Define your generation here. Generation What
عام الأمل في السينما المصرية
 
 

في عتمة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والتقييد على المجتمع المدني، بدت السينما المصرية للبعض منارة مضيئة خلال هذا العام.

عانت السينما معاناة جسيمة خلال السنين الأخيرة بسبب قرصنة الأفلام وتزايد المنافسة الأجنبية والمحن الاقتصادية التالية لـ2011. فتراجع الإنتاج السينمائي، ما اضطر الكثير من السينمائيين والمنتجين للتحول إلى التليفزيون، ومن بقي منهم في السينما أغرق السوق بالنساء المغويات والكوميديا المبتذلة المضمونة والقصص المتواضعة.

في 2014 و2015، رأينا عددًا أكبر من المخرجين الجدد والمخرجين الكبار العائدين إلى الإخراج يقدمون أفلامًا جادة مؤكدين من جديد حضورهم في دور عرض السينما المحلية. بل إن منهم من حقق أرقامًا مثيرة للإعجاب في شباك التذاكر. كما أن أفلامًا مستقلة عديدة أنتجتها كبرى الشركات في مصر خلال هذا العام تمكنت من الوصول إلى دور السينما التجارية ـ ورغم أن مبيعات تذاكرها لا تكاد تقارَن بمبيعات الأفلام التجارية، فإن مجرد دخولها السوق خطوة إلى الأمام في ما يتعلق باطلاع الجمهور على أفلام لا تنافق شباك التذاكر.

رغم الوضع الاقتصادي والقوانين المقيدة المفروضة على السينمائيين وقضايا الرقابة المستمرة، تشير هذه الأفلام المستقلة والتجارية إلى أن الصناعة تعيد بناء حيويتها الاقتصادية.

كان من الأحداث الكبيرة فيلم «هيبتا: المحاضرة الأخيرة» (راجع استعراضنا له هنا) وهو مأخوذ عن رواية هيبتا (2014) الرائجة لمحمود صادق، ومن إخراج هادي الباجوري الذي سبق له أن حقق 1.7 مليون حنيه بفيلم رعب بعنوان «وردة» (2014)، و4.6 مليون جنيه بالفيلم الدرامي الاجتماعي «واحد صحيح» (2011) وشارك في إنتاج فيلم «لا مؤاخذة» (2014) الذي حقق 8 ملايين جنيه. شارك في هيبتا فريق من النجوم من بينهم نيللي كريم وماجد الكدواني ومن جيل تالٍ ياسمين رئيس (زوجة الباجوري) وعمرو يوسف ودينا الشربيني. والفيلم إنتاج مشترك بين الباجوري بروديوسرز وشركة محمد حفظي فيلم كلينيك وتوزيع ماد سولوشنز.

حقق «هيبتا» 27 مليون جنيه في عشرة أسابيع، بما يجعله صاحب ثالث أعلى الإيرادات بين أفلام العام بعد «لف ودوران» الذي حقق 42 مليون جنيه حتى الآن ويدخل أسبوعه الرابع عشر في دورالعرض، و«جحيم في الهند» الذي حقق ما يزيد قليلًا على 32 مليون جنيه. «لف ودوران» من بطولة أحمد حلمي، وهو أكثر نجوم السينما المصريين رواجًا في شباك التذاكر، و«جحيم في الهند» كان فيلم صيف كوميديًا ظريفًا من بطولة رامي إمام، وهو ابن أكبر تيكونات الكوميديا في مصر. لكن المثير أنه من النادر لأفلام كوميدية رومانتيكية خالية من العنف أن تحدث أثرًا في شباك التذاكر كالذي أحدثه «هيبتا».

طال انتظار «هيبتا» على مدار شهور بسبب رواج الرواية وبسبب شعبية الممثلين، وقد ركزت حملة التسويق الكثيفة على كلا العنصرين. ولكن يبدو فعليًا أن تناقل الآراء بين الجمهور هو ما حقق للفيلم نجاحه. في حكي غير معتاد سرد الفيلم قصة بروفيسير يلقي محاضرة حول مفهومه لـ«مراحل الحب السبعة» مع قصة لكل مرحلة تقدم من خلال مزاج استرجاعي [فلاش باك]. وينتهي الفيلم بمفاجأة توقعها بعض المشاهدين في منتصف الفيلم لكنها فاجأت آخرين. و«هيبتا» في المقام الأول فيلم متفائل، وأغلب الناس لديهم اهتمام بفهم الحب الرومانتيكي.

