Define your generation here. Generation What

أحزان دبلوماسية وسيناوية

مثل كل مؤسسات الدولة المصرية، تعرضت المؤسسة الدبلوماسية لضربات الحكم الفردي المتقلب لنظام ضباط 23 يوليو، ما أفقدها الكثير من تقاليد الاحترافية والتراكم، وربما ما أفقدها أيضًا كثيرًا من الثقة في النفس، وثقة الآخرين فيها.

حدث هذا في القضاء وفي الجامعة وفي الشرطة، وفي مرفق الصحة، وسائر المرافق الخدمية، بل حدث أيضًا لمدرسة الري المصرية التي كانت يومًا ما أهم مدارس الري في العالم.

لكننا نركز اليوم على المؤسسة الدبلوماسية، لأن ما جرى في يوم الجمعة الماضي، وفي اليوم السابق عليه، لم تكن أول محنة تُحشر فيها هذه المؤسسة بما يخالف احترافيتها واحترامها لنفسها في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ولن تكون هذه آخر محنة تتورط فيها على الأغلب.

لا نتحدث هنا عن التزامات قومية أو وطنية أو حتى أخلاقية نحو الشعب الفلسطيني والقانون الدولي، وهي واجبة بلا أدنى شك، ولكننا نتحدث عن الحرفة الدبلوماسية من حيث هي عمل له قواعد ومرجعيات، وله مناهج في صنع القرار، وفي طريقة إخراجه ومتابعته وإعلانه.

نقول إن ترحيب مصر بصفتها العضو العربي في مجلس الأمن بتبني مشروع قرار إدانة الاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، والمطالبة بوقفه، وتقديم المشروع للتصويت في مجلس الأمن، كان بطبيعة الحال قرارًا سياسيًا اتُّخذ في القاهرة على أعلى المستويات، وبعد إجراء كل الحسابات اللازمة، أو إن هذا ما كان يجب أن يحدث، فكيف يكون الرفض الإسرائيلي، وضغط الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب تطورين مفاجئين، يجعلاننا نتراجع فور أول اتصال هاتفي من اﻷخير؟ ألم نكن نتوقع شيئًا من ذلك؟ بمعنى، هل كنا نتوقع أن ترحب إسرائيل بالقرار؟ وهل كنا نتوقع أن يمتنع ترامب عن التدخل مراعاة للتقاليد السياسية الأمريكية، ونحن نعلم أنه من الأصل لا يعبأ بها؟

فإذا قيل – كما حدث فعلًا – إن لنا مصالح مهمة مع إسرائيل وأمريكا، خاصة في مكافحة الإرهاب في سيناء، يكون السؤال: ألم تكن هذه المصالح معروفة لصانع القرار الذي وافق على تبني مشروع القرار المقدَّم إلى مجلس الأمن، ثم اكتشفها فجأة؟

مرة ثانية أنبَّه إلى أنني أتحدث عن الاحترافية وطريقة صنع القرار، ولا أتحدث عن أي التزام قومي أو وطني قد نعود إليه فيما بعد، كما لا أتحدث الآن عن تقويم هذه المصالح المشتركة في مكافحة الإرهاب، وهو ما سنعود إليه لاحقًا.

قلنا قبل لحظات إن هذه المحنة لم تكن أول محنة تورطت فيها الدبلوماسية المصرية في الأعوام الثلاثة الأخيرة، فقد سبقتها ثلاث مآس كبرى، ولا نتحدث عن التصويت مع إسرائيل في محفل دولي آخر، وإنما عن محنة الفشل المدوي في استصدار قرار من مجلس الأمن يخوّل لمصر حق شن غارات جوية على معسكرات داعش في ليبيا، ومحنة التخلي عن مطالبة إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي في المؤتمر الأخير لمراجعة حالة هذا الانتشار في العالم، والذي يعقد كل خمس سنوات.

في المرة الأولى، أي في حالة الغارات الجوية على معسكرات داعش في ليبيا، يجب أن نفرَّق بين العمل العسكري الذي كان لا بد منه للثأر لشهدائنا الذين قتلهم إرهابيو داعش، ولردع هؤلاء الإرهابيين، وهو ما حدث ورحب به المصريون جميعًا، وبين إيفاد وزير الخارجية على وجه السرعة إلى نيويورك لاستصدار قرار من مجلس الأمن بتأييد هذه الغارة، والموافقة على الغارات المقبلة.

في هذه النقطة الأخيرة تتجلى المأساة التي دفعت إليها الدبلوماسية المصرية بالمخالفة للتقاليد الاحترافية في العمل الدولي، إذ لا تستطيع حتى الدول الكبرى أن تدعو مجلس الأمن لعقد جلسة عاجلة، وإصدار قرار بمثل هذا المضمون دون تمهيد ومشاورات مع الأطراف المهمة في نظام الأمم المتحدة، والأطراف المؤثرة المعنية بالموضوع، ونحن أجبرنا وزير الخارجية – الذي لم يستطع مضطرًا على ما يبدو أن يطلب مهلة – على السفر فورًا دون أي اتصال، لا مع الدول الكبرى أو الصغرى في مجلس الأمن، ولا مع الدول المهمة في حوض المتوسط المعنية بالأزمة الليبية مثل إيطاليا وفرنسا، ولا مع الدول المجاورة لليبيا مثل تونس والجزائر، فكانت النتيجة أن الجميع لم يقبلوا أن يوضعوا أمام الأمر الواقع، ورُفض الطلب المصري من اللحظة الأولى، وعاد وزير الخارجية غير قادر بالرغم منه على حفظ الحد الأدنى من ماء وجه الدبلوماسية المصرية.

في المرة الثانية، وبقرار لم يعلن، ولم يعلم به المصريون إلا بعد انفضاض المؤتمر، تخلينا عن أحد أهم مكاسب الدبلوماسية المصرية في السنوات الأخيرة، وهو عقد مؤتمر دولي كل خمس سنوات لمراجعة وتقويم حالة الانتشار النووي في العالم. وكانت مصر قد قادت حملة عالمية للحيلولة دون مد معاهدة حظر الانتشار النووي إلى مالا نهاية، بعد أن كانت تسري لمدة محدودة هي 25 عامًا، يكون فيها لأي من الدول الموقعة عليها حق الانسحاب منها، أو البقاء فيها لمدة 25 عامًا أخرى، وكانت مصر تطالب بانضمام إسرائيل إلى هذه المعاهدة قبل أن يتقرر مدُّ العمل بها إلى ما لا نهاية، ما يؤدي إلى أن يسقط إلى الأبد حق أي دولة موقعة في الانسحاب. وبسبب الحملة المصرية التي انضمت إليها كل الدول العربية والإسلامية، قدمت الدول الكبرى الراعية لمبدأ المد اللانهائي تنازلًا أو حلًا وسطًا، يتمثل في عقد مؤتمر للمراجعة والتقويم كل خمس سنوات، بحيث تتمكن مصر وكل جيران إسرائيل من تقديم مشروع قرار يوافق عليه المؤتمر بمطالبة هذه الدولة بالانضمام، ولكن مصر تخلت عن هذا الطلب في المؤتمر الأخير المنعقد في صيف العام الماضي. وابتهجت إسرائيل بالطبع، واعتبرت ذلك نصرًا دبلوماسيًا هائلا لحكومة بنيامين نتنياهو، وخسرت مصر ثمرة جهود دبلوماسيتها لمدة ستين عامًا لإلزام إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي ،أو على الأقل إبقاء ملف التسلح النووي الإسرائيلي مفتوحًا لتدخل المنظمات الدولية من الناحية القانونية الإجرائية البحتة، وهذه هي الناحية التي تدخل في صلب الحرفة الدبلوماسية.

المحنة الثالثة كانت بالطبع محنة التصويت مع القرارين المتضادين، الروسي والفرنسي، حول الأزمة السورية، وهي محنة لا تزال حية في الأذهان بسبب ما ترتب عليها من أزمة مستمرة في التصاعد بين مصر والمملكة العربية السعودية.

كل ما سبق يتركز – كما قلنا – حول الطابع المهني أو الاحترافي للدبلوماسية المصرية، إذ كيف يمكن لهذه الدبلوماسية أن تتوقع استمرار قابلية المجموعات الدولية المختلفة، وفي مقدمتها بالطبع المجموعة العربية والمجموعة الأفريقية والمجموعة الإسلامية، للتعاون معها، فضلًا عن تسليمها مقعد القيادة كما جرت العادة من قبل؟ الأدهى من ذلك أن الوفود المصرية لا تكلف نفسها التشاور مع شركائها في المحافل الدولية، ومحاولة إقناعهم بالتراجعات الفجائية في مواقفها، وربما كان الأصح أن نقول إن هذه الوفود لا تجد وقتًا لمثل هذه المحاولة، ولا تجد حجة تستطيع إقناع هؤلاء الشركاء بها، وهذه محنة أخرى في حد ذاتها.

***

ننتقل الآن إلى الجانب الموضوعي لهذه الظاهرة المحزنة:

يقال إن مصالحنا تحتم علينا أحيانًا إرضاء خصم، أو تنازل لحليف متوقع، خاصة في هذه الظروف الصعبة على مصر داخليًا وإقليميًا، فما هي هذه المصالح، وهل تضمن هذه التنازلات فعلًا تحقيقها؟

أول المصالح المفترضة، هي التعاون في مكافحة الإرهاب في سيناء، والحقيقة أن هذه مصلحة مشتركة بين مصر وإسرائيل التي هي الجار الأجنبي المباشر لسيناء، ومن ثم فإن مجرد مكافحة الإرهاب هي مكسب لإسرائيل مثلما أنها مكسب لمصر، لا ينبغي أن يتقاضى الإسرائيليون ثمنًا إضافيًا عليه، خاصة إذا تعارض هذا الثمن مع أضرار أخرى تلحق بمكانة مصر، وأمنها القومي على المدى الطويل، كما في حالة الانتشار النووي مثلًا.

كما أن مكافحة الإرهاب هي أيضًا مكسب مباشر للولايات المتحدة مثلما أنها مكسب للعالم كله، ومن حقنا أن نتوقع المساندة من أية إدارة في واشنطن، بوصف مصر إحدى الجبهات الساخنة المتقدمة في الحرب ضد الإرهاب، الذي كانت الولايات المتحدة، ولا تزال، هدفًا له، مثلما كانت إسرائيل، ولا تزال، هدفًا له.

وبفرض أننا نرى مصلحة في تقديم هذه الأثمان الإضافية، فما هي هذه المصلحة؟

هم في إسرائيل يعلنون كل شئ لمواطنيهم، وكذلك في الولايات المتحدة، فلماذا لا نعلن نحن أيضًا؟ بمعنى، ما هو المقابل الذي حصلنا عليه لهذه الأثمان الإضافية؟

هل تذكرون وعد الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون للرئيس الراحل أنور السادات بضم إسرائيل لمعاهدة حظر الانتشار النووي، إذا انضمت إليها مصر، وأقنعت الدول العربية بالانضمام إليها؟

كانت مصر قد وقعت بالأحرف الأولى على المعاهدة، إثباتًا لحسن النية، وأرجأت التصديق النهائي حتى انضمام إسرائيل، وفور أن صدقت مصر أعلنت إسرائيل أنها لن تنضم أبدًا إلى هذه المعاهدة، وذهب تعهد نيكسون للسادات مع الريح، وجرى ما سردناه آنفًا في التحرك لمد العمل إلى ما لا نهاية بالمعاهدة، ثم التخلي حتى عن الحق الإجرائي للمجتمع الدولي في مطالبة إسرائيل بالانضمام.

ولم يكن تعهد نيكسون هو أول وآخر تعهد شفوي تقدمه الولايات المتحدة للأطراف العربية، ثم لا تلتزم به، وكذلك إسرائيل، لكن السؤال الأهم الآن هو، هل تخلى الإسرائيليون، ومناصروهم الأمريكيون، عن مشروع تبادل الأراضي مع مصر، أو إيجاد حل في سيناء للقضية الفلسطينية؟

إن هذا المشروع هو بالدرجة الأولى مشروع اليمين الإسرائيلي الذي يمثله بنيامين نتنياهو وحليفاه الرئيسيان أفيجدور ليبرمان ونفتالي بينت، وهو أيضًا مشروع اليمين الأمريكي الجمهوري الذي يمثله صديقنا الجديد دونالد ترامب، وفريقه الأشد تطرفًا في تأييده لإسرائيل من فريق جورج بوش الابن.

وكان بوش الابن قد تبنى هذا المشروع وحاول إقناع الرئيس السابق حسني مبارك به، وأدى رفض مبارك، ضمن أسباب أخرى، إلى خلافات حادة مع بوش. ولكن إدارة أوباما، التي أصبحت في نظرنا الشيطان الأكبر لأنها أيدت التحول الديمقراطي كمطلب لثورات الربيع العربي، تخلت عن هذا المشروع، وأرادت إحياء حل الدولتين، بحيث تقام الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة في غزة والضفة، لا على غزة مع ضم مناطق من سيناء إليها. وكان امتناعها (الذي هو في حقيقة الأمر تأييد) عن استخدام الفيتو لإسقاط قرار مجلس الأمن، الذي يحرّم ويجرّم الاستيطان ويطالب بوقفه في تلك الأراضي الفلسطينية، خطوة ضخمة لدعم حل الدولتين – دون حاجة إلى تبادل أراض بين مصر وإسرائيل. أي أن هذا القرار في مصلحة مصر بنفس القدر الذي يحفظ به حقوق ومصلحة الشعب الفلسطيني، لأنه يبعد سيناء عن مخططات اليمين الإسرائيلي، واليمين الجمهوري الأمريكي.

فكيف لنا أن نفهم ما جرى؟ وكيف تكون لنا مصالح –لا نعرفها – في هذا الذي جرى؟!

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد