Define your generation here. Generation What

تيران وصنافير: قصة نظام حنث بيمينه

«أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه

بهذا القسم بدأ كل من رئيس الجمهورية وحكومته ومجلس النواب تقلُّدهم لمناصبهم التي يشغلونها الآن، طبقًا لنصوص المواد 104، 144، و165 من الدستور المصري المعدَّل والصادر في يناير 2014، وهو القسم الذي لم يلتزم به رئيس الجمهورية وأعضاء حكومته، ففي مساء الخميس الماضي أعلنت الحكومة عن إحالة اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، والمترتب عليها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، إلى البرلمان، وذلك بالمخالفة لحكم المحكمة الصادر من محكمة القضاء الإداري، في الدعويين رقمي 43709 و 43866 لسنة 70 قضائية، و«الذي قضى ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة في أبريل سنة 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهما، وحظر تغيير وصفهما بأي شكل لصالح أية دولة أخرى»، وهو ما يعني أن رئيس الجمهورية والحكومة قد أحالا الاتفاق للبرلمان رغمًا عن وجود حكم ببطلان هذا الاتفاق، ما يعد مخالفة لنص المادة 100 من الدستور والتي تنص على أن «تصدر الأحكام وتنفَّذ باسم الشعب، وتكفل الدولة وسائل تنفيذها على النحو الذي ينظمه القانون، ويكون الامتناع عن تنفيذها أو تعطيل تنفيذها، من جانب الموظفين العموميين المختصين، جريمة يعاقب عليها القانون. والمحكوم له في هذه الحالة حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة إلى المحكمة المختصة. وعلى النيابة العامة بناءً على طلب المحكوم له، تحريك الدعوى الجنائية ضد الموظف الممتنع عن تنفيذ الحكم أو المتسبب في تعطيله

في واقع الأمر فإن ما قامت به السلطات المصرية بصدد التوقيع على اتفاق تيران وصنافير، هو خير دليل، ليس فقط على دأب السلطة الحالية على مخالفة الدستور، لكن أيضًا على اعتياد السلطة الحالية على الحنث باليمين الدستورية التي اشترط الدستور على رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة تأديتها قبل مباشرة عملهم واستمراء الاعتداء على الدستور والقانون، فما قامت به الحكومة من إحالة الاتفاق إلى البرلمان لم يكن النموذج الوحيد لحنث الحكومة بيمنيها الدستورية، حيث سبقته حالات أخرى نذكر منها اثنتين:

الحالة الأولى: التفريط في الأرض

حدثت في 9/4/2016، عندما وقع رئيس مجلس الوزراء، بتفويض من رئيس الجمهورية، اتفاق إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة السعودية والذي ترتب عليه التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة، والذي جاء مخالفًا لنصوص الدستور المصري، لا سيما المادة الأولى منه، والتي نصَّت على أن جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، والمادة 151 والتي نصت على عدم جواز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدول.

ورغمًا عن صراحة ووضوح نصوص مواد الدستور وحظرها التنازل عن أي جزء من الإقليم المصري، إلا أن رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الحربية، قرر تفويض حكومته في التنازل عن أجزاء من أرض الدولة، وهو الإجراء الذي واجهه المواطنون المصريون بالطعن أمام محكم القضاء الإداري. وبالفعل أصدرت المحكمة حكمها ببطلان توقيع الاتفاق، مستندة إلى أن الحظر الوارد في المادة (151) من الدستور يمتد إلى السلطة التنفيذية، حيث يحظر عليها أي عمل من أعمال إبرام المعاهدات الدولية، بما فيها التوقيع عليها، إذا كانت المعاهدة تخالف الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة، وذلك حتى لا ترتبط الدولة باتفاقيات من هذا النوع، وهو حظر وقائي ومقصود به تجنيب الدولة والمواطنين مخاطر إبرام اتفاقيات تخالف الدستور، أو تؤدي إلى التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة، بالإضافة لمنع السلطة التنفيذية من الاقتراب من مثل هذه الاتفاقيات، كما أنه حظر مطلق ولا استثناء فيه ولا مجال للتحلل منه تحت أي ظروف أو مبررات.

ويعد إقدام رئيس الجمهورية وحكومته على هذه الخطوة بمثابة حنث بالفقرة الأخيرة من اليمين الدستورية، المتعلقة بالحفاظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه.

الحالة الثانية: عدم احترام الدستور والقانون

نصت المادة 123 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها. وإذا اعترض رئيس الجمهورية على مشروع قانون أقرَّه مجلس النواب، ردَّه إليه خلال ثلاثين يومًا من إبلاغ المجلس إياه، فإذا لم يرد مشروع القانون في هذا الميعاد اعتُبر قانونًا وأُصدر

وطبقًا لهذه المادة، فإن عدم اعتراض رئيس الجمهورية على أي من القوانين المرسلة له خلال ثلاثين يومًا يعتبر بمثابة موافقة على هذه القوانين، مما يوجب إصدارها، وهو ما لم يحترمه رئيس الجمهورية، فرغم موافقة البرلمان في شهر أغسطس الماضي على إدخال بعض التعديلات التشريعية على قانون مجلس الدولة المصري، والتي تضمنت إضافة مادة جديدة تحت رقم 50 مكرر، ونصت على اختصاص محاكم مجلس الدولة، دون غيرها، بالنظر في إشكالات التنفيذ ومنازعات التنفيذ المتعلقة بالأحكام الصادرة منها، في تفعيل لنص المادة 190 من الدستور المصري والناصّة على أن «مجلس الدولة جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، ومنازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه»، رغم هذا إلا أن هذا القانون لم يصدر حتى الآن، ما أتاح لمحكمة الأمور المستعجلة إصدار حكم بوقف تنفيذ حكم محكمة الأمور المستعجلة ببطلان التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.

وهذا حنث آخر باليمين ونقض لنصوص الدستور.

هل يبرُّ أعضاء البرلمان بقسمهم؟

في حين كان دستور 1971 يميّز بين صيغة اليمين الدستورية المخصصة لرئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة من جانب، وصيغة اليمين المخصصة لأعضاء البرلمان من جانب آخر، إلا أن دستور 2012 وتعديلاته في 2014، وحّدت صياغة اليمين للمناصب الثلاثة، فبعد أن كان أعضاء البرلمان لا يقسمون إلا على الحفاظ على «سلامة الوطن والنظام الجمهوري، ومراعاة مصالح الشعب، واحترام الدستور والقانون» طبقًا لدستور 1971، أصبحوا الآن يقسمون كذلك على «الحفاظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه»، فهل سيبرُّ أعضاء البرلمان بقسمهم، ويقيمون لنصوص الدستور اعتبارًا، ويرفضون مناقشة اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، لمخالفته نص المادة الأولى والمادة 151 من الدستور، ولانطوائه على تنازل عن قطعه من أرض الوطن، وكذلك لمخالفته لنص المادة 100 من الدستور، لوجود حكم محكمة يبطل الاتفاق؟

الأيام القادمة وحدها هي ما ستجيب على هذا السؤال، ولكن تبقى لدينا تخوفات مشروعة في ظل تردي الأداء النيابي للبرلمان الحالي، والذي يعمل على تمرير حزمة من القوانين المقيدة للعمل الأهلي، والمعتدية كذلك على السلطة القضائية.

في النهاية، علينا أن نبحث جديًا كمصريين عن وسيلة أخرى لضمان احترام الدستور والقانون، غير أداء اليمين الذي لم يعد سوى كلمات يرددها المسؤولون كتميمة قبل الجلوس على الكرسي.

اعلان
 
 
محمد عادل سليمان