Define your generation here. Generation What
قضية الرشوة بمجلس الدولة ومعركة «الهيئات القضائية».. لغز التوقيت
 
 

في نفس اليوم الذي كان يجتمع فيه ممثلو إدارات أندية الجهات والهيئات القضائية، الثلاثاء الماضي، بنادي القضاة لبحث سبل التصدي لمشروع قانون يضع حق اختيار رؤساء هذه الجهات والهيئات في يد رئيس الجمهورية وحده بدلًا من قاعدة الأقدمية المعمول بها حاليًا، كان الرأي العام المصري مشغولًا بمتابعة صور ومقاطع فيديو لحقائب مملوءة بملايين الجنيهات والدولارات واليورهات وغيرها من العملات الأجنبية والمشغولات الذهبية، المضبوطة بمنزل أحد موظفي مجلس الدولة.

كانت الرقابة الإدارية قد أعلنت القبض على مسؤول مشتريات بإحدى الجهات القضائية، عقب تقاضيه رشوة. وقالت إنها ضبطت 24 مليون جنيه مصري، و4 ملايين دولار أمريكي، و2 مليون يورو، ومليون ريال سعودي، بالإضافة إلى مشغولات ذهبية، في منزله.

وأعلن نادي قضاة مجلس الدولة في بيان، يوم الثلاثاء الماضي أيضًا، رفضه لمشروع القانون الذي وصفه بـ«المشبوه»، وأنه يتضمن «مخالفات  جسيمة وبالغة الخطورة لأحكام الدستور»، ويمثل «هجومًا بالغ الخطورة» على استقلال القضاء «يتجاوز في خطورته هجوم جماعة الإخوان».

في اليوم التالي، كان مجلس الدولة، مضطرًا لإصدار بيان ثان يوضح فيه علاقته بالمتهم بالرشوة، مؤكدًا على طبيعة عمله كموظف إداري بالمجلس، وليس عضوًا بالهيئة القضائية به، وأن المبالغ التي تم ضبطها معه  تخصه ويقع عليه عبء إثبات مصدرها.

حرص بيان المجلس على تأكيد طبيعة عمل المتهم، وعدم علاقة أي من أعضاء هيئته القضائية بالقضية، جاء على خلفية ما أثير حول توقيت الكشف عن الواقعة في ظل حالة الغضب بين القضاة من مشروع القانون، الذي يراه البعض موجهًا بشكل أساسي إلى المجلس، الذي ينتظر في أول يوليو المقبل تصعيد -وفق قاعدة الأقدمية- المستشار يحيى الدكروري، رئيس محكمة القضاء الإداري، وصاحب الحكم الشهير بمصرية تيران وصنافير.

المعنى نفسه نجد له صدى في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الاستزراع السمكي بالإسماعيلية، الأربعاء الماضي، حيث طالب بعدم الربط بين الموظف المتهم بالرشوة والجهة التي ينتمي لها، قائلًا: «مش معنى إن في إساءة من حد في أي جهة إن الجهة دي يساء إليها. لازم نتعود من فضلكم لما نيجي نتحاسب مع أي حد خطأ في جهة مش معناه إن الجهة دي … مايصحش. مؤسسات الدولة محترمة وهيئاتها كلها محترمة جدًا جدًا».

يقول أحد أعضاء المجلس الخاص للشؤون المالية والإدارية لمجلس الدولة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر»، إن «علاقة الموظف المرتشي بالمجلس انتهت بإصدار رئيس المجلس للبيان الصحفي، وموقفنا من رفض قانون تعديل طريقة اختيار رؤساء الهيئات القضائية لم يتغير، ولكن القانون لم يعرض رسميًا على مجلس الدولة حتى الآن».

من جانبه، أكد مُقدم مشروع القانون، النائب أحمد حلمي الشريف، لـ«مدى مصر» إن اللجنة التشريعية بمجلس النواب أرسلت مشروع قانون إلى الهيئات القضائية يوم الإثنين الماضي، «وأمامهم ثمانية أيام من اليوم الأربعاء للرد عليه لتستطيع اللجنة مناقشة القانون».

رغم أن الهيئات والجهات القضائية انتهت في اجتماعها بنادي القضاة إلى «رفضها القاطع لمشروع القانون المقترح»، بحسب بيان للنادي، إلا أنه بعد ساعات من الكشف عن قضية الرشوة، أعلن مجلس القضاء الأعلى تبرؤه من نتائج الاجتماع، قائلًا إن «ما نشر منسوبًا إلى السيد رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى بشأن الاقتراح بتعديل المادة 44 من قانون السلطة القضائية والخاص باختيار رئيس محكمة النقض لا أساس له من الصحة، وأن هذا الاقتراح لم يعرض على المجلس وأن المجلس طبقًا للدستور والقانون هو صاحب الحق الوحيد في إبداء الرأي في مشروعات القوانين المتعلقة بشئون القضاء والنيابة العامة».

وبالمثل تبرأ نادي قضاة مجلس الدولة في بيان من نتائج اجتماع نادي القضاة، الذي شارك فيه كل من المستشار محمد حسن، رئيس الأمانة الفنية للمجلس الخاص، والمستشار محمد المنزلاوي، عضو الأمانة الفنية للمجلس الخاص، مؤكدًا أنه «لم توجه الدعوة لرئيس أو أحد أعضاء مجلس إدارة نادي قضاة مجلس الدولة لحضور هذا الاجتماع، وكل ما يصدر عنه من بيانات لا يمت لنادي قضاة مجلس الدولة بصلة».

صاحب شركة صرافة أم مرتشي؟

سبق بيان مجلس الدولة، حول المتهم بالرشوة، لقاء جمع رئيسه، المستشار محمد مسعود، وأقدم 6  مستشارين بالمجلس، مع وفد من هيئة الرقابة الإدارية.

«طالبونا بالملف الوظيفي للمتهم، وأكدوا لنا عدم تورط أي من الموظفين أو المستشارين في القضية»، يقول أحد نواب رئيس مجلس الدولة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن المتهم يدعى أحمد جمال الدين اللبان وتربطه علاقة قرابة بالمستشار جمال اللبان، رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق، في الفترة من عام 1994 حتى 1997.

وحسب ما أكده عدد من مستشاري المجلس والموظفين الإداريين به لـ«مدى مصر»، يُعرف عن اللبان تجارته في العملة، فكل مستشار أو موظف يريد عملات أجنبية كان يطلب منه، «كنت أعرف أنه صاحب شركة صرافة، وبعت له دولارات كثيرًا»، يقول نائب رئيس مجلس الدولة، مضيفًا: «كان يعمل بإحدى الصرافات حتى عام 1998، وبعدها امتلك هو وأشقاؤه شركة صرافة».

يعمل اللبان  في مجلس الدولة كمدير لإدارة المشتريات الخاصة بتوريد الأوراق والأحبار وأجهزة الحاسب الآلي، وتجهيز مقرات المحاكم التابعة لمجلس الدولة بالقاهرة والمحافظات. «دوره يقف عند التوريدات، و ليس له علاقة  بمقرات مجلس الدولة التي يتم إنشائها»، يوضح نائب رئيس مجلس الدولة،  قائلًا: «نقلت الصحف أن الرشوة مصدرها مناقصات إنشاء مقرات المجلس في المحافظات، وهو أمر عارٍ تمامًا من الصحة، لكون  تلك الأعمال مسندة للهيئة الهندسية للقوات المسلحة».

يقول نائب رئيس مجلس الدولة إن الرقابة الإدارية لم تكن تعلم بنشاط الموظف في تجارة العملة قبل أن ترصد تحركاته منذ 3 أشهر، بعد تلقيها شكاوى من زملائه تفيد حصوله على رشوة بمبلغ يقترب من 150 ألف جنيه، بعدها بدأت الهيئة بمراقبته والتسجيل له حتى داهمت شقته بمنطقة الضاهر ووجدت تلك الأموال، التي حدد ممثلو الرقابة الإدارية قيمتها في لقائهم مع مستشاري المجلس بـ152 مليون جنيه مصري.

أعلنت الأمانة العامة لمجلس الدولة إيقاف مدير المشتريات المتهم عن العمل لحين انتهاء التحقيقات، وتشكيل لجنة لمراجعة جميع التوريدات والمشتريات للمجلس خلال السنوات الخمس السابقة، ووضع حصر لملفات الشركات التي تتولى تنفيذ تعاقدات مجلس الدولة لإرسالها إلى نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبس المتهم 4 أيام على ذمة التحقيقات.

ووفقًا للمستشار أحمد عبد الرحمن، نائب رئيس محكمة النقض السابق، لن تقتصر تحقيقات نيابة أمن الدولة مع الموظف على جريمة الرشوة، وإنما ستبلغ جهاز الكسب غير المشروع ليحقق في مدى وجود شبهة كسب غير مشروع جنبًا إلى جنب مع التحقيق في قضية الرشوة،  لكون مدير المشتريات موظف عام، وخاضع لقانون الخدمة المدنية، وفي الحالتين ستبحث جهات التحقيق الملف الوظيفي للتهم وإقرارات الذمة المالية التي قدمها طوال سنوات عمله حتى تستطيع أن تحدد طبيعة تلك الأموال، وحتى يحدث ذلك تظل الأموال مودعة بخزينة محكمة الجنايات.

اعلان