من النجاحات الكبيرة أيضًا فيلم «اشتباك» لمحمد دياب الذي عرض للمرة الأولى ضمن Un Certain Regard في مهرجان «كان»، وهو ثاني أفلام دياب الروائية الطويلة ككاتب ومخرج بعد فيلمه «678» (2014) الذي يتناول قضية التحرش الجنسي. كتب دياب قبل ذلك أفلامًا عديدة منها فيلم «ديكور» لأحمد عبد الله وهو أميل إلى التجريب الفني، وفيلم «الجزيرة» الجماهيري المثير والإشكالي أيضًا لشريف عرفة، ويصوِّر الفيلم تجارة المخدرات والسلاح في صعيد مصر.

شاركت في إنتاج «اشتباك» مجموعة من المنتجين الدوليين والمحليين، من بينهم «فيلم كلينيك»، ووزعته «ماد سولوشنز»، وتجري أحداثه في شاحنة نقل مساجين أثناء مظاهرات اندلعت إثر الإطاحة بالرئيس محمد مرسي التابع للإخوان المسلمين سنة 2013، ويقدم الفيلم شخصيات من مختلف ألوان الطيف السياسي، مرغمة على التواجد في فضاء واحد، بينما تتحرك الشاحنة من مظاهرة إلى أخرى. حقق «اشتباك» 4 ملايين جنيه في شباك التذاكر.

في الوقت الذي شعر الكثيرون فيه أن «اشتباك» إنجاز سينمائي، فإن عدم تمثيله لكراهية الشرطة لجماعة لإخوان المسلمين ولشيطنتهم لها أحبطت مستخدمي فيسبوك في نقاشاتهم للفيلم. من المؤكد أن الفيلم نجح في توريط الجمهور وإشراكهم فيه. فاتجه أبناء الصناعة والجمهور العادي إلى الإعلام الاجتماعي لاستعراض الفيلم والحديث عنه وكتابة سلاسل التعليقات الطويلة حول تمثيله لشخصياته وتسويقه الإشكالي، الذي تضمن ادعاءات من المخرج على الرقابة وتطبيقًا على الهاتف يتيح للمستعمل وضع صورته وراء قضبان.

لعل هذا الجدل كان قوة دافعة لأتباع الحركة الثورية الخافتة إلى مشاهدة الفيلم دعمًا له بالقليل الذي في أيديهم، لكن الآخرين رأوه كدراما سياسية محكمة الصنع استطاعت اقتناص أحداث العنف التي شهدتها 2013.

زاوية للتوزيع تدخل السوق

ولدت «زاوية للتوزيع» في مايو 2015 كمشروع سينمائي فني أقام أولى شاشات القاهرة المخصصة للعروض البديلة، فاستطاعت خلال هذا العام الخروج بالأفلام المصرية المستقلة منخفضة الميزانيات إلى العرض التجاري، وهذه مبادرة رائدة.

في الماضي، كانت أغلب الأفلام ذاتية التمويل أو المعتمدة على التمويل الجماعي أو تمويل المنظمات غير الحكومية أو أفلام المهرجانات لا تكاد تحظى بعرض تجاري، رغم ما تحققه عادةً من رواج حقيقي في المهرجانات ورغم حصولها في أغلب الحالات على جوائز في الخارج. لم تكن هذه الأفلام تعرض ـ إن عرضت ـ إلا في المراكز الثقافية أو في مهرجانات السينما المحلية. وبذلك لم يتسن للأفلام المستقلة قط أن توضع في الحسبان عند مناقشة فرص نجاحها التجاري.

لدى «زاوية للتوزيع» حاليًا 12 فيلمًا مصريًا توزعها، وتكافح من أجل التعامل مع جميع جوانب الأفلام، من عروضها الدولية إلى إشراكها في المهرجانات إلى عرضها التجاري وحقوق بثها التليفزيوني.

جاء ذلك تطورًا طبيعيًا لـ«زاوية»، التي كانت تعرض بالفعل أغلب هذه الأفلام وتنظم لترويجها حملات صغيرة. ولأن «زاوية» (التي أسستها شركة «أفلام مصر العالمية» ـ يوسف شاهين) مرتبطة بالصناعة، وكانت تؤسس بالفعل شبكة اتصالات مع المهرجانات ودور العرض والقنوات التليفزيونية، فقد ساعد انطلاق نشاطها التوزيعي في ملء فراغ في السوق وحقق لها عائدًا تمويليًا.

بوصفها شركة توزيع ودار عرض في آن واحد، وسّعت «زاوية» نشاطها خلال العام الحالي ليمتد إلى دور العرض التجارية في القاهرة وغيرها. فاستضافت عروضًا تجارية للفيلم الوثائقي «إم غايب» لنادين صليب فكان من أنجح أنشطتها، بجانب فيلم «جاي الزمان» الوثائقي لدينا حمزة و«برة في الشارع» لياسمين متولي وفيليب رزق وتجربة الإخراج المشترك السكندرية «أوضة الفيران». وتعمل زاوية حاليًا على توزيع فيلم «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد في دور العرض بعد استبعاده فجأة من المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي.

ومن المشاريع المثيرة أيضًا عرض وثائقي «موج» للسينمائي سويسي المولد أحمد نور، الذي يسعى فيه إلى عرض خمس فترات خاصة من حياته سعى فيها إلى معرفة جيل الثورة. تنافس الفيلم مع أفلام تجارية، وبقي في دور العرض أربعة أسابيع أو خمسة، بفضل حملة تسويق ناجحة من مخرجه وفريقه في السويس.

وفي حين أن «زاوية للتوزيع» لم تستطع حتى الآن عرض أفلامها المصرية خارج شاشتها في سينما «أوديون» بوسط مدينة القاهرة، فهي تخلق قنوات جديدة للأفلام الدولية التي تشتري حقوق عرضها التجاري في مصر مثل «بروكلين» (2015) لجون كراوالي و«غرفة» (2015) لليني أبراهمسن ووثائقي «آيمي» (2015) لآصف كاباديا، إذ عرضتها جميعًا في العديد من دور العرض التجارية المحلية.

أكبر نجاح تجاري حققته زاوية العام الحالي كان مشروع التخرج الوثائقي لكوثر يونس «20 سبتمبر: هدية من الماضي» الذي باع أكثر من ثلاثة آلاف تذكرة خلال عرضه لخمسة أسابيع في «زاوية» بما جعله أنجح عرض سينمائي حتى اليوم. أغلب أفلام «زاوية للتوزيع» المصرية الأخرى باعت ما بين 400 و1000 تذكرة.

في هذا الفيلم، صورت كوثر سرًا رحلة اصطحبت فيها والدها ليلتقي مرة أخرى بزوجته الأولى في إيطاليا. يعتقد فريق «زاوية» أن نجاح الفيلم يرجع إلى بساطته ودفء مشاعره، ويشيرون إلى أن يونس اجتهدت في العمل على تسويقه لأنها تدعم فيلمها القادم من خلال هذا العرض. فقد حضرت جميع العروض تقريبًا، وأجرت جلسات حوارية مع الجمهور ودعت شخصيات مهمة في صناعة السينما. ويبدو أن تناقل الأخبار يلعب دورًا مهمًا إذ أن العروض كانت ممتلئة بالمشاهدين.

موجز اتجاهات 2016

في جميع هذه الحالات بُذلت جهود تسويقية، لكن يبدو أن توصية الناس بالأفلام أو الجدل حولها يؤدي إلى نجاحها.

الأفلام المأخوذة عن روايات رائجة تحقق النجاح، و«هيبتا» مثال، لكن «الفيل الأزرق» في 2014 حقق نجاحًا ساحقًا أيضًا. أما الأسماء الكبرى فلا تمثل دائمًا وصفة مضمونة للنجاح. فكبار المخرجين المصريين المخضرمين من أمثال يسري نصر الله ومحمد خان وداود عبد السيد واجهوا سقطات هذا العام في شباك التذاكر بأرقام تتراوح ما بين 300000 و950000 جنيه. فيلم نصر الله «الماء والخضرة والوجه الحسن» كان من بطولة نجوم كبار، وفشل في اجتذاب الجمهور. وربما لا نغالي حين نقول إن أفلام الإثارة زهيدة الميزانيات لم تعد تصادف النجاح هي الأخرى، فأغلب الأفلام التي لا تتجاوز مواضيعها الموسيقى الشعبية فشلت مثل «بارتي في حارتي» (234000 جنيه) و«تفاحة حوا» (58000 جنيه) و«عمود فقري» (29000 جنيه).

يبدو أيضًا ـ وهو أمر غير مدهش ـ أن الناس تقبل على ما يتصل بحياتها ويأتي في لغة سينمائية يمكنهم فهمها.

يقول المدير الإداري لزاوية يوسف شاذلي إن «ذائقة الجمهور العام تتطور ويطالبون السينما بالمزيد، فعلى الأفلام أن تأتي بجديد يتصل بما يجري الآن».

* الأرقام مأخوذة من ترتيب شباك التذاكر في elcinema.com، والصور منشورة بإذن من موقع التواصل الاجتماعي الخاص بكل فيلم.

___________

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
 
روان الشيمي