Define your generation here. Generation What
ألغام في طريق الهدنة السورية
 
 

بعد أن حسمت قوات النظام السوري معركة حلب، وأعلن الجيش السوري، منذ أسبوع، استعادة السيطرة على المدينة، التي  كانت تحت سيطرة تحالف من المجموعات المعارضة المسلحة، منذ منتصف عام 2012، طفت سيناريوهات عدة على سطح المشهد السوري، كان بينها تكثيف النظام هجومه على مناطق سيطرة المعارضة القريبة من حلب، لحماية ظهره، وبينها أيضًا نجاح المباحثات بين تركيا وروسيا في التوصل لاتفاق، يفضي إلى هدنة بين الأطراف السورية، تبدو حتى الآن صامدة رغم الكثير من الألغام في طريقها.

المستبعدون من الاتفاق

بعد أن أنهى العالم ليلته، مساء الأربعاء الماضي، على خبر قصف السفارة الروسية في العاصمة دمشق، مرتين خلال اليوم، فيما اعتبرته موسكو «استفزازًا يهدف لإحباط التسوية السياسية في سوريا»، استيقظ الخميس على امتناع مكتب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا عن عقد مؤتمره الصحفي الأسبوعي الذي يعطي فيه تقريرًا عن تطور الأوضاع الميدانية والإنسانية، ليخرج الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بإعلان توصل الأطراف السورية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية روسية تركية.

وقع الاتفاق عدد من فصائل المعارضة المسلحة المنضوية تحت مظلة «الجيش الحر» مع الحكومة السورية، وبدأ سريانه صباح اليوم الجمعة. ومن بين تلك الفصائل جيش الإسلام، وجيش المجاهدين، وفيلق الشام، وجيش إدلب المشكل حديثًا.

رغم هشاشتها، تبدو الهدنة صامدة. في يومها الأول، وجهت كلٌ من الحكومة والمعارضة الاتهامات لبعضهما بخرق الهدنة، كان أحدثها اتهام المرصد السوري لحقوق الإنسان لطيران الجيش السوري بشن 16 غارة جوية في محافظة حماة. وجاء ذلك بعد هجوم شنته جماعات مسلحة على موقع للجيش السوري بريف حماة، تراجعت قوات الجيش على إثره قبل أن تعود للسيطرة عليه. وأفاد المرصد بوقوع بعض الإصابات، إلا أنه أكد عدم تسجيل وقوع أي قتلى منذ بدء سريان الهدنة.

كما تجددت الاشتباكات، المستمرة منذ أيام، بين قوات النظام ومسلحين من «جبهة النصرة» في منطقة وادي بردي، شمال غرب العاصمة دمشق، التي تقع تحت سيطرة المجموعات المسلحة. وأدت الاشتباكات المستمرة وحصار المنطقة إلى قطع المياه بشكل متكرر ولفترات طويلة عن العاصمة دمشق، بسبب قطع إمدادات المياه من نبع بردي ونبع عين الفيجة القريب منه، وهما مصدرا المياه الرئيسيين للعاصمة.

وأعلنت الحكومة السورية من جانبها، في وقت مبكر من صباح اليوم الجمعة، أن تنظيم «داعش» أوقف عمل محطات معالجة المياه على نهر الفرات، ما أدى لانقطاع المياه عن المدينة.

كان الجيش السوري قد أعلن في بيان مقتضب، الخميس، التوصل لاتفاق «لوقف إطلاق نار شامل» في كافة الأراضي السورية «بعد الانتصارات والنجاحات التي حققتها قواتنا المسلحة على أكثر من اتجاه»، مع استثناء تنظيمي الدولة الإسلامية «داعش» وجبهة فتح الشام [جبهة النصرة سابقاً] من الاتفاق، إذ تعتبرهما دمشق والأمم المتحدة تنظيمات إرهابية.

من جانبه، قال الجيش السوري الحر، الممثل لفصائل المعارضة، إن الاتفاق «لا يستثني أي منطقة أو فصيل ضمن مناطق المعارضة السورية»، كما أكد التزامه التام بوقف إطلاق النار، وببقية بنود الاتفاق، وأهمها انطلاق مفاوضات بين الأطراف السورية في العاصمة الكازاخية أستانا، برعاية روسيا وتركيا، خلال شهر من دخول الاتفاق حيز التنفيذ.

وأوضح الجيش الحر، على لسان المتحدث باسمه، أسامة أبو زيد، في مؤتمر صحفي من أنقرة، أن الاتفاق لا يشمل «وحدات حماية الشعب الكردية»، المتورطة في عداء مع الحكومة التركية التي تعتبر جميع التنظيمات الكردية «مجموعات إرهابية»، وكان استثنائها من الاتفاق شرطًا تركيًا أساسيًا.

