Define your generation here. Generation What
آليات التكيُّف في الأعوام الصعبة: «نحلة» وتمشية في منتصف الليل
 
 

شهد العامان الماضيان هجرة جماعية لكثير من المعارضين من مختلف الأطياف السياسية في مصر، ومنهم رموز كانوا في فترات سابقة في طليعةِ الحراكِ السياسي. أما بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أنفسهم منتمين للثورة لكنهم باقون في مصر، فالإحباط والعزلة سيدا الموقف، إذ صار الأصدقاء والرفاق بين مهاجر ومُعتَقل.

توجهنا لعدد من الصحفيين والفنانين والباحثين ونشطاء حقوق الإنسان، بين 20 و60 عامًا، وطلبنا منهم الاستجابة لهذا السؤال: «عندما تصبح الأمور قاسية، على المستوى السياسي أو الشخصي، إذا مررت بيوم عصيب في محكمة، أو إذا أُلقيَ القبض على أحد أصدقائك أو إذا استيقظت على خبر مُروِّع، ماذا تفعل للتعامل مع ذلك؟».

كان المشترك بين الاستراتيجيات المختلفة للتكيُّف اليومي مع الحياة أنها ذات طبيعة انفرادية، والحاجة إلى القيام بنشاط بدني للتأقلم مع معدلات القلق المتزايدة، والتناول المُكثَّف للمهدئات.

الإلهاء اليدوي: صناديق الموسيقى والنحلة والخياطة

يصف العديدون حاجتهم لإشغال أيديهم أثناء التواصل الاجتماعي أو العمل أو حضور الاجتماعات، كوسيلةٍ للتركيز بشكل أفضل والتعامل مع الانفعال أو القلق.

«هذه نحلتي. حصلت عليها من متجر خيري، ولديَّ مجموعةٌ منها. أحتفظ بواحدة منها دائمًا في حقيبتي، لأنني ببساطة يمكن أن آخذ استراحة من أي شيء أفعله وأظل أشاهدها لعدةِ دقائق وهي تدور.

لديَّ أيضًا مجموعة من الكليدوسكوبات الصغيرة في حقيبتي أثناء الرحلات الطويلة بالسيارة. الكليدوسكوب هو تذكير بأنك يمكنك أن تنظر للأشياءِ على نحو مختلف، وأن الأشياءَ تبدو مختلفة بالفعل. أما النحلات فتهدئك وتولِّد لديك الرغبة في النوم. إنها ثابتة وتتحرك باستمرار، وتعطي انطباعًا واهمًا بالاستقرار.

لكلٍ منها إحساس باللانهائية بطريقة أو بأخرى. تجعلني سعيدًا حين أفتح حقيبتي وأبحث عن شيء مختلف غير اللابتوب أو الملاحظات»، (كاتب وصحفي).

«اعتدت على الخياطة، وبينما أستخدم يديَّ، لا أركِّز على ما أفعل. أعرف أنني قد أغرق في الاكتئاب إن لم أشغل نفسي. الخياطة ليست هدفًا في حدِ ذاته، لكنها وسيلة للوصول إلى هدف؛ وسيلة للانفتاح وليس للانغلاق. الخياطة بالنسبةِ لي تعني أنه يمكنني القيامَ بشيءٍ مُنتِج وجميل وممتع لي. بل إنني أيضًا عند قيامي بشيء كهذا، أحرِّر عقلي وأسافر به إلى مكان آخر، إذ أنني لا أركِّز على الخياطة في حد ذاتها.

كنت أمارس الخياطة أثناء تحضيري رسالة الدكتوراه، كوسيلة للتعبير عن الجوانب الإشكالية فيها. كنت أجلس وأبدأ في الخياطة والتفكير في رسالة الدكتوراه، أطرح الأسئلة وأحاول الوصول لإجابات وحلول، وأقول لنفسي أثناء ذلك أنني أقوم بشيء مُنتج كي لا أُحبَط أو تنغلق أمامي سُبُل الكتابة.

من المثير أن أعود مجددًا للخياطة في لحظة أُغلَقَت فيها كل الأبواب. إنها تتيح لي المساحة لإعادة النظر في الأمور، وللحنين إلى ما فات، وللتأمل، وللتخلص من قدرٍ كبير من الطاقة السلبية»، (أكاديمية).

«أنا مُصابٌ بالاكتئاب والوسواس القهري. أتناول بعض الأدوية، وأستخدم كتب التلوين المُخفِفَة للتوتر، وأحبها كثيرًا. هذا جديد إلى حد ما بالنسبة لي، فقد شرعت في ذلك فقط حين بدأت العلاج. أفعل ذلك أثناء الاستماع للموسيقى، إذ تساعدني أن استمع إليها أفضل لحد ما»، (صحفي).

«حين تصير الأمور أكثر إجهادًا وضغطًا، أذهب إلى الحمَّام، أغلق الباب على نفسي وأفتح لعبة كرة القدم حتى أحرز هدفًا. أقوم بذلك غالبًا في العمل»، (صحفي).

«ملأت شقتي بالكثير من المُلهيات التي تسليني منذ أن أستيقظ: بلاي ستيشن، وبيانو، وألعاب تركيب الصور. يساعدني ذلك في الإبقاء على نفسي مشغولًا كي لا أسقط في هوة الاكتئاب»، (مخرج سينمائي).

«النغمات القصيرة المتكررة الصادرة بانتظام من هذا الصندوق الموسيقي الصغير لها تأثير مُهدئ. مهدئ لأنه، على عكس الاستماع للموسيقى، يتضمن بعض الحركات الجسدية البسيطة، مثل لف مقبض الصندوق. إنها فقط حركة بسيطة تصدر منها موسيقى لطيفة. إذن فهذا نشاط بسيط للغاية وأنا أحبه».

«هذا الشيء جميل على عدةِ مستويات: فهو صغير الحجم، ومليء بالتفاصيل، وقوي سواء من حيث تركيبه المعدني أو الصوت الذي يصدره.

أحب اللعب به لتجاوز لحظة من الملل أو لملء ثوانٍ يكون من المستحيل فيها أن أقوم بعمل» (صحفي).

الاستهلاك: الطعام والكحوليات والمهدئات

تحدَّثَ العديد ممن تكلمنا معهم عن تناول بعض المواد لافقاد أنفسهم الحس، ومساعدتهم على قضاء يومهم، منها الطعام، والمشروبات الكحولية، وأدوية الاكتئاب والتوتر، سواء التي تُصرف مباشرةً أم بوصفةٍ من الطبيب، وغيرها من الأدوية.

«منذ الانقلاب، أصبحت الأمور قاتمة وكئيبة، لذا صرت ميَّالًا لتناول المزيد من المواد – المشروبات الكحولية والحشيش. أيضًا أستمع إلى الموسيقى وأعزفها. أرغب في تناولِ شيءٍ يلهيني عن هذه الحياة الكئيبة، لكن لم أختر هذا الشيء بعد»، (عازف موسيقي).

«بدأت مؤخرًا أشرب الكحوليات في أغلب الليالي قبل النوم، لتساعدني على إيقاف عقلي عن التفكير، ولتهدئة جسدي»، (محام وناشط).

«آكلُ كثيرًا للتكيُّف مع الحياة. على سبيل المثال، في يومِ انفجار الكاتدرائية، أكلت 12 ساندوتش في ساعةٍ واحدة. لا أدخِّن لأنني مريضٌ هذه الأيام، لكنني أشرب كثيرًا، وأتناول الزاناكس (Xanax) في بداية كل يوم. بدأت تناوله منذ سبع سنوات، قبل الثورة ببضعة أشهر، لكن قبل ذلك كنت أتناوله مرةً في الأسبوع أو شيئًا من هذا القبيل. أما هذه الأيام أتناوله ثلاث مرات على الأقل، وأزيد من ذلك حين يتنابني التوتر. صرت مدمنًا له الآن. سيكون عليَّ أن أقطع مسافةً طويلة للحصول على كمية كبيرة منه»، (صحفي).

الحركة: التمشية في وقتٍ متأخرٍ من الليل وقيادة السيارة وركوب الدرَّاجة

هناك قاسم مشترك بين الناس الذين يسعون إلى عزلةِ آخر الليل، من خلال المشي، أو قيادة السيارات وحدهم، أو ركوب الدرَّاجات، خاصةً في العامين الماضيين.

«أخرج للمشي، واضعًا السماعات في أذناي، منفصلًا عن كل ما حولي. المشي لا يجدي كثيرًا، لكنه يجعلني أتحرك. أبدأ من ميدان رابعة العدوية (حيث وقعت المذبحة عام 2013). اعتدت على التقلصات والشد العضلي، لكن ذلك يساعدني على التوقف عن التفكير لبعضِ الوقت. هذا صعبٌ بالطبع بسبب التحرشات في الشوارع، لكنه يساعدني دائمًا»، (ناشطة).

«أقود السيارة وحدي حول المدينة في وقتٍ متأخرٍ من الليل، وأقوم بتشغيل بعض الموسيقى، بعيدًا عن العائلة والعمل. وغالبًا ما أنتظر لوقتٍ متأخرٍ من الليل كي أشتري الخبز لساندوتشات ابنتي في اليوم التالي»، (صحفي).

«أحيانًا أمشي بعد الساعة 11 مساء. أذهب إلى المتجر لأشتري شيئًا، أو أدفع فاتورة هاتفي المحمول. عادةً ما يكون شارع القصر العيني فارغًا بعد الساعة 10 أو 11 مساءً، لذا فهو وقت جيد للمشي»، (أكاديمي وكاتب).

«بدأت مؤخرًا أركب درَّاجة. أردت أن أقوم بنشاط ما، إذ أشعر بطاقة أفضل وإحساس أفضل باليوم حين أحرِّك جسدي. أشعر بالسعادة حين أركب الدرَّاجة والناس يرونني. هذه اللمحة السريعة تحدث أحيانًا. يشعرني ذلك بأيام ما بعد الثورة حين كان الناس يرغبون في التحدث إلى بعضهم في الشوارع، وكانت النساء أكثر راحةً في التحدث إلى الرجال، والناس من مختلف الطبقات يتفاعلون مع بعضهم… يذكِّرني ذلك بالوقت الذي كان الناس ما زالوا يتعاملون مع بعضهم في الشارع بطريقة إيجابية، وليسوا بذيئين تجاه بعضهم.

لا أعتقد أن حياتي صعبة مقارنةً بالآخرين. لقد فقدت أناسًا كانوا قريبين مني، ليس بالضرورة من أفراد العائلة. وحين تصالحت مع نفسي، شعرت أنني أطفو أعلى فأعلى، وربما لا يكون فقدان البشر أسوأ تجربة إنسانية، لكنه ساعدني على التعامل مع كل شيء. ساعدني ألا أتحكم في حدودِ غضبي»، (صحفية).

«بعد أي يوم سيء، أنعزل تمامًا. أحيانًا أرقص وحدي على الموسيقى في غرفتي»، (ناشطة في مجال حقوق الإنسان).

ــــــــــــــــــــــــ

*ترجمة: أشرف عمر

اعلان