Define your generation here. Generation What

نجيب محفوظ.. الذي ظلمناه جميعًا

1988

كعادتي أجلس في مقدمة الفصل، قريبًا من السبورة لضعف بصري، وفي الجانب الأيسر منه كي لا يحجب المدرس بجسده ما يكتبه على السبورة.

في ذلك اليوم غاب عنَّا الأستاذ، لا أذكر المادة ولا أذكره، لكني أذكر من حلَّ محلَّه في ذلك اليوم، أستاذ لغة عربية درَّسني العام السابق ولم أفهم منه إلا القليل. عادتني على الفور ذكرى عدم الفهم وافتراض أنه مدرس غير جيِّد. تحلَّق القليل من الزملاء حوله، وهو بدا غير عابئ بالفوضى والصياح والواقفين حوله ولا حتى بالجالسين أمثالي يثرثرون مع جيرانهم. وفجأة سمعت أحدهم يسأله عن نجيب محفوظ، الذي أخذ جائزة نوبل منذ أيام. كنت قد سمعت بالخبر من خلال نشرة الأخبار، وحينها لم يكن ما يفعله الرجل غامضًا بالنسبة لي، كنتُ أعلم أنه روائي وأعلم ما الرواية، لكني لا أذكر من علَّمني.

وكأن الأستاذ كان ينتظر سؤالًا ليعيد النظام إلى الفصل، قال: «إذا كنت تريدون معرفة مَن محفوظ، فعليكم بالجلوس في أماكنكم». وبالفعل جلس المتحلِّقون حوله، وبعد ثوان جلس الباقون، وأنصتنا جميعًا.

خلاصة ما قاله، أن نجيب محفوظ كاتب مصري ملحد كافر بالله، كتب كتابًا كافرًا ملحدًا، وأورد في أول صفحة من الكتاب الجملة التالية: «لقد مات الله».

لم يخبرنا الأستاذ بالطبع باسم الكتاب خشية أن نقرأه فنُفتن، ولم يسأله أحد عن أي تفصيلة مما قال لفرط قسوته وما نقله لنا من هرطقة محفوظية جديرة بقطع رقبته. وربما لم يهتم الكثيرون بكل التفاصيل المزعجة التي رواها الأستاذ، لكن شيئًا ما استقر في عقلي وأبى أن يغادر، وخلال السنوات التالية كنت أسأل وأبحث عن جملة محفوظ «لقد مات الله» في كل مجلة أو جريدة تقع تحت يدي، ثم علمت أن الجملة وردت في رواية «أولاد حارتنا»، وقرأت كثيرًا عن الرواية دون أن أفلح في الحصول على نسخة منها.

1994

علمت بالخبر من راديو السيارة. أبي يوصلني من المدرسة إلى البيت على غير العادة، ويسمع الراديو باهتمام شديد؛ نجيب محفظ طُعن أثناء سيره في الشارع، لم يمت وهو يستقر في المستشفى. على الفور وردت على ذهني عشرات الصور للرجل بالبلوفر ذي الياقة المرتفعة والسترة الرمادية المحايدة والمشية البطيئة والظهر المنحني تحت وطأة شيء لا أعلمه. وعلى الفور تذكَّرت أني تكاسلت كثيرًا ولم أنهِ بعدُ روايات نجيب محفوظ كلها، كما قررتُ في أول العام، وهتف هاتف: إن لم أفعل ذلك قد يموت الرجل وسأكون أنا السبب.

لم أكن بحاجة إلى الكثير من الذكاء حتى أدرك أن الأستاذ الذي وصم محفوظ بالكفر له يد حتمًا في ما حدث اليوم، له أو لأحد أقرانه. الكفر يطير في الهواء ويطعن بنصل حاد. والرغبة في دخول الجنة وتطهير المجتمع الكافر وإرساء قواعد الإسلام ثلاثة دوافع من ضمن دوافع عديدة قد تحرِّك الطاعن وغيره، والحكاية كلها تبدأ من المدرسة حيث يخبرنا الرجل الذي نثق فيه، ويثق الأهل أيضًا، أن الرجل كافر لا محالة.

لكن المشكلة التي واجهتني عويصة؛ لم أتمكن حتى اليوم من العثور على «أولاد حارتنا» وبذلك قد لا أقرأها مطلقًا، أو قد أقرأ ما تلاها دون أن أمر بها وهو شيء لم أكن أريده مطلقًا. لسبب ما قرَّرت أن أقرأ نجيب محفوظ بترتيب صدور رواياته، والخطأ الجسيم أني أهملت قصصه فلم أقرأ أيًا منها في المرة الأولى، كما أن غياب «أولاد حارتنا» عن رفوف المكتبة الصغيرة كان حجر عثرة لا يمكن تفاديه.

1996

خبطتين في الراس توجع! في يوم واحد سمعت أحد أصدقائي وهو يمسك برواية «الطريق» ويقول: «محفوظ، هذا الكافرتقابلنا وتوقفنا أمام فرشة كتب في مصر الجديدة، أمسك بالكتاب من على الفرشة وببساطة وصم الرجل بالكفر. الرجل المطعون لم يتعافَ بعدُ بشكل كامل واتهامات الكفر لا تكف، حتى من شاب في مثل عمري، يشرب البيرة ويكتشف الحشيش ويسمع الهيفي ميتال.

تحرَّكنا معًا نحو وسط البلد، ومشينا كثيرًا قبل أن يودِّعني ويتركني في ميدان طلعت حرب، وهناك، وعند أحد فرشات الكتب أجد لأول مرة رواية «أولاد حارتنا» في قطع كبير غير معتاد. قال الرجل وهو يناولني إياها بابتسامة جميلة: «الكفر كلهفي تلك اللحظة أصبح الاتهام بالكفر أمرًا عاديًا عندي، الرجل كافر يا جماعة ولا داعي للتأكيد على الموضوع كلما ورد اسمه، الملل يقتل أحيانًا.

عدت إلى البيت وبدأت في قراءة الرواية على الفور، وغفوت بعد ثلاث ساعات من شدة الإرهاق، ثم استيقظت بعد الفجر وتابعت القراءة، وبعد دقائق ارتجفت وأنا أقرأ أن الجبلاوي قد مات!

***

لكن الموضوع ليس جديدًا ولم يبدأ في الثمانينات.

يتردَّد أن عبد الحكيم عامر قرأ رواية «ثرثرة فوق النيل»، وغضب كثيرًا من وصف محفوظ لجلسة الحشَّاشين، وربما رآها تشهِّر بشخصه بشكل أو بآخر. يتردَّد أيضًا أن الرجل اتصل بجمال عبد الناصر وتحدَّث معه غاضبًا بشأن محفوظ، وأخبره أنه يجب أن يُسجن. وكان رد ناصر: «إحنا عندنا كام محفوظ يا عامر؟»

لا أشكُّ في أن الحكاية كاذبة، فلا عامر اتصل بناصر، ولا ناصر قال ما قال، بل هي إحدى الحكايات التي كانت «الدولة المصرية» (تعبير غاية في الغموض والتعقيد) حريصة على نشرها لتبييض وجه عبد الناصر وتسويد وجوه الكل. والحكاية ليست جديرة بالدولة المصرية لأنها تصور ناصر في صورة الواعي المتفهم فقط، بل هي كذلك لأنها كالعادةتتعامل مع المصريين ومنهم محفوظ نفسهعلى أنهم قطع شطرنج تحرِّكها الدولة المصرية، مجرد قطع صمَّاء تُستخدم لتزجية الوقت، ولحبك حكايات تؤدي إلى غرض محدَّد، ولإحكام السيطرة على كامل الرقعة، مع نفي كامل لأي إرادة أو اختيار أو قرار لقطع الشطرنج.

