Define your generation here. Generation What

العالم العربي وإمبريالية المصادر الرقمية

في السنوات الأخيرة، وعدتنا رقمنة الكتب المطبوعة والمخطوطات والوثائق بديمقراطية جديدة للمعرفة. غير أن هذه العملية لم تكن عادلة على المستوى العالمي. فالوصول إلى العالم الرقمي ليس متاحًا مجانًا للجميع.

يستعمل مصطلح «الإمبريالية الرقمية» في وصف الحالات التي تقوم فيها المنتجاتُ الرقميةُ بتغيير العاداتِ الاجتماعية، لكني أستعمل مصطلح «إمبريالية المصادر الرقمية» هنا للإشارة إلى من يطلبون الاحتكار أو السيطرة على الوصول إلى منتجات رقمية تنتمي أصلًا إلى المجال العام.

إن عددًا من المبادرات الربحية وغير الربحية التي تستغل المصادر الرقمية المنتمية أصلًا للمجال العام تحدّ من الوصول إليها، أو تتيحها للجمهور والباحثين بصورة انتقائية. وقد ينتج عن هذا سوء تمثيل لما هو موجود في المجموعات فعليًا، أو احتكار التمثيل بالنيابة عن الآخرين.

إذن من اللاعبون في إمبريالية المصادر الرقمية؟ هم مؤسسات؛ شركات ربحية، مجموعات خاصة وحكومية، وجامعات خاصة وحكومية. وأرى أنه لا بد من النظر إلى إمبريالية المصادر الرقمية بوصفها إحدى وظائف التنمية في هذه اللحظة، إذ يقتضي رأس المال اللازم لرقمنة الماضي الإنساني ربحًا، ما يفضي إلى عدم المساواة في الوصول إليه.

يثير جيمس بويل أسئلة تتعلق بالملكية الفكرية في كتابه «المجال العام The Public Domain» الذي يستكشف فيه الجوانب القانونية والأخلاقية والسياسية لحقوق النشر. ويذهب فيه إلى أن «المفترض بحقوق الملكية الفكرية ألا تُمنح إلا حيثما يلزم أن تكون حافزًا لتقديم بعض المنفعة العامة، حافزًا لن يتوفر بغير ذلك». غير أنه لا يصف عواقب تسليع المصادر في المجال العام. ويكمن وراء السؤال عما ينتمي إلى «المجال العام» موضوعُ الوصول إلى هذه المواد على الإنترنت، وما إذا كان هذا حقًا أساسيًا للجميع في العصر الرقمي.

من الضروري جدًا أن يعي كل من الباحثين والجمهور السياسات المتعلقة بالرقمنة، إذ أن قرارات صناع هذه السياسات غالبًا ما تفضي إلى عدم التساوي بين المواطنين في الوصول إلى المعلومات. وهذا الموقف يصدق بصفة خاصة في حالة الموارد العربية، وفي حالة الباحثين والسكان في البلاد العربية. إذ أن هناك إهمالًا عامًا من المجموعات المملوكة للدول العربية في السماح بالوصول إلى مصادرها على الإنترنت. وهذا يتصل جزئيًا بمحدودية البنية الأساسية التكنولوجية، أو الاضطرابات السياسية والحروب أثناء العصر الماضي في الشرق الأوسط، بل يبدو أن الحكومات تعوق عمدًا رقمنة المواد، أو الوصول على الإنترنت إلى المواد المرقمنة بالفعل.

يمكن العثور على نخبة كبيرة من الموارد العربية في العديد من المجموعات في شتى أرجاء العالم. وقد جرى تجميعها في الغالب من خلال السرقات الكولونيالية أو الإمبريالية، أو الشراء التجاري للإلحاق بالمجموعات الخاصة. لذلك فالتراث النصي العربي ليس محصورًا في أيدي الحكومات العربية أو اللاعبين الثقافيين العرب. ولأن المصادر في اللغة الوطنية عادة ما تنال الأولوية، فالرقمنة العربية وتمثيلها على الإنترنت في المجموعات غير العربية غالبًا ما يتيسر من خلال الشركات التجارية الساعية إلى الربح في مقابل استثمارها. وغالبًا ما تكون منتجاتها الرقمية باهظة الأثمان، وقد تتكلف آلاف الدولارات الأمريكية.

في المقابل، لا يفضي تسليع المصادر في المجموعات الأجنبية بالضرورة إلى عدم المساواة. مثلًا، في حالة اللغات التي تنطق بها أعداد قليلة كاللغة التشيكية، أو اللغات التي تتكلمها أعداد أكبر كالألمانية أو التركية، حيث توفر مؤسسات الدولة الوصولَ بالمجان على الإنترنت، لا يمثل عدم المساواة في الوصول شأنًا كبيرًا. ويلزمنا مسح دقيق للتحقق من نسبة المصادر الرئيسية العربية على الإنترنت المحظورة على الجمهور، سواء من خلال الاشتراكات أو القرارات المؤسسية بالمقارنة مع المواد المكتوبة بلغات أخرى.

إن الوصول إلى مجاميع المصادر العربية يمثل حيلةً رأسماليةً كلاسيكيةً: فالاستثمار التكنولوجي ضرورة، لكن المستثمرين يطالبون بمكاسب لقاء رؤوس أموالهم من خلال تسليع المنتجات، وبهذا تزيد التنمية من عدم المساواة. وتدخُّل الدولة قد يوازن تلك العملية، لكن الحكومات العربية مهملة كثيرًا في رقمنة مواد المجال العام.

إمبريالية المصادر الرقمية من نواح كثيرة هي إعادة إنتاج على الإنترنت لعدم المساواة في الوصول المعروف في العالم المادي. فقبل الإنترنت، كان الباحثون بصفة عامة أقدر على الوصول إلى المصادر العربية التاريخية في لندن منهم في ساوباولو والموصل ومكسيكو، بل وبغداد. ورغم ما ينسب إلى صعود الإنترنت من تكسيرها الحدود المادية والجغرافية، فالمصادر ورأس المال اللازم للرقمنة ـ من أجهزة كمبيوتر وخوادم وعمالة ـ تعتمد على موارد السوق (وقد تمثل الجامعات الخاصة لاعبين سوقيين في هذا الصدد)، ومثل هذا الاستثمار في عمليات الرقمنة غالبًا ما يفضي إلى تراتبيات على الشبكة تقوم على رأس المال.

اليوم، هناك طبقة نخبة من المستخدمين الرقميين الأكاديميين العالميين. فالباحثون في جامعات أمريكا الشمالية المنعَّمة، وأنا منهم، أقدَرُ على الوصول إلى المصادر الأساسية العربية الأونلاين من نظرائهم في لبنان أو مصر أو العراق.

ماذا سيحدث في المستقبل؟ حتى لو كان الوصول إلى المصادر العربية على الإنترنت في الشرق الأوسط والعالم يتنامى، فمن المرجح أن قضايا الاختيار والتمثيل ستحل محل هذا الوصول، بسبب تراتبيات السلطة، والكامنة في المصالح التجارية والسياسية. ستنتج المجموعات على الإنترنت سرديات وخيالات محددة بشأن الماضي، شأنها شأن التوثيق عن غير طريق الإنترنت، وستتأثر دائمًا بعوامل السلطة والتمويل المتاح والمصالح التجارية.

______________________________

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان