Define your generation here. Generation What
مما حدث للشباب في عامهم
 
 

في التاسع من يناير 2016، قطع الرئيس عبد الفتاح السيسي وعداً على نفسه للشعب المصري «من قلب أبٍ لأبنائه» وهو أن يجعل هذا العام عاماً للشباب من خلال برامج تُفَعِل دورهم في الوطن فاتحاً لهم «أبواب المعرفة والمشاركة في التعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة». جاء إعلان السيسي بعد عام ونصف من توليه زمام أمور البلاد، وخمسة أعوام بعد انطلاق ثورة تنادي بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، كان الشباب في القلب منها يطمحون لحياة خالية من التسلط الأبوي للدولة وللمعيشة الكريمة.

تقول ريم سعد، أستاذة الأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكية في القاهرة، إن «الثورة اشتملت فعلاً على ماهو أكثر من مجرد دور مهم للشباب، لكن  كان هناك في صلبها أيضاً أسئلة صعبة تخصهم. من هم؟ وماذا يفعلون؟  وما الذي يزعجهم لهذه الدرجة؟». تلك الأسئلة محورية في بلدٍ يمثل فيها الشباب، الذين تتراوح أعمارهم من 15 حتى 39 عاماً، 43.5% من السكان، بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2015.

وعد الدولة
في خطابه، أشار السيسي إلى البرنامج الرئاسي لإعداد القادة، وهو برنامج تعليمي للمصريين تحت الـ 30 عاماً شريطة أن يكونوا حاصلين على شهادة جامعية، وألا يكون لديهم صحيفة جنائية. يتضمن البرنامج زيارات للشئون المعنوية للقوات المسلحة والقوات الخاصة والدفاع الجوي والبحرية والأكاديمية العسكرية. وتشمل محاور النقاش الحوكمة والإدارة العامة وريادة الأعمال والأمن القومي.

يقول  محمد معوض، المهندس البالغ من العمر 27 عاماً الذي أكمل البرنامج، لـ «مدى مصر»، إنه «أعطاهم حقائق أكثر مما بمقدورهم الوصول إليه وحدهم. كما علمهم كيف يتوصلون لحلول وأعطاهم المساحة للتعبير عن آرائهم».

يأتي معوض من عائلة من موظفين حكوميين ويعمل هو نفسه في شركة إنبي المملوكة للدولة، وهو الأمر الذي مكنه من المشاركة في عدد من المشروعات القومية التي يتبناها السيسي في أرجاء البلد قبيل انضمامه للبرنامج الرئاسي لإعداد القادة. ويضيف معوض لـ«مدى مصر» أن «أغلبنا كان بالفعل يعمل لدى الدولة قبل انضمامنا للبرنامج».

كما شهد عام 2016 عددًا من المؤتمرات الشبابية، بالذات قرب نهايته، بدءاً من مؤتمر شرم الشيخ أكتوبر الماضي حتى الحوار الشهري الأول للشباب في ديسمبر. ويقول معوض، الذي شارك في الحدثين، إنه يؤمن أن تلك المؤتمرات دلالة على «استمرارية فكرة المشاركة الشبابية وعلى اهتمام الحكومة بالسماع للشباب». في شرم الشيخ، عرض معوض مشروعه الذي يهدف إلى تشجيع الشباب على المشاركة السياسية، إلا أنه هو نفسه لا يهتم بالسياسة وتقتصر خبرته في المجال العام على الأعمال الخيرية. ويبحث معوض بشكل رئيسي عن«التمكين الكامل».

أما على الصعيد السياسي، فقد بدأ البرلمان أعماله في يناير باستحواذ من هم دون الـ45 عاماً على حوالي ثلث المقاعد. بينما ظلت الميزانية المخصصة لقطاع الشباب في الموازنة العامة للدولة، شبه ثابتة بدون أي زيادات جديرة بالاهتمام، حيث وصلت إلى 4.1 مليار جنيه في العام المالي المنتهي في آخر يونيو 2017 بالمقارنة بـ 3.9 مليار جنيه في العام المالي السابق عليه، و3.6 مليار جنيه في العام المالي 2014/15. وبالرغم من ضعف الزيادة في المخصصات، إلا أن وزارة الشباب والرياضة طورت عددًا من المراكز الشبابية في أرجاء الجمهورية. على سبيل المثال كان آخر مخصص من وزارة الشباب يصل إلى 600 ألف جنيه لدعم المراكز الشبابية في أسوان.