ولم تعلن أي من الأطراف تضمين الاتفاق تفاصيل مرور المساعدات الإنسانية، والسماح للمنظمات الإنسانية بالحركة داخل سوريا.

هذا الاتفاق ليس الأول منذ بداية الأزمة السورية، وهو الثالث خلال العام الجاري، بعد أن فشلت هدنة مشابهة نتجت عن اتفاق أمريكي-روسي في فبراير، صمدت لعدة أسابيع قبل انهيارها نهاية مارس مع تجدد الاشتباكات والقصف، خاصةً في مدينتي حلب وإدلب الشماليتين، تبعتها أخرى هشة وقصيرة في عيد الأضحى.

ويظل مصير مدينة إدلب، برغم الاتفاق، ضبابي بعض الشيء، بسبب سيطرة مسلحي جبهة فتح الشام، على أجزاء واسعة منها. ففي حين اعتبر النظام السوري التنظيم، وهو فرع تنظيم القاعدة في سوريا، مستثنى من الاتفاق لكونه «تنظيمًا إرهابيًا»، كما جاء في بيان الجيش السوري وعلى لسان وزير الخارجية وليد المعلم، أعلن الجيش الحر أن المستثنى من وقف إطلاق النار هما تنظيمي و«داعش» ووحدات حماية الشعب الكردية، المسيطرة على عدة مدن في ريف حلب الشمالي، قرب الحدود مع تركيا.

المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات السورية، المنبثقة عن اجتماع للمعارضة السورية في السعودية بداية العام الجاري، والممثلة للمعارضة في مفاوضات جنيف، رياض نعسان أغا، قال لـ«مدى مصر» إن وضع «جبهة النصرة» في الاتفاق «محل نقاش مستمر»، وبالتالي وضع مدينة إدلب ومناطق النُصرة الأخرى. ودعا أغا الجبهة إلى حل نفسها، وأن ينضم مقاتلوها إلى التنظيمات الأخرى الأكثر اعتدالاً.

صراع التنظيمات

عدم اتفاق النظام والمعارضة على وضع «جبهة فتح الشام» ليس المهدد الوحيد لمدينة إدلب، التي تشهد منذ أكثر من عام اشتباكات متقطعة بين فصائل المعارضة المسلحة، وفي مقدمتها «جيش الفتح» و«أحرار الشام» من ناحية، وبين «جبهة فتح الشام» من ناحية أخرى، تصل إلى حد اغتيال القادة واحتجاز المقاتلين، في معركة داخلية لفرض السيطرة على المساحة الأكبر في سوريا التي تغيب عنها سيطرة النظام.

وينذر التاريخ القريب كذلك بإمكانيات اندلاع اشتباكات داخلية مشابهة لتلك التي وقعت بين الفصائل المعارضة في حلب، ومنها «جبهة فتح الشام» المتواجدة بأعداد غير كبيرة، حين هاجمت الفصائل التي رفضت الاتفاق الذي انتهى بإجلاء المدنيين والمقاتلين من شرق حلب، تلك التي قبلته، لاتهامها بخيانة الثورة والاستسلام لنظام الأسد.

غضب الفصائل المسلحة الرافضة لإخلاء حلب وصل إلى حد مهاجمة الحافلات المخصصة لنقل المدنيين من مدينتي الفوعا وكفريا العَلويتين، المواليتين للنظام، في إدلب، والمحاصرتين من قبل المعارضة، اللتان كانا يتم إخلائهما في مقابل إجلاء المدنيين من المناطق التي يحاصرها النظام في حلب بموجب الاتفاق.

بالإضافة لذلك، وبحسب شهادات نقلتها «نيويورك تايمز» عن المدنيين الذين تم إجلاؤهم، حاولت مجموعات من المعارضة منع مدنيين، بينهم جرحى ومرضى، من مغادرة بعض المواقع في حلب، وحاولت أخرى منعهم من دخول مناطق سيطرتها في إدلب، الأمر الذي عطّل تنفيذ الاتفاق لبضعة أيام، قبل أن يُستأنف ويُنفذ بالكامل مع نهاية يوم 25 ديسمبر.

سؤال آخر لا يمكن تجاهله، عن الخيارات المتاحة أمام مقاتلي «جبهة النصرة» [جبهة فتح الشام]، نظرًا إلى أن الحكومة تعتبرهم «إرهابيين»، وبالتالي مستثنون من وقف إطلاق النار. جغرافيًا يمكن لمقاتلي «النُصرة» التحرك فقط باتجاه تركيا، التي لم يعد باستطاعتها استقبالهم وهي أحد عرّابيّ وقف إطلاق النار. من جهة أخرى لن تسمح دمشق ببقاء مقاتلي التنظيم الذي تعتبره إرهابيًا داخل إدلب إلى الأبد.

وهنا يحذر نعسان آغا من أن «أي استهداف لقوات المعارضة داخل إدلب يعني موت اتفاق وقف إطلاق النار وانهيار الهدنة من جديد»، كما يلفت إلى أن عدد المقاتلين المنتمين إلى الفصائل المسلحة التي وقعت الاتفاق يفوق الـ70 ألف مقاتل.

النازحون

الوضع الإنساني في إدلب مرشح للانفجار في أي لحظة، مع استقبالها لعشرات الآلاف من المدنيين الذين تم إجلاؤهم من حلب، في موجة النزوح الأكبر بعد سنوات من توجه المدنيين الفارين من مركز مدينة حلب، وحمص، وريف دمشق، والرقة، التي شهدت اشتباكات عنيفة بين النظام والمعارضة، باستثناء الرقة التي يسيطر عليها «داعش» منذ عام 2014.

يقدر مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، عدد النازحين من حلب وحدها، منذ يوليو 2012، حين اندلعت المعارك بين النظام والمعارضة في المدينة التي كانت تعتبر عاصمة سوريا الاقتصادية، بأكثر من مليونين ونصف المليون؛ اختار عدد كبير منهم البقاء في إدلب، الملاصقة لحلب، بينما فر آخرون إلى تركيا عبر الحدود الواسعة في شمال حلب.

أعداد المدنيين الذين تم إجلاؤهم من حلب خلال الشهر الجاري، وتوجه القسم الأكبر منهم إلى إدلب مما قد يزيد الصورة عن الوضع الإنساني في المدينة وضوحًا، تتفاوت بين تقديرات المنظمات المختلفة المعنية بالأمر.

أكد عبد الرحمن لـ«مدى مصر» أن العدد توقف عند 27 ألف شخص، بينهم 7 آلاف مقاتل، مشككًا في الرقم الذي أعلنته الأمم المتحدة سابقًا، وهو 35 ألف شخص. بينما أكدت مديرة المكتب الإعلامي للجنة الدولية للصليب الأحمر في دمشق، إنجي صدقي، لـ«مدى مصر» أن العدد فاق الـ35 ألف شخص، بينهم مرضى وجرحى ومقاتلين.

توضح صدقي أن الكثير من النازحين والأشخاص، الذين تم إجلاؤهم يمكثون الآن في مراكز للإيواء، لم تكن مجهزة لاستقبال مثل ذلك العدد.

«أحد تلك المراكز هو مصنع قديم للقطن، قريب من منطقة جبرين. مجرد بناء من الخرسانة، غير مجهز بأي شيء. لا دورات مياه ولا أسرة ولا مرافق للمياه النظيفة أو الاستحمام أو التدفئة»، تقول صدقي، مشيرة إلى أن الكثير من عمل طواقم اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السوري يتركز على توفير المياه النظيفة والوجبات «مرة واحدة في اليوم على الأغلب» والاحتياجات الإنسانية لهؤلاء النازحين.

وتشرح صدقي أن منطقة جبرين، في الريف الغربي لحلب على الحدود مع إدلب، هي آخر نقطة يتمكن الصليب الأحمر من العمل فيها، وأنه والهلال الأحمر السوري لا تواجد لهم داخل إدلب، ولا أي من مناطق سيطرة المعارضة، وأنهم يتمكنون فقط من العمل في المناطق المتواجد فيها النظام. والعكس يحدث أيضًا مع المنظمات العاملة في مناطق سيطرة المعارضة، إذ لا تسمح لها الحكومة بالعمل في مناطقها.

بعض المنظمات، خاصة التي تُدار من خارج سوريا، تتحايل على ذلك الوضع باستخدام أسماء مختلفة في مناطق النظام عن تلك التي تستخدمها في مناطق المعارضة، حسب ما أوضح مازن كوارة، مدير عمليات شمال سوريا للمركز الطبي السوري الأمريكي، أحد أبرز العاملين في المجال الإنساني بإدلب، إلا أنه «غير مصرح له بالعمل في مناطق النظام»، قال كوارة.

قدر معهد دراسات الحرب، وهو مركز أبحاث أمريكي عدد المقاتلين داخل إدلب وحدها بـ50 ألف مقاتل، من مختلف الفصائل المتفاوتة في الأيديولوجيات ودرجات التشدد، ما يعني أن إدلب تحولت إلى مخزن للسلفيين في سوريا، تراكموا هناك على مدى سنوات كان يتم فيها إجبارهم على النزوح من مدنهم، في سياسة اعتبرها المعهد مقصودة لتجميع أكبر عدد من المقاتلين في مكان واحد، «تمهيدًا للقضاء عليهم».

بدأ إجبار المقاتلين المعارضين على النزوح إلى إدلب مع سلسلة من الهدن الضمنية، واتفاقات فردية لوقف إطلاق النار مع مجموعات مسلحة في عدة مدن، تتركز في معظمها جنوبي سوريا، في ريف دمشق وحماة والقنيطرة وحمص. وكانت وزارة الدفاع الروسية، التي يراقب مركزٌ تابع لها في سوريا تلك الاتفاقات، أعلنت منتصف ديسمبر وصول عدد القرى التي انضمت لاتفاقات الهدنة مع النظام إلى أكثر من ألف قرية. وعادةً ما كان يُسمح لكل مقاتل بحمل قطعة واحدة من السلاح مع خروجه من تلك المدن والقرى.

وفي بداية ديسمبر أصدر «مجلس قيادة حلب»، وهو تحالف لعدد من المجموعات المسلحة، بيانًا طالب فيه قوات الحكومة السورية بفتح معبر آمن للمدنيين والمصابين لينتقلوا إلى ريف حلب الشمالي وليس إلى إدلب، التي «لم تعد قادرة على احتواء المزيد من النازحين داخليًا».

حذر الكثير من مراقبي الوضع السوري من عواقب وخيمة في حال اندلاع معارك عنيفة بين جيش النظام ومسلحي «جبهة فتح الشام» في إدلب، ومن لجوء النظام للقيام بضربات جوية كما فعل في حلب، بسبب الكثافة السكانية الكبيرة في مركز المدينة، ووجود المقاتلين في أغلب الأحياء، وليس فقط في مساحات الريف الشاسعة.

تحدٍ آخر يواجه اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته الأطراف السورية، هو إعلان تنظيم «أحرار الشام»، أحد أبرز المجموعات المعارضة المسلحة، المسيطر على مساحات كبيرة في إدلب وريف حلب وريف حماة ودير الزور، عدم توقيعه الاتفاق لأنه «لديه تحفظات عليه»، قال إنه سينشرها فيما بعد.

جاء ذلك في تغريدة للمتحدث باسم التنظيم، أحمد قرة، على تويتر، نشرها بعد ساعات من تضمين وزارة الدفاع الروسية اسم حركة «أحرار الشام» بين المجموعات المعارضة التي وقعت الاتفاق مع النظام السوري. الأمر الذي قد يُنذر بتحركات مضرة بالاتفاق من قبل التنظيم.

من الضامن؟

لا زالت الهيئة العليا للمفاوضات السورية، التي قال الجيش الحر إنها ستمثل الفصائل المسلحة في مفاوضات أستانا الشهر المقبل، غير متأكدة من نجاح الاتفاق الجديد. إلا أنها رأت وجود تركيا كضامن أحد المؤشرات الإيجابية التي تميزه عن سابقه في بداية العام.

قال نعسان آغا إنه لا يسع المعارضة سوى الانتظار لترى «مدى التزام روسيا بالضمانات التي قدمتها. فهي من كانت دعت إلى اتفاقات سابقة وهي من خرقتها»، وعلى الرغم من ذلك رأى أن روسيا تبدي جدية في التوصل إلى حل بأكثر من السابق. وفي هذا السياق أكد أن الهيئة «واثقة تمامًا من أن المعارضة المسلحة لن تخرق الاتفاق».

من جانبه، أبدى وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، ارتياحًا متوقعًا لوجود موسكو كضامن للاتفاق، مشددًا في حوار تليفزيوني أعقب الإعلان عن الاتفاق، على أن دمشق «تثق بالضامن الروسي، لأنه كان شريكنا في مكافحة الإرهاب، وهذا الضامن أكد لنا أن كل خرق ستتم مواجهته»، ووصف المجموعات المسلحة التي لم توقع على الاتفاق بأنها «إرهابية».

وقال إن سوريا لا تثق مطلقًا بالدور التركي «ولا وثيقة من الوثائق التي تم التوقيع عليها فيها ذكر لتركيا».

اعلان
 
 
لبنى منيب