لكن هذا لم يكن الاحتكاك الوحيد للدولة المصرية بمحفوظ. تردَّد أيضًا أن ناصر سأل هيكل يومًا عن عمل محفوظ القادم، فقال له ضاحكًا إنه سينشر رواية له قريبًا في الأهرام، لكنها رواية «تودي في داهية»، فرد ناصر: «توديك إنت في داهية». ولا ريب عندي أن من كتب الحكايتين شخص واحد. لا أستطيع التغاضي عن رد ناصر السريع الذكي في الحكايتين، كذلك لا أستطيع تجاهل نظرة الراوي لمحفوظ؛ مجرد قطعة شطرنج يستخدمها بلا أدنى إحساس بالذنب.

الحكايات عن «بهدلة» الدولة المصرية لمحفوظ عديدة، تبدأ من المضايقات الأزهرية به بسبب رواية «أولاد حارتنا»، ثم إجباره على التخلِّي عن منصبه كرئيس للرقابة، وتشمل فعل الرقيب الغاشم برواية «الكرنك» حيث حذف منها الكثير والكثير، ما جعل الرواية مليئة بالثغرات، تبدو كأنها «بروفة» رواية وليست رواية كتبها محفوظ كهلًا وقد وصل إلى قمة مهارته وإبداعه. وتشمل أيضًا تعامل السادات المهين له ولآخرينبعد توقيعه على بيان يرفض حالة اللاسلم واللاحرب في أوائل السبعينات، ولا يمكن إغفال ما تردَّد عن تقارير كُتبت تنتقد محفوظ لأنه يتكلم عن «الديمقراطية» وغيرها من البدع التي تهدِّد الدولة المصرية.

2016

على موقع «جودرييدز» يتبادل الجميع الآراء بخصوص الكتب، وهو موقع تواصل اجتماعي ذو صبغة ثقافية، فالكلام عن كتاب ما يتبع حتمًا قراءته وفهمه والاستمتاع به، أو ربما عدم الاستمتاع. على صفحة رواية «الكرنك» في الموقع، فوجئت بمن يكتب معلنًا بأنها من أفضل ما قرأ لمحفوظ، وأنه شخصيًا يحسد «فرج» على ما فعله. لم يرد اسم فرج في الرواية مطلقًا، وهو الشخص الذي اغتصب سعاد حسني في الفيلم المأخوذ عن الرواية، في مشهدٌ نرى فيه سعاد في حالة انهيار تام، مُهانة وخائفة وتتمنى الموت من فرط قسوة ما يُراد بها. مشهدٌ الغرض منه تصوير حادث الاغتصاب كفعل بالغ الوطأة على المغتصبة، جريمة ليست في حق الضحية فحسب وإنما في حق البلد نفسها، لكنه بالنسبة للمعلِّق كان مدعاة للحسد، ربما تخيَّل أنه يغتصب سعاد حسني مثلما فعل فرج، وربما رأى أن الرواية أفضل ما كتب محفوظ وفي ذهنه مشهد اغتصاب سعاد حسني. لم يذكر محفوظ تفاصيل الحادث في روايته، وإنما وصفه مجازًا في سطر واحد، معتمدًا على خيال القارئ ذي الخلفية، العالم بما كان يُفعل بالناس في تلك الفترة البغيضة من تاريخ المصريين، ومن يعلم، ربما عمل قلم الرقيب على حذف شيء ما في ذلك المقطع، لن نعلم أبدًا! ما يُحزن أن المعلِّق على صفحة الرواية لم ينتبه للثغرات والتشوش الواضحين أمام كل من يقرأ الرواية متمهِّلًا، وما قد يُحزن محفوظ نفسه، أن المعلِّق لم يرَ في حادث الاغتصاب إلا فعلًا جديرًا بالحسد.

2014

حدث لا أتردَّد في حكيه مرارًا، كنت أحد حضور احتفالية في مدينة المنصورة، في قاعة مسرح كبير تستعد فيه مجموعة من الممثلين المخضرمين لقراءة أحلام مختارة من «أحلام فترة النقاهة» لمحفوظ، وعلى المسرح يتكلم حلمي النمنم (كان حينها ممثل وزير الثقافة) فيربط بين محفوظ نفسه وتخلُّص مصر من الإخوان منذ شهور قليلة، وكيف أن السكين التي طعنت محفوظ كادت أن تطعن مصر نفسها، وهكذا مضى بحذق ومهارة في تضفير مصير محفوظ بمصير مصر، فكلاهما مستمر حي خالد، حتى اليوم وإلى الأبد.

ثم غادر ممثل الوزير المسرح، وصعد الممثلون إلى الخشبة ليقرأ كل منهم حلمًا فريدًا من الأحلام، كلٌ له طريقته وأسلوبه وصوته المميَّز، ولا بد أن من اختار الأحلام الملقاة علينا كان نبيهًا، حيث اكتشفنا أن أكثر من نصف الأحلام المقروءة انتقاد عنيف للدولة المصرية، للحاكم المخادع، اللص، المختلس، الظالم، والذي يتعامل مع المصريين بوصفهم قطع شطرنج يحركهم حيث أراد، من دون أدنى اهتمام بإرادتهم أو رغبتهم.

2016

السنة نفسها مرة ثانية، على هامش فعاليات جائزة البوكر، وفي إحدى الندوات التي شاركتُ فيها، انفعلت سيدة مصرية عليَّ عندما انتقدت تعامل المصريين مع المحتل، وبصوت يملؤه الغضب، طلبت مني ألا أتدخَّل في التاريخ، ألا أعبث به، وبالطبع لم تتردَّد في ذكر مثال محفوظ، الذي «أرَّخ» لمصر في رواياته. وعلى الفور لمعت في رأسي رواية «زقاق المدق» التي كتبها محفوظ في الأربعينات، ومصر تحت الاحتلال الإنجليزي، ومع ذلك لم يرد فيها أي وصف لمقاوم مصري للاحتلال، على الرغم من صورة المناضل التي لاحقتنا من خلال التلفزيون والسينما والكتب أيضًا عن تلك الفترة، وفكَّرتُ أن أستشهد بـ «زقاق المدق» وإهمال محفوظ لذكر المناضل فيها، ربما لأنه رأى أن المقاومة لم تكن جدية، أو أنها لم ترقَ إلى مرتبة المقاومة أصلًا، أو لأنه ببساطة يكتب رواية ولا يكتب تاريخًا، يريد أن يسجل رؤيته لما حدث لا أن «يؤرِّخ» لمصر كما ادَّعت السيدة. لكني تراجعتُ عن كل هذا واكتفيتُ بالصمت، كان من الواضح أن السيدة لم تقرأ الرواية موضوع الندوة، وبدا أيضًا أنها لم تقرأ لمحفوظ حرفًا من قبل. لا ضير إذن من تجاهلها.

1988

الدولة المصرية في أزمة كالعادة، اقتصاد ضعيف وتصنيع هزيل وصراعات لا نهاية لها، وديمقراطية مزعومة وحزب واحد يستولي على كل شيء، ومبارك لا يكاد يدرك ما يحدث حوله، ما جعله يحوز لقبًا سيستمر طويلًا «البقرة الضاحكة». ولولا ناصحين ومستشارين أذكياء لمَّاحين لكنَّا جميعًا في خبر كان. وفجأة، حدثٌ يزلزل الجميع، نجيب محفوظ يحصل على جائزة نوبل للأدب، أول عربي، أول مصري، وليس في مجال علمي كالطب أو الفيزياء، لكن في مجال إبداعي غامض ومثير بالنسبة للجميع.

وهكذا يصبح محفوظ نجمًا مشهورًا في غمضة عين، وتُقرِّر الدولة المصرية نسيان العداء المقيم بينها وبين قطعة الشطرنج القديمة، لكنها لا تنسى الدور الذي اعتادت حصر الرجل فيه، وتخطِّط لتجعله أفضل وأنشط قطعة لديها خلال السنوات القادمة، مديح هائل في الصحف، مقالات لا تنتهي، أوصاف أكثر من أن تحصى؛ هرم مصر رابع، نوبل العرب، نوبل مصر، وملاحق للصحف، وكتب كثيرة كثيرة، وقلادة النيل يسلمها مبارك للعبقري المصري، أكبر تقدير من الدولة المصرية لقطعة شطرنج.

ولا بد أن نحسد محفوظ على ذكائه، فقد تقبَّل كل هذا بنفس راضية، شيخ في مثل عمره ليس بإمكانه مواجهة الدولة المصرية، ولا حتى شاب في قمة حماسته. وأظن أن الرجل رأى أن كل هذا يخدم أدبه بطريقة ما، ربما يجعل الناس يقرأون ما كتب، ربما يزيد عدد قرَّائه جرَّاء اهتمام الدولة المصرية به. هو يأمل أن ينتشر كلامه بين الناس أكثر وأكثر، والدولة تخطِّط كي تحسِّن صورتها وتنفض الغبار عن المجد التليد، وتراهن على أن المصريين لا يقرأون، تراهن على الفكرة التي زرعتها في عقول الجميع خلال سنوات طويلة؛ الكتب ستفسد رأسك، ستجعلك مجنونًا، الكتب قد تهلكك، الكتب قد تتسبب بالقبض عليك. الخلاصة؛ لا تقرأ. وبالفعل، لم تتحقَّق رؤية محفوظ، وجرى تنفيذ مخطط الدولة المصرية على أكمل وجه.

2016

نعم مرة ثالثة، إنها سنة سوداء.

تداعيات قضية أحمد ناجي لا تكاد تنتهي، حتى بعد إخلاء سبيله، وذلك لأنه «خدش حياء» أحد المواطنين بكتابته. ومن ضمن التداعيات كلام أحد النوَّاب المصريين عن محفوظ، مستشهدًا بأعمال الرجل (كما يستشهد بها الكثيرون) ومعلنًا أن محفوظ أيضًا «خدش الحياء» في الثلاثية، وأنه لم يُحاكم حينها لأن أحدًا لم يتقدَّم برفع دعوى قضائية ضده، لكنه مجرم حسب القانون المصري، وأضاف لكي يؤكد ما يقول، أن محفوظ لو كان حيًا بيننا لحُوكم وأُدين. افرح يا ناجي، لقد وُضع اسمك مع اسم محفوظ في سطر واحد، وجرى وصمكما بتهمة واحدة، ولو كان حيًّا لجلستما معًا في عنبر واحد.

لحظات نادرة بالفعل، الدولة المصرية تعلن رأيها الخفي بكل وضوح في محفوظ، قطعة الشطرنج التي استخدمتها سنوات عديدة رغمًا عنه، واللحظات النادرة تلك تتبع انتصار الدولة الساحق، ذلك الذي نراه في كل ركن في مصر الآن؛ لا أحد يعترض، لا أحد يعارض، من يتكلم خائن، من يكتب سافل، من يعلِّق تجب محاكمته، من يفكِّر كافر. إرهاب فكري مع كل جملة وكل فكرة، ولا شيء يمكن أن يعطِّل زحف الدولة المصرية المقدَّس. الدولة المصرية لم تنتصر على لاعب الشطرنج الآخر، ببساطة لا يوجد لاعب آخر من الأصل. الدولة المصرية انتصرت على قطع الشطرنج ذاتها، محفوظ وغيره من المصريين.

لكن الدولة المصرية لم تكن الوحيدة التي ظلمت محفوظ، لقد ظلمناه جميعًا؛ حين اتهمناه بالكفر، وحين حسدنا «فرج» على ما فعل، وحين ادعينا أن محفوظ «أرَّخ» لمصر، وحين كفَّرناه، وحين طالبنا بسجنه، نحن قطع الشطرنج المظلومة مثله تمامًا، ظلمنا من كتب لنا وأخبرنا بكل ما في نفسه، بحيرته وتساؤلاته وشكه وإيمانه وحبه الذي استعاض به عن كل شيء. لكننا مع ذلك كنَّا أشد ظلمًا من الدولة المصرية لأننا لم نقرأ ما كتب أبدًا.

اعلان