تقول دينا شحاتة، رئيس تحرير دورية الملف المصري الصادرة عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إن «التعامل مع المشاكل الحقيقية يجب أن يكون من خلال سياسات عامة في اتجاه التعليم والصحة والتوظيف والقطاع الخاص، أما الحديث عن سياسات تتعلق بحوار مع الشباب أو كوتة أو مناصب لهم،  فهي محدودة أكثر وقابلة للتنفيذ أكثر ولكن تأثيرها محدود أيضاً»، معتبرةً  أن الأزمة تكمن في غياب الاستهداف الفعال عن أجندة الحكومة خلال 2016، وليس استحالة استهداف الشباب كفئة مؤثرة في المجتمع. «تلك السياسات تخدم بناء كوادر لها ولاء للنظام ومتوافقة مع سياساته وفي ذات الوقت إدماج فئة من المفترض أنها لم تكن بالحظ الكافي في الحراك الاجتماعي والتصعيد الوظيفي»، على حد قولها.

الجانب الآخر من الوعد

«الرعب كان في كدا، الرعب في ان انتي مش بس بتفقدي جزء من عمرك جوا السجن في حاجة بلا جدوى يعني علشان لا سبب، انما كمان بتفقدي ذكرياتك مع الناس»، على حد قول محمد ناجي لـ «مدى مصر»، وهو الشاب العشريني الذي حُكم عليه بخمس سنوات في السجن لمشاركته في مظاهرة.

كان ناجي واحدًا من 46 شخصًا تم إلقاء القبض عليهم يوم 25 أبريل أثناء تظاهرهم ضد اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، التي تنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية. لكن تم إخلاء سبيلهم فيما بعد بناءاً على حكم محكمة الاستئناف والذي ألغى الحكم وأقر غرامة 100 ألف جنيه لكل شخص.

يقول محمد سالم، عضو المكتب السياسي في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي إن الدولة بعد ثورة يناير 2011 «وضعت على عاتقها فكرة عدم تكرار المشهد مرة أخرى»، وذلك من خلال خيارين: إما الاندماج في مشاريعها أو معاداة الدولة.

ويعد إلغاء انتخابات اتحاد الطلبة أوضح علامة على سياسة معاداة الشباب غير الخاضع بالكامل للدولة. وكانت وزارة التعليم العالي قد ألغت انتخابات اتحاد طلاب مصر، وهو المنظمة التي تشمل كل الهيئات الطلابية المنتخبة في مصر.

وواجهت الوزارة عدة انتقادات لدعمها إحدى المجموعات الطلابية لالتزامها بتوجهات الحكومة على حساب مجموعات أخرى نادت بالحريات الأكاديمية، وإخلاء سبيل الطلاب المحبوسين من الجامعة منذ 2013. وفي محاولة للتحكم في الحركة الطلابية، اقترحت الوزارة إعادة لوائح 2007، التي مرت تحت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، على الرغم من اعتراض الطلاب وهيئة التدريس.

ويقول ناجي، الذي يدير ملف الحركة الطلابية في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إن «العام الأخير كان عام نزول منحنى الحركة الطلابية لأن معظم قيادات الحركة إما محبوسون في السجن أو مفصولون وغير قادرين على دخول الجامعة اصلاً». ويفسر ناجي ذلك بأنه نتيجة القمع الذي شهدته الجامعات منذ  2013 عندما تم عزل الرئيس محمد مرسي عن الحكم على خلفية مظاهرات شعبية. «بالإضافة إلى ذلك كان باقي الطلاب مرعوبين من ممارسة أي نشاط داخل الجامعة، وبالتالي خلال 2016 كانت هناك حالة من الرعب أدت بشكل كبير إلى موت الحركة الطلابية تماماً».

