Define your generation here. Generation What
الدير الأحمر.. آخر آثار البيزنطيين في مصر
 
 
لوحات كأنها لم تُرسم إلا بالأمس - صورة: Roger Anis
 

خلف سور أثري عال يبدو للوهلة الأولى وكأنه جدار لمعبد فرعوني أو حصن روماني، تصدح أصوات الشمامسة، مرددة في الساعات الأولى من فجر يوم الأحد صلوات باللغة القبطية بلكنة صعيدية. وبينما يضرب الشمامسة على الدُف يتردد الصوت داخل صحن حجري كبير ومكشوف، مكون من ممر أوسط عريض ترتفع فيه عمدان حجرية ضخمة فقد بعضها أجزاء منه، ويدخل المصلون من باب خشبي صغير يتوسط الجدار الضخم وعليه نقوش قديمة، لمشاركة الرهبان الصلاة في كنيسة «الأنبا بيشاي» و«الأنبا بيجول» المعروفة بـ «الدير الأحمر».

الصحن الحجري - صورة: Roger Anis

على أطراف قرية صغيرة تُعرف بـ«نجع الدير»، وتبعد 11 كلم غرب سوهاج بصعيد مصر، يقع «الدير الأحمر» في «برية أدريبة». لا يُعرّف عن وجوده سوى لافتة مكتوبة يدويًا، عليها سهم يشير للاتجاه ومثبّتة في مقهى صغير على ناصية الدير. «إحنا اللى كتبنا اليافطة دي، وطلبنا من القهوة تحطها»، يقول لـ«مدى مصر» الراهب شنودة، أحد رهبان الدير الأحمر.

الراهب شنودة - صورة: Roger Anis

طريق ترابي غير ممهد في شارع جانبي هو ما يقود للدير الأثري، ولا يتوه الزائر عادة نظرًا لشهرة الدير في القرية المسمّاة باسمه تيمنًا به، إلا أن زوار الدير عادة ما يأتون في رحلات كنسية من المحافظات المختلفة ضمن برنامج زيارة أديرة الصعيد.

زوار الدير - صورة: Roger Anis

«رأيت الدير لأول مرة نهاية عام 1990. وانطلاقًا من خبرتي كمؤرخة للآثار والعمارة البيزنطية، فقد أدركت حينها أنها لحظة غير عادية. لا يوجد مثل هذه الكنيسة وحالتها الفريدة في أي مكان في العالم. نجاة الكنيسة وبقائها بحالة سليمة منذ العصور الأولى القديمة للعالم البيزنطي هما بمثابة معجزة»، تقول إليزابيث بولمان رئيسة بعثة «مركز البحوث الأمريكي في مصر» والتي كرست 15 عامًا من حياتها المهنية في رئاسة بعثة ترميم هيكل الكنيسة منذ عام 2000 وحتى 2015.

30 مليون دولار أُنفقت على ترميم كنيسة «الدير الأحمر» الذي جرى بالتعاون بين «مركز البحوث الأمريكي» والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID و« Roma Tre University»، جامعة روما الثالثة، منذ 2000، والمستمر حتى الآن ومن المتوقع أن ينتهي في 2020. ترجع أهمية «الدير الأحمر» التاريخية لكونه واحدًا من ثلاثة معالم أثرية متبقية من العمارة البيزنطية على مستوى العالم، أولاها هي كنيسة «سان فيتالي» في مدينة رافينا الإيطالية، والثانية كاتدرائية «آيا صوفيا» في إسطنبول التركية التي تحولت لمسجد في عهد محمد الفاتح، ثم تحولت في 1935 لمتحف.

ورغم أن الدير لم يُدرج على قائمة السياحة المصرية، إلا أنه يحظى بشهرة واسعة عالميًا، فقد زاره في 2016 عدد من سفراء الدول الأجنبية، من أبرزهم السفير الأمريكي والسفير البريطاني وسفير الفاتيكان، كما يزوره السياح الأجانب المهتمون بزيارة الأماكن الدينية التراثية.

قصة الهروب والرهبنة

يعود بناء «الدير الأحمر» للقرن الرابع الميلادي، أي لبدايات ظهور الرهبنة القبطية أواخر القرن الثالث الميلادي، حيث لجأ المسيحيون للصحراء والجبال هربًا من الفقر والاضطهاد تارة، ورغبة في العزلة والتفرغ للعبادة تارة أخرى، واختاروا أماكن بعيدة في قلب الصحارى أو على قمم الجبال، للابتعاد قدر الإمكان عن المناطق المأهولة بالسكان. وكانت المنطقة التي يقع فيها «الدير الأحمر» في ما مضى صحراء قاحلة جافة، ما شكّل السبب الرئيسي وراء بقاء الدير رغم القرون الطويلة.

رسومات القديسين - صورة: Roger Anis

تضيف بولمان سببًا آخر لبقاء الدير: «أحد أسباب نجاة الكنيسة، وخاصة الهيكل ثلاثي الحنيات، طوال هذه المدة، بالإضافة للجو الجاف، هو أن كثيرًا من الطين تراكم داخل منحنيات الهيكل، ما دعم التئام بعض الشقوق في الجدران ووفّر حماية طبيعية للوحات المرسومة أسفلها مئات السنين».

رغم المباني الحديثة التي شوهت الطابع التراثي للدير، إلا أن الكنيسة الأثرية لا تُخطئها العين، حيث يقع باب خشبي صغير فوق قاعدة حجرية منقوشة عليها كتابات فرعونية تُدلّل بوضوح على مصدر الحجارة المبنية بها أجزاء من الكنيسة، وهي المعابد الفرعونية. ينفتح الباب على وسط الكنيسة فيظهر «الهيكل ثلاثي الحنيات» مسيطرًا على المساحة الأكبر.

الهيكل ثلاثي الحنيات - صورة: Roger Anis

«الهيكل ثلاثي الحنيات» هو سبب أهمية الكنيسة، وهو عبارة عن قبة كبيرة مكونة من ثلاث حنيات متجاورة كل واحدة منها تُشكل دائرة، وترتكز على صفوف من العمدان الدائرية المنحوتة في الحجر، عاكسًا الطراز المعماري للحقبة البيزنطية. «لم تُحبطني الظلال السوداء على اللوحات لأني سبق وأن عملت مع فريق ساحر من المرممين الإيطاليين في ترميم دير الأنبا أنطونيوس، وأعرف جيدًا ماذا بإمكانهم أن يفعلوا. 15 عامًا قضيناها في ترميم الهيكل، عشرة منها كانت في الترميم الفني فقط للوحات»، تقول بولمان التي تخصصت بعثتها في ترميم «الهيكل ثلاثي الحنيات» فقط.

السور الحجري - صورة: Roger Anis

 بنيت الكنيسة الأثرية في الأصل على غرار المعابد الضخمة، حيث هناك هيكل وصحن كبير صخري بسقف خشبي أو من الجص، وبني حولهما سور داخلي في 1910 تقريبًا لعزل الهيكل وللحفاظ عليه، وبالتالي تحول الهيكل لكنيسة صغيرة، ويبدو ذلك واضحًا من عدم وجود مكان للمصلين خارج خورس الشمامسة. تحمل الكنيسة مزيجًا من طرز معمارية مختلفة، بين الفرعوني والروماني والقبطي، وبنيت جدرانها من طبقات جمعت بين الحجارة والخشب، حيث يفصل بين كل طبقتين من الحجارة أخرى من جذوع الأشجار الضخمة، ما يقلل من مخاطر انهيار المباني حال وقوع زلازل.

هل يصمد الدير؟

الدير مكون من مبان قديمة؛ كنيسة «الأنبا بيشاي» و«الأنبا بيجول» المبنية بالجرانيت الأحمر الذي اعتاد الفراعنة استخدامه في بناء المعابد ومن هنا جاءت تسمية الدير بـ«الأحمر» – بالإضافة إلى الحصن أو القصر الذي يقال إنه كان مكان اختباء الرهبان حال وقوع غزوات على الدير، وتتواجد بداخله بئر ماء جوفية، وضمت المباني الحديثة كنيسة أكبر قليلًا من تلك الأثرية، تتسع لـ«قلالي»، وهي أماكن إقامة الرهبان، ولمصلين أكثر، بالإضافة إلى مبان خدمية أخري.

انتهى ترميم الجانب الشرقي والهيكل ثلاثي الحنيات، بكنيسة «الأنبا بيشاي» و«الأنبا بيجول»، ليبدأ مشروع آخر، وهو ترميم الحصن وصحن الكنيسة الخارجي برعاية «مركز البحوث الأمريكي في مصر»، وبرئاسة المهندس المعماري نيكولاس وارنر الذي قال لـ «مدى مصر»: «مافيش فلوس كتير نكمّل المشروع الحالي.. بس احنا مستنيين نحصل على تمويل جديد».

