Define your generation here. Generation What
«الحضانة والرؤية».. لماذا لا يثق المشرعون في المُطلقة بعد زواجها؟
 
 

جدل واسع حول النصوص القانونية المنظمة لحق رؤية وحضانة الأطفال بين المطلقين والمطلقات، انتشر كالنار في الهشيم بعدما تقدمت نائبة برلمانية مؤخرًا بمشروع تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، اعتبره الكثيرون خطوة للوراء على طريق حقوق المرأة.

اقترح مشروع التعديل الذي تقدمت به النائبة سهير الحادي، ووافق عليه 60 عضوًا بمجلس النواب، تغيير سلسلة المتمتعين بحق حضانة الأطفال. في قانون الحضانة الحالي تتمتع الأم بحق حضانة الأطفال، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الخالات والعمات، ثم الأب، كما يسقط حق الحضانة عن الأم إذا قررت الزواج مرة أخرى، ويتم اتباع نفس السلسلة السابقة. يقترح المشروع تعديل هذه السلسلة بإعطاء الأب حق حضانة الأطفال مباشرة في حالة زواج الأم مرة أخرى، وهو ما اعتبرته الكثير من المنظمات النسوية عقابًا للأمهات وتهديد لمصلحة الأطفال.

تقول بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يوليو، إن حالات الطلاق ارتفعت بنسبة 10.8% في 2015، حيث زادت حالات الطلاق من 180 ألف حالة في 2014 إلى 200 ألف في 2015.

كانت دراسة ميدانية أجرتها جمعية نهوض وتنمية المرأة في يوليو 2013 على 10 آلاف مطلقة ومطلق قد كشفت عن عدة مؤشرات هامة فيما يخص قضايا الطلاق والحضانة، حيث قال 90% من النساء اللواتي شملتهن الدراسة أنهن اخترن عدم الزواج مرة حتى لا يخسرن حق الحضانة.

كما شملت التعديلات المقترحة إعطاء الآباء حقوقًا أكثر من المنصوص عليه في القانون الحالي، خاصة فيما له علاقة بقواعد الرؤية والاستضافة، حيث يعطي القانون الحالي للأب الحق في رؤية أطفاله لمدة ثلاثة ساعات أسبوعيًا، بينما اقترح التعديل الأخير قضاء الأطفال عطلة نهاية الأسبوع بالإضافة إلى جزء من عطلات منتصف ونهاية العام مع الأب. ولا يذكر التعديل كيف يمكن للأم الحاضنة رؤية أطفالها في هذه الفترة، كما لا يذكر أي ضمانات ملزمة للأب بإعادة أبنائه بعد انتهاء الفترة القانونية المقررة.

قوانين «أبوية»

ترى مديرة مركز القاهرة للتنمية والقانون، انتصار السعيد، أن مصلحة الأطفال يجب أن تكون المعيار الحاكم والأوحد في أي قوانين لتنظيم الحضانة، وهو ما يعني ضرورة إعطاء سلطة تقديرية أوسع للقضاة حينما ينشأ نزاعًا حول الحضانة بين الأبوين، إلا أن القانون الحالي والتعديلات المقترحة تجور على مصلحة الأبناء والأبوين بشكل كبير، مضيفة: «سقوط حق الحضانة حينما تتزوج الأم هو تمييز واضح ضد النساء ومخالف للدستور الذي يضمن المساواة الكاملة بين النساء والرجال. قواعد الرؤية والاستضافة أيضًا تميز بشكل كبير ضد الرجال».

ويتم استخدام القانون كوسيلة للانتقام بين الأبوين، بالنسبة لسعيد: «الآباء يستغلون الثغرات القانونية للمماطلة في دفع نفقات الأبناء والأمهات في المقابل يستخدمون قواعد الرؤية بشكل يجعل الأمر أصعب أمام الآباء لكي يرون أبنائهم».

تقول السعيد إنه من المهم أثناء تنظيم قواعد الرؤية أن يعطي القانون الحق للقاضي ليقرر كيفية تنظيم العملية بشكل يضمن مصلحة الطفل أولًا، وحق الطرف غير الحاصل على حق الحضانة برؤية الأطفال بشكل عادل، اعتمادًا على الظروف المختلفة في كل حالة.

وترى السعيد أنه من المهم أيضًا أن ينص القانون على حماية الأبناء من الآباء المتورطين في قضايا عنف واستغلال جنسي وتعاطي المخدرات أثناء تنظيم عملية الاستضافة والرؤية.

كانت دراسة جمعية نهوض وتنمية المرأة قد أشارت إلى أن 25% من العينة التي شملتها الدراسة أفادت أن تورط الآباء في الاستغلال الجنسي للأبناء كان سببًا رئيسيًا في الطلاق.

وعلى الرغم من تمتع الأمهات بحق الحضانة حتى بلوغ المحضون سن الخامسة عشر، إلا أن نقاطًا أخرى في القانون تراها المنظمات النسوية أكثر تمييزًا ضد النساء.

من بين هذه المشاكل مشكلة «خطف» الآباء لأبنائهم وسفرهم للخارج أثناء وجود الأطفال في حضانة أمهاتهم، وهي شكوى شائعة بين الأمهات، حيث أشارت الدراسة إلى أن 9% من النساء اللاتي شملتهن الدراسة قلن إن أزواجهن السابقين اختطفوا الأبناء.

وتجرم المادة 292 من قانون العقوبات اختطاف أحد الوالدين للأبناء أو عدم تسليم الأبناء للطرف الحاضن في الوقت المحدد، حيث تعاقب المادة بالحبس مدة لا تتجاوز سنة أو غرامة قدرها 500 جنيه ضد «أي من الوالدين أو الجدين لم يسلم ولده الصغير أو ولد ولده إلى من له الحق في طلبه بناء على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظه. وكذلك أي الوالدين أو الجدين خطفه بنفسه أو بواسطة غيره ممن لهم بمقتضى قرار من جهة القضاء حق حضانته أو حفظه ولو كان ذلك بغير تحايل أو إكراه». وتقول دراسة أخرى لجمعية نهوض وتنمية المرأة أن العقوبات غير رادعة وهزيلة، ولا يتم تطبيقها بجدية في الكثير من الأحيان.

وتشدد السعيد على ضرورة وضع الأطفال على قائمة المنع من السفر حتى يصلوا سن الخامسة عشر، مع إعطاء كل من الوالدين الحق في تقرير سفر الأطفال معًا، حتى لا نواجه مشكلة سفر أحد الوالدين بالأبناء دون معرفة أو موافقة الطرف الآخر.

مي عامر، أم مطلقة لطفل في الثالثة من عمره، أخذه والده بدون علمها تمهيدًا للسفر خارج البلاد، واستطاعت عبر مفاوضات شخصية بينها وبين طليقها، وليس بالقانون، استعادة طفلها «ضي»، حسبما قالت في حوار مع «مدى مصر».

وأضافت: «ابني والده خطفه، لما حاولت أعمل محضر بكدة الظابط قاللي إن مفيش أب بيخطف ابنه، وقاللي إني لو عايزة أمنعه من السفر لازم أتهم طليقي بإنه سرق فلوسي أو دهبي».

وتقول مي إنها بعد رفضها الانصياع لاقتراح ضابط الشرطة، اضطرت لتحرير محضر اختفاء ابنها وطليقها في النهاية، حتى تستطيع العثور عليهم. ومن خلال مشاورات عائلية استطاعت أن تحصل على طفلها مرة أخرى، على أن يأتي والده لرؤيته في أي وقت بالمنزل.

إلا أن التعديلات المقترحة على قانون الحضانة فيما يخص الرؤية والاستضافة تمثل رعبًا لمي: «حينما يتم صياغة قانون، لابد من معالجة المشاكل الشائعة في المجتمع. زوجي السابق أخذ مني طفلي في السابق، ورأيت حالات كثيرة مشابهة، هل نريد أن نرى مزيد من هذه الحالات أم نريد منع تكرارها؟».

وتعتبر مشكلة حق الولاية التعليمية هي الأخرى من المشاكل التي لا يعالجها القانون الحالي، الذي يعطي الأب فقط حق الولاية التعليمية على أبنائه، حتى وإن كانوا في حضانة والدتهم، وبغض النظر عن مدى التزامه بدفع نفقتهم. كانت دراسة جمعية نهوض وتنمية المرأة قد أوضحت أن 90% من الحالات التي شملتها الدراسة أشارت إلى صعوبات في دفع النفقة الخاصة بالأبناء من قبل الآباء.

في هذا السياق تقول مي: «التزم طليقي بدفع ألف جنيه شهريًا كنفقة للطفل، هل تعتقدين أن هذا مبلغ كافي لتغطية نفقاته؟ ماذا عن تعليمه؟ أنا سأنفق على تعليم طفلي، أنا من سيتقدم لطلب الحصول على قرض حتى أستطيع إلحاقه بمدرسة جيدة، ولكن والده يستطيع أن يتدخل وينهي كل ذلك لأنه يملك حق الولاية التعليمية».

وتضيف: «قوانين الحضانة في مصر أبوية للغاية، تتم معاقبة النساء لاتخاذهن قرار الطلاق، ويُنظر للأبناء على أنهم ملكية خاصة للآباء، فلسفة هذه القوانين أبعد ما تكون عن رعاية المصلحة الفُضلى للأطفال».

الشريعة الإسلامية

يستمد القانون المصري للأحوال الشخصية مبادئه من الشريعة الإسلامية، وكان المرجع الأول لكل التشريعات في المنطقة العربية نظرًا لكونه القانون الأول من نوعه في المنطقة.

تقول أميرة سنبل، أستاذة النوع الاجتماعي والشريعة الإسلامية بجامعة جورج تاون، في ورقة بحثية عن أصول قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة أن قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي والإسلامي، وعلى رأسها القانون المصري، لا تعبر في الحقيقة عن الشريعة الإسلامية، مضيفة إن قوانين الأحوال الشخصية الحالية هي «نتاج الدولة الحديثة، ففي حين يمكننا العثور على القواعد في التفاسير الفقهية التي تعود للقرون الوسطى، إلا أن القوانين الفعلية التي تواجه المسلمين فهي مزيج (تلفيق) من القواعد الفقهية، والأعراف، والفلسفة التي سادت في القرن التاسع عشر فيما يخص العلاقات بين الجنسين. هذه القوانين وما تتضمنه من نهج بالنوع الاجتماعي إنما تعكس القيم الفيكتورية»، نسبة للعصر الفيكتوري في بريطانيا تحت حكم الملكة فيكتوريا في القرن التاسع عشر، وهي النظرة التي تخلصت منها النساء الأوروبيات بعدها.

وقبل سن هذه القوانين، تقول سنبل، إن الأحوال الشخصية كانت تُنظر في المحاكم الشرعية، التي تمتع فيها القضاة الشرعيون بحرية أكبر وسلطات تقديرية أوسع في تقرير شؤون الزواج والطلاق والحضانة، فكان من حق النساء على سبيل المثال الحصول على الطلاق دون إبداء أسباب، مما جعل نظام التقاضي وقتها مرتبطًا ارتباطًا عضويًا بالمجتمع واحتياجاته، بدلًا من فرض رؤى معينة للدولة وصانعي القرار على حياة المتقاضين، على حد قولها.

وتتفق الناشطة والباحثة في النسوية الإسلامية، فاطمة إمام، مع طرح سنبل، مضيفة أن فكرة ربط القوانين الحالية بالشريعة تم استخدامها لإسكات النساء عن المطالبة بحقوقهن، مضيفة أن الشريعة الإسلامية نفسها كانت أكثر مرونة في تحديد شؤون الأحوال الشخصية، ولم تتطرق إلى مستوى التفصيل والتعقيد الموجود في القانون حاليًا وخاصة فيما يخص قضايا الحضانة.

وترى إمام أن القانون الحالي هو خليط من فهم انتقائي ومتشدد لمبادئ الشريعة الإسلامية، بالإضافة لنصوص قوانين استعمارية تخدم فلسفة الدولة وفهمها للدور الاجتماعي للنساء في المجتمع، مضيفة: «أنظري للتعديلات المقترحة، هي تعديلات ترى في المرأة أمًا وزوجة فقط، فإذا تخلت المرأة عن دورها كزوجة، يجب أن تبقى أمًا للأبد، وتتم معاقبتها إذا ما حاولت الزواج مرة أخرى».

وعلى الرغم من النقاش الذي أثاره مشروع التعديلات المقترح من نائبة البرلمان، والذي من الممكن أن يفتح الباب واسعًا أمام تعديلات أكثر تقدمية فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية، إلا أن إمام تتشكك في قدرة المنظمات النسوية، وهي التي قادت الضغط من أجل تغيير هذه القوانين طوال السنوات الماضية، على الاستمرار في لعب هذا الدور.

وتضيف إمام أن المنظمات النسوية حاليًا في أضعف حالاتها، ولا تقدر على قيادة حراك مجتمعي حقيقي ضد هذه القوانين، مشيرة إلى الهجمة التي تعرضت اثنتين من كبرى المنظمات النسوية العاملة في هذا المجال، نظرة للدراسات النسوية ومؤسسة قضايا المرأة المصرية، حيث تواجه المنظمتان تجميدًا لأرصدتهما وتهمًا بتلقي تمويل أجنبي بالخلاف للقانون كجزء من القضية 173 ضد منظمات حقوق الإنسان.

تقول إمام: «أنظري إلى مؤسسة قضايا المرأة المصرية التي عملت لسنوات من أجل قانون أكثر عدلًا للأحوال الشخصية، إنها الآن تصارع من أجل البقاء».

نحو قوانين «أكثر عدلًا»

«قانون الأحوال الشخصية المصري قديم للغاية، وتم تعديله عدة مرات تعديلات بطريقة صورية لم تتطرق أبدًا لمشكلاته الحقيقية»، بحسب السعيد، التي أضافت: «تم إصدار القانون عام 1929، ومن حينها شهد تعديلات شكلية للغاية، لم تمس على الإطلاق التمييز الممنهج ضد حقوق النساء»، مشيرة إلى تجارب دول عربية وإسلامية أخرى مثل المغرب وتونس اعتبرتها «أكثر تقدمية».

ينص باب الحضانة في قانون الأحوال الشخصية التونسي على أن حق الحضانة يسقط عن الأم في حال زواجها مرة أخرى، إلا أن القانون يعطي القاضي صلاحيات تقديرية لإعادة حق الحضانة للأم في حالة تحقق المصلحة الفُضلى للطفل. كما يضمن القانون التونسي الحق للأم في «صلاحيات الولاية فيما يتعلق بسفر المحضون ودراسته والتصرف في حساباته المالية»، كما يمنع القانون الأب من إخراج الولد من بلد أمه إلا برضاها ما دامت حضانتها قائمة وما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك.

وكان تعديل جرى على القانون التونسي في 2015 قد سمح للأمهات المتمتعات بحق الحضانة في السفر بأبنائهن دون إذن الوالد، وهو التعديل الذي أيدته منظمة هيومان رايتس ووتش، واصفة قانون الأحوال الشخصية التونسي بـ«الأكثر تقدمية» في المنطقة، إلا أن المنظمة لاحظت وجود بعض المواد التي ما زالت تحمل «تمييزًا».

وكانت المغرب قد أصدرت تعديلات مشابهة على «مدونة الأسرة» الخاصة بها في عام 2004، حيث أتاحت للأم التي تتزوج مرة أخرى حق حضانة الأطفال حتى يصلوا لسن السابعة، بعدها يحق للقاضي تمديد حضانة الأم لطفلها إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك أو إذا كان بالطفل عاهة أو مرض تجعل حضانته مستعصية لغير أمه، كما أعطى القانون سلطة تقديرية للقاضي في تقدير أحقية أحد الوالدين بالحضانة في حال نشوب نزاع بينهما حول الحضانة بما يحقق المصلحة الفُضلى للمحضون.

كان مقترح للأحوال الشخصية عملت عليه مؤسسة قضايا المرأة المصرية لمدة عشر سنوات، حصلت «مدى مصر» على نسخة منه، قد قدم الكثير من المقترحات التي تدعم حقوق النساء والأطفال فيما يخص الحضانة، بالتوازن مع حق الآباء أيضًا.

ويغير مقترح «قضايا المرأة» ترتيب من لهم الأحقية في الحضانة، حيث تبدأ بالأم، ثم أم الأم، ثم أم الأب، ثم الأب، ثم الخالات والعمات، كما ينص المقترح على عدم سقوط حق الأم في الحضانة في حال زواجها مرة أخرى.

كما يضمن المقترح حق الأم غير المسلمة، حال كون والد ابنها مسلمًا، في حضانة أبنائها حتى سن الخامسة، بالمساواة مع الأم المسلمة، خلافًا للقانون الحالي الذي يسقط حق الحضانة للأم غير المسلمة بعد بلوغ المحضون خمسة أعوام. وفيما يخص حق الرؤية والاستضافة، ينص المقترح على حق الأب في اصطحاب الطفل «لقضاء فترة من العطلات الدراسية الأسبوعية والسنوية لديه،  وذلك بعد سماع رأي الصغير ومطالعة تقرير الأخصائي الاجتماعي وتقدير مصلحة الطفل الفضلى، وشريطة أن يكون ذلك الطرف موفي بجميع التزاماته القانونية تجاه الطفل على أن يلتزم ذلك الطرف بإعادة الصغير عند انتهاء المدة المقضي بها وإلا فقد هذا الحق مستقبلًا».

وفيما يخص سفر الأبناء، ينص المقترح على ضرورة وضع المحضون على قائمة المنع من السفر، «ولا يكون سفره إلا بموافقة كتابية من والديه مجتمعين».

اعلان
 
 
مي شمس الدين