة، وبالمثل لن نندهش إذا رأينا كونتي يواجه 3-4-3 مجددًا في الجولات القادمة، في انتظار تعيس الحظ الذي سيرتدي بوكيتينو حذائه في المرة القادمة.

في فيلم The Cobbler يقوم آدم ساندلر بدور صانع أحذية ماهر يكتشف في قبوه آلة سحرية تركها له والده، يقوم باستخدامها لإصلاح الأحذية وتعديلها إلى مقاسه ثم يرتديها فيتحول للشخص صاحب الحذاء، ويصير بامكانه احتلال حياته حرفيًا، وفي نهاية الفيلم يفشل ساندلر في استخدام تلك الهبة لتحسين حياته أو الحصول على الفتاة التي يحلم بها، ولكنه ينجح في تغيير حياة الكثيرين إلى الأفضل.

أعتقد أن المفارقة أوضح من أن تحتاج للشرح، الفارق الوحيد أن بوكيتينو لم يجد آلته أسفل مدرجات الوايت هارت لين ولكنه صنعها بنفسه، والمدهش أنها لم تكلفه الكثير.

اعلان