تتراص عدد من رؤوس التيجان الحجرية وبقايا الأعمدة في أحد جوانب صحن الدير، بجوار فوهة بئر مغطاة بشبكة معدنية. يقول محمود الطيب المشرف على أعمال الترميم المعماري بالحصن: «ردمنا البير بمواد طبيعية زي الجير والرمل لمنع تسرب مياه الصرف الصحي تحت أرضية الدير.. لأن الرهبان كانوا بيستخدمو البير لصرف المياه».

ينفتح الباب على وسط الكنيسة - صورة: Roger Anis

«الدير الأحمر» الذي صمد قرونًا أمام تغيرات طبيعية وسياسية واجتماعية كثيرة، يبدو أنه لن يصمد كثيرًا، نظرًا لما يواجهه من مخاطر بدأت بانتشار مياه الصرف الصحي بالأسفل منه، بسبب انتشار العمران حوله وعدم وجود شبكة صرف صحي واعتماد الأهالي على طريقة الصرف القديمة من خلال «الطرنشات»، ما جعل الأرض غير مستقرة بالأسفل.

بأسى تتحدث بولمان عن المستقبل القصير المتوقَّع للكنيسة: «لست متأكدة على الإطلاق من قدرة الكنيسة على الصمود في القرن الحالي، لارتفاع منسوب المياه الجوفية الراجع للنشاط الزراعي المكثف وللتوسع العمراني في المنطقة المحيطة بالدير. هذه المياه ستزعزع استقرار الجدران، كما أنها جذبت للأسف النمل الأبيض، الذي فعلنا كل ما بوسعنا للقضاء عليه، ولكن للأسف لم ننجح».

مبنى أثري أم بيت للصلاة؟

تستقبل الكنيسة الأثرية القداسات من وقت لأخر، ويقول الراهب شنودة لـ «مدى مصر»: «الكنيسة مقفولة معظم الوقت، ولما ييجي زوار بنفتحها، وأنا المسؤول عنها. مش بنصلي فيها كتير، لكن طبعًا لازم نصلي فيها لأنها بيت الله، ومهما كانت أهميتها، في النهاية الكنيسة للصلاة، ولو مفيهاش صلاة يبقى مالهاش قيمة».

من جانبها تقدم الدكتورة بولمان رأيًا أخر: «على الرهبان استخدام الكنيسة بأقل قدر ممكن. وشخصيًا أفضل أن يستخدم الدير الكنيسة الأثرية في الاحتفالات المهمة الكبيرة مثل عيدي الميلاد والقيامة، على ألا تُفتح الكنيسة باقي العام إلا للزيارات العامة، وقد أعربت عن هذا الرأي بقوة، ولكني أعرف أن الدير يرغب في استخدام الكنيسة أكثر، رغم وجود كنائس عديدة أخرى داخل سوره».

يتخلل استخدام الشموع والبخور الصلوات المسيحية في الكنائس، ما يخلف عادة آثار بقايا عضوية تترسب على الجدران، والتي قد تؤثر بدورها على صمود الرسومات الجدارية فترة أطول.

مراوح كهربائية لتحريك دخان الشموع - صورة: Roger Anis

تتابع بولمان: «فعلنا كل ما يمكن فعله لتأمين الكنيسة الأثرية، بما في ذلك تركيب نوافذ واقية من الأشعة فوق البنفسجية، ومراوح لتحريك البخور خارج الكنيسة، وشبكة أسلاك كهربائية جديدة، وحواجز لسند الحوائط. ويبقى على الرهبان عدم تركيب مكيفات هواء داخل الكنيسة إطلاقًا، لأن تغير درجات الحرارة والرطوبة سيدمر كل اللوحات سريعًا جدًا

المسيح رضيعًا وشابًا بشارب

جمعت «حنيات الهيكل الثلاثية» في ثناياها بين أكثر من فن معماري، ما بين الرسم والنحت، أيقونات القديسين والزخارف النباتية، كما ظهرت الطواويس والغزلان بأشكال بديعة، في رسوم تغطي 80% من مساحة جدران الكنيسة.

المسيح بشارب - صورة: Roger Anis

بلحية مشذبة بعناية وبشعر ناعم مسترسل يظهر المسيح في الصور، التي غلبت على معظمها الملامح الأوروبية، ويظهر فيها المسيح أشقر الشعر واللحية، إلا أن الدير الأحمر يحتضن واحدة من أندر الأيقونات، ويظهر فيها المسيح شابًا حليق الذقن وبشارب أسود سميك. يضيف الراهب شنودة تفسيرًا لاهوتيًا على الصورة وبمفاده فإن كنيسة المسيح تظل دائمًا شابة قوية مثل سيدها المسيح الذي لا يشيخ.

العذراء تُرضع المسيح - صورة: Roger Anis

كما احتلت صورة كبيرة للعذراء وهي تُرضع المسيح واحدة من الحنيات الثلاثة، وهي صورة فريدة من نوعها وغير مألوفة ولا يوجد مثلها الكثير، وتُظهر الجانب الإنساني في حياة المسيح على الأرض.

تؤمن المسيحية بأن لاهوت المسيح لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة منذ التجسد، وتعكس صورة العذراء وهي تُرضعه واحدة من مراحل حياة الإله المتجسد على الأرض، فهو الطفل الذي يرقد على صدر أمه من جهة، ويحكم العالم بأسره من جهة أخرى.

تبدو اللوحات زاهية الألوان وكأنها لم تُرسم إلا بالأمس، وامتزج الأخضر بالأحمر في تناغم واضح في تلك الرسومات أعلى رؤوس تيجان الأعمدة المستند إليها سقف الهيكل، بينما يظهر مفتاح الحياة منحوتًا على قاعدة الأعمدة.

طبقات من الرسومات - صورة: Roger Anis

وفي مقابل هذا، تظهر بعض اللوحات مشوّهة، حيث تبرز أجزاء من رسومات مختلفة متداخلة، وتبين أن الجدران نُقشت لأكثر من أربع مرات برسومات مختلفة؛ طبقات فوق بعض خلال القرنين الخامس والسادس، ما تفسره بولمان بقولها: «عندما تغير رؤساء الدير في فترات زمنية متعاقبة كان كل منهم يقرر تغيير الشكل العام لرسومات الدير بغرض تغيير الموضوعات التي تتناولها اللوحات، وذلك للتعبير عن أفكار جديدة في كل مرحلة مختلفة وفق رؤية وتفسير رئيس الدير».  

وعن توثيق المشروع تضيف بولمان: «كان الجزء الأخير من المشروع هو تصوير الكنيسة بالليزر بتقنية رقمية عالية الجودة، بحيث أنه، وفي حال حدوث أي شيء، يمكن أن يعاد ترميمها على الوضع الأصلي لها

أرض فرعونية، محراب مسيحي وعمال مسلمون

على مقربة من «الدير الأحمر» يقع معبد «أبيدوس» أحد أهم المعابد الفرعونية. ويرجح بعض العلماء أن «أبيدوس» كانت في وقت ما مدينة وعاصمة مصر القديمة. ويأتي للمعبد الزوار خصيصاً، فتبدو براري سوهاج غرب النيل، بآثارها الدينية المختلفة، صورة سمحة لمصر التي طالما احتضنت حضارات وديانات مختلفة تركت كل منها آثارها لتحكي عما حدث على هذه الأرض.

بالإضافة لهذا، فمن الملفت إدراج المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، «إيسيسكو» في 2012 «الدير الأحمر» في سوهاج على قائمة «التراث العالمي للعالم الإسلامي»، ليكون بذلك أول مبنى أثري من مصر يُضاف لقائمتها. حينها أعلنت المنظمة أنه سيكون جنبًا إلى جنب مع مدينة القدس.

«العظيم في مشروع الدير الأحمر أنه مشروع إنساني قائم على تعاون دولي من المتخصصين والعلماء وأعضاء وزارة الآثار، بالإضافة للمجتمع الرهباني، وقام الكل فيه بدوره وشارك بحماستقول بولمان.

ويضم مشروع ترميم «الدير الأحمر» الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن، فريق عمل من جنسيات مختلفة مثل المصريين والأمريكيين والفرنسيين والإيطاليين والبريطانيين وغيرهم، اختلفوا في اللغة والجنسية وتوحدوا على هدف واحد وهو إنقاذ تراث إنساني أكثر مما هو ديني.

يتحدث الراهب شنودة عن زوار المكان وجيرانه المسلمين: «إخواتنا اللى بيساعدونا في ترميم الدير معظمهم مسلمين، واحنا بنثق فيهم ومعتمدين عليهم ومديونين ليهم. ده حتى زوار الدير كتير بيكونوا أصحاب ومعارف وجيران مسلمين للدير بييجوا يزوروه بسبب اللى سمعوه عنه من أصحابهم»،

15 عامًا من العمل داخل «الدير الأحمر» عمل خلالها عمال مصريون مسيحيون ومسلمون بإخلاص، ويحكي محمود الطيب عن الساعات التي يقضونها معًا في الدير: «احنا بنحب الرهبان وبنحب شغلنا معاهم، والدير هنا بيتنا الثاني، احنا بنقضي فيه وقت أكتر ما بنرجع بيوتنا».

 

اعلان
 
 
كارولين كامل