لم يقتصر الخوف على المتظاهرين والطلاب، إنما امتد إلى كل الباحثين الشباب الذين تم تلقي محاولاتهم للبحث بالشك، كما توضح تجربة الباحثة في التاريخ الاجتماعي والبالغة من العمر 35 عامًا، عالية مسلم.

عملت مسلم مع مجموعة من الباحثين الشباب في مدينة بورسعيد من خلال ورشة «إحكي يا تاريخ»، التي تهدف لتجميع شهادات سكان المدينة عن تاريخهم، خاصة فيما يتعلق بتجربة مقاومة الاحتلال في عقد الخمسينيات. وتوضح مسلم أنهم كانوا يتعرضون باستمرار للإيقاف من قبل مخبرين، مضيفة أن «المخبرين كانوا دائماً يزورونهم في الفندق ويحاولون أن يستدرجوا الناس للحديث، ويسألونهم عن ما يفعلونه وعن أسبابهم ويحاولون حضور المحاضرات، أو إذا الباب موارب يتنصتون من خلفه».

«نحن دائماً مهددون أمنيا لأننا لدينا فضول»، تقول مسلم، التي مثلها مثل الباحثين الآخرين، لم تتمكن من الحصول على الموافقة الأمنية المطلوبة للإطلاع على الوثائق التاريخية بدار الوثائق المصرية. وهي تستعد الآن للسفر خارج البلاد لتطوير بحثها، وهي خطوة معتادة لأي باحث في مصر في ظل غياب تمويل الأبحاث. ورغم غياب الإحصاءات الرسمية لهجرة العقول إلا أن الشواهد تشير إلى انتشار الظاهرة بين الباحثين الشباب الذين أصبحوا يلجأون للجامعات والمراكز الأجنبية للعمل على أبحاثهم.

ماذا عن معيشة الشباب؟

مؤتمر رايز أب مصر

بلغ معدل البطالة في مصر  12.5% بنهاية يونيو الماضي. وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن 4 من كل 5 عاطل عن العمل، شاب أو شابة عمرها  بين 15 و29 سنة. وتستنتج دراسة، نشرتها مؤسسة بروكنجز الأمريكية في يونيو الماضي، أن بطالة الشباب في مصر «قنبلة موقوتة». وتوصي الدراسة بإصلاح قطاع التعليم العالي ونموذج تمويله؛ وزيادة الاستثمار في التدريب المهني؛ وزيادة التركيز على ريادة الأعمال؛ واتخاذ الخطوات اللازمة لزيادة مشاركة المرأة في القوى العاملة ضمن سياق سياسة تنمية اقتصادية شاملة تضع في جوهر عملها مهمة خلق فرص عمل.

وترى غادة برسوم، الباحثة الاقتصادية في قضايا سوق العمل بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أن «الاستراتيجية الرئيسية لحل أزمة بطالة الشباب هي خلق فرص عمل أكثر وهو ما يحتاج إلى تحفيز للاقتصاد من خلال سياسة اقتصادية تحفز خلق فرص عمل جديدة بالإضافة للعمل على برامج توظيف تسهل دخول الشباب سوق العمل»، وتضيف برسوم أنه «طبعاً لم يتم العمل بسياسة اقتصادية كلية تحفز على خلق فرص عمل في ظل كساد اقتصادي وأزمة اقتصادية حادة».

مع توليه الحكم، بدأ السيسي تطبيق برنامج اقتصادي تقشفي يهدف إلى تخفيض عجز الموازنة العامة المتنامي، كما تم من خلاله تحرير سعر الصرف. وأدت تلك الإجراءات إلى تفاقم معدلات التضخم، التي وصلت إلى 20.2% في نوفمبر، وهي أعلى نسبة لها منذ 2008.

ومثل ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب سيولة العملة الأجنبية خلال 2016 تحديًا أمام شركات القطاع الخاص الذي انكمش في شهر نوفمبر لرابع شهر على التوالي، مما خفض من معدل التوظيف لـ 18 شهراً على التوالي، بحسب مؤشر مشتريات المدراء الذي يصدر عن بنك إن بي دي الإمارات.

وفي محاولة للتصدي لأزمة ضعف معدلات خلق الوظائف الجديد في ظل تزايد أعداد الشباب الداخلين إلى سوق العمل، لجأت الحكومة إلى بعض المبادرات المحدودة لدعم الشباب. في عام 2015، بدأت الدولة في برنامج سيارات «خير مصر»، وهو البرنامج الذي من خلاله تم توفير سيارات مثلجة لنقل الخضراوات، إلى شباب تتراوح أعمارهم بين 21 و45 سنة ويملكون رخصة قيادة ومؤهل متوسط أو أعلى. كما تضمنت مبادرة السيسي لتشغيل الشباب توفير سيارات أجرة من خلال صندوق تحيا مصر.

وتقول برسوم إنه «عادة ما ينتهي الأمر بالشباب في العمل في الاقتصاد غير الرسمي لعدم قدرة القطاع الرسمي على تقديم وظائف تكافئ الداخلين الجدد لسوق العمل»، لكنها توضح أن قدرة القطاع غير الرسمي على النمو محدودة لأنه لا يتاح له التمويل والتكنولوجيا الحديثة، وهو ما يترتب عليه أن يكون الشباب «عرضة للمنافسة والخروج من السوق  خاسر».

وعادة ما يلجأ الشباب العاطل والحاصل على شهادة جامعية، وهم واحد من كل خمسة عاطلين عن العمل، إلى ريادة الأعمال في محاولة للتغلب على الظرف الاقتصادي إلا أن ذلك يضعهم في مواجهة سوق صعبة من حيث الوصول إلى مستثمرين وإلى مستخدمين لمنتجاتهم وخدماتهم. لكن طارق فهيم، المستثمر في الشركات الناشئة والشريك في شركة إندور فينشرز، يحذر من أنه في قطاع ريادة الأعمال في مصر 40% فقط ينجحون، و5% فقط من كل شركات رواد الأعمال تحقق نجاحًا باهرًا.

أحمد محمود، خريج تكنولوجيا المعلومات والبالغ من العمر 27 عاماً، يعمل الآن في شركة خدمات تكنولوجية ناشئة حديثاً، وناجحة حيث لديها صفقات مع شركات في الخليج والولايات المتحدة. لكن محمود يقول لـ «مدى مصر» إنه قبل انضمامه لتلك الشركة بادر بإنشاء شركته لكنه سرعان ما واجه السوق المصرية، ولم يتمكن من الوصول إلى مستثمرين مهتمين بمنتجه، أو حتى إلى مستخدمين.

ويزيد الأمر سوءاً بسبب مشاكل التمويل. فتقول مرام شلبي، المسؤولة الإعلامية لفينشر لاب في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، لـ «مدى مصر» اثناء مؤتمر رايز أب للشركات الناشئة إن «التمويل في الظروف الاقتصادية الحالية أصبح صعبًا جداً»، مضيفة أن «تطوير تطبيق على الهاتف يتطلب أموالًا كثيرة. وأعتقد أن تلك أحد الأسباب الرئيسية التي تؤدي لفشل الشركات الناشئة».

ويعمل فينشر لاب في الجامعة الأمريكية بالقاهرة على مساعدة الشركات الناشئة على تطوير النموذج المالي والإداري لشركاتهم، كما يحاول أن يوصل بينهم وبين المستثمرين. وحتى الآن عمل المركز مع 55 شركة ناشئة وساعدهم في تجميع 26 مليون جنيه.

ويتبقى للشباب، سواء من الطبقات الدنيا أم الطبقات الوسطى، خيارات محدودة، وتشمل خيبة آمالهم الأوضاع السياسية والاقتصادية معاً. تشير سعد إلى أن الدولة تناقض نفسها في تعاملها مع الشباب حيث إنه «عندما يتعلق الأمر بالحقوق السياسية أو الشخصية تكون السلطة أبوية جداً، لكنها تغيب تماماً في الحقوق الاقتصادية».

شاركت في إعداد التقرير مي شمس الدين.

اعلان