Define your generation here. Generation What

عن تنظيم 6 أبريل: عندما فزنا بالملحمة، ولكن خسرنا المعركة (2)

لا أجد هنا مقدمة أفضل من إهداء الدكتور طه حسين في مقدمة كتابه «مع أبي العلاء في سجنه»، حين قال: «إلى الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس

تنظيم كارهي التنظيم.. أو السباحة ضد التيار

إذا نحيّنا تنظيم الإخوان المسلمين جانبًا، يمكننا القول بلا خوف كبير من الوقوع في الخطأ إن تاريخ التنظيمات السياسية السلمية في مصر الحديثة تاريخ فقير جدًا ويكاد يكون منعدمًا. هناك الكثير من المحاولات، وخاصة من اليسار، ولكنها متعثرة ولم يكتب النجاح والاستمرار لأي منها.

وبدلًا من الحديث عن تاريخ التنظيمات أو المقارنة بينها وبين حركة 6 أبريل (التنظيم)، أعتقد أن الأجدى أن نسأل السؤال بشكل معكوس: لماذا نجح تنظيم 6 أبريل في الوجود والاستمرار والانتشار وإحداث كل هذا التأثير، طول هذه الفترة، بغض النظر عن تقييمنا لفاعليته؟

وقد تكون الإجابة أن التنظيم كان محاولة جريئة ومبدعة، ولكن بلا مرجع تقريبًا، وبشبه انفصال متعمد عن سياق وقواعد اللعبة السياسية.

ليس هذا فقط، بل لقد نشأت الحركة (التنظيم) في ظل مناخ مجتمعي يرفض فكرة التنظيمات السياسية بالأساس، ويعتبر الانتماء لفكرة أو لتنظيم سياسي، نوعًا من أنواع التقصير أو الإثم في حق «الوطن الجامع»، وهو تفكير يعود للتراث الناصري الدولتي الذي لا يزال مستقرًا في الأذهان للأسف، فالوعي الجمعي للمصريين عامة ضد التجذير، ويعتبر الانتماء لفكرة أو لتنظيم ضياعًا للوحدة الوطنية وشقًا للصف الوطني وإهانة للدولة والسلطة الأبوية التي تفرض وصايتها على كل شيء، ولا يزال كثير من السياسيين، وخاصة «النشطاء»، يتباهى حتى الآن بكونه مستقلًا لنفس الأسباب.

ظهر هذا جليًا في طريقة تنظيم الحركة، واهتمامنا بأن تشمل جميع الأطياف السياسية لكي تكون التنظيم الشبابي «الوطني الجامع»، في سبيل الثورة على نظام مبارك، وكانت الأولوية دائمًا للانتشار وللوصول لأكبر عدد من الناس، وانضمام اكبر عدد من الأعضاء.

لم تكن فكرة «التنظيم السياسي» بالمعنى التقليدي حاضرة في الأذهان وقتها، بل ربما اختلطت مع مفهوم تنظيم الفاعليات المختلفة مثل التظاهر وغيرها .

نشأ تنظيم الحركة من رحم حركة «كفاية» و«شباب من أجل التغيير»، ولهذا تأثر التنظيم في بدايته إلى حد كبير بهما، حيث كان اختيار لفظ «المنسق» الذي يطلق على رأس التنظيم مستعارًا من حركة «كفاية» التي نشأت ككيان ائتلافي جامع لكافة أطياف المعارضة الجذرية لنظام مبارك، وضد نيته لتوريث الحكم، ومن الطبيعي أن يكون رأس التنظيم منسقًا، وليس قائدًا أو رئيسًا أو زعيمًا، وهو لفظ دال جدًا على طبيعة تكوين التنظيم وقتها، والتي اختلفت كثيرًا بمرور الوقت ونضج التجربة.

لم يُبذل كذلك مجهود كبير في فكرة تجنيد أعضاء بمواصفات معينة أو حتى في التدريب والتقييم والفرز المستمر، وإنما اقتصرت التدريبات وقتها على تكتيكات المقاومة السلمية، دون محتوى فكري حقيقي، وربما كانت ظروف العصر واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للانتشار (وهي طريقة جديدة ومبدعة وبعيدة عن الأشكال المعروفة للانتشار والوصول للأعضاء وأيضًا للجمهور) من أهم أسباب الانتشار السريع، حيث كان بإمكان أي فرد أو مجموعة أن يصبح جزءًا من الحركة بمجرد إعلانه لذلك، وبمجرد انضمامه إلينا في الفاعليات وعبر فيس بوك الذي استخدمناه بفاعلية كبيرة في التواصل.

نشأت الحركة في ظل مناخ مجتمعي يرفض فكرة التنظيمات السياسية بالأساس، ويعتبر الانتماء لفكرة أو لتنظيم سياسي، نوعًا من أنواع التقصير أو الإثم في حق «الوطن الجامع»

ونتيجة لغياب أي نماذج سابقة أو أمثلة ناجحة للتنظيم، عدا جماعة الإخوان، ولخلو الساحة السياسية تقريبًا من تأثير الأفكار والأيديولوجيات، التي كانت موجودة لكن دون نجاح كبير على مستوى التنظيم أو على مستوى الخطاب، وهو وجود لا يكفي لعمل التراكم اللازم للبناء عليه، يمكننا القول إن تجربتنا نشأت على انفصال مع الأجيال السابقة. وإذا كان من الطبيعي أن يجتمع أعضاء أي كيان حول فكرة أساسية تكون هي الدافع لاستمرار الكيان والرابط الأساسي ومنبع التنظيم والرؤية والتحرك، فقد كانت تجربتنا مختلفة، حيث كانت الرابطة في حالتنا حالة نفسية عاطفية، لا فكرية عقلية، من الانتماء للحركة/ الثورة/ الحلم/ النضال/ التضحيات المشتركة، أو ما أسميه اختصارًا (الانتماء للملحمة)، وهي رابطة صحيح أنها ساهمت في خلق عصبوية أحيانًا عند البعض، ولكنها تبقى أهم عوامل بقاء واستمرار الكيان/ التنظيم حتى وقتنا الحالي، بغض النظر عن فاعليته.

العضوية.. أو كيف ترجو قطف الثمار دون زرع الشجر

«وإذن فقد صقل سلاحه وعمل من خوذته الناقصة خوذة كاملة وأطلق على حصانه اسمًا جميلًا واتخذ لنفسه اسمًا مجيدًا واختار تابعًا مخلصًا يحمل أشعاره ويحفظ عهده ووعده بملك إحدى الجزر حين النصر المبينفقد خرج ليخوض أولى معاركه لينشر العدل وينصر الضعفاء كما قرأ في روايات الفروسية النبيلة».

دون كيخوتة ميجيل دي ثربانتس

كانت صور البطولة والاستعداد للتضحية وفكرة «المقاومة السلمية» قد أكسبت الحركة جاذبية كبيرة لدى قطاعات غير قليلة من الشباب، ممن لم يروا أية نماذج تنظيمية حقيقية للمعارضة في مصر قبل حركة كفاية.

كانت 6 أبريل كالنار التي تجذب الفراشات لتسقط فيها وتحترق في النهاية. وكان ظهورها، بالتزامن مع ظهور وانتشار موقع فيسبوك واستخدامه كوسيلة للحشد والتنظيم والانتشار، بمثابة أمل جديد تلقفه المكبوتون سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وأقبلوا عليه باندفاع عاطفي وطاقة للثورة والتمرد وتحطيم كل القيود، فلأول مرة تقريبًا تظهر حركة سياسية بقيادة شبابية جريئة تستخدم طرقًا غير تقليدية للفعل السياسي يميّزها عدم وجود سقف للاحتجاج، وبالتالي كان من الصعب جدًا إدراج هؤلاء «الثوار» المتمردين على كل شيء تقريبًا في أي إطار تنظيمي أو إقناعهم بضرورة التخلي عن جزء من «حريتهم المقدسة» من أجل مصلحة التنظيم، ما شكل أزمة مزمنة داخل الحركة، وتناقضًا دائمًا بين حرية العضو والتزامه التنظيمي، وسبّب لنا بالتالي مشاكل كبيرة في المواقف والخطاب السياسي للحركة.

كان الجميع مندفعين نحو الملحمة. ولم يكن ضمن أولوياتنا التأني والتفكير في الصراع، تحديد قدراتنا وقدرات العدو، صياغة أهداف محددة وقابلة للقياس، التخطيط الاستراتيجي وتحديد الأولويات، معرفة الزمان والمكان وغيرها من أدوات الانتصار. أحيانًا يقوم بهذه الأمور البعض لكنها ليست الأمر الجوهري، لأن شغف الجميع وما يحرك الجميع كان البحث عن التحقق والبطولة، ومن الطبيعي في هذه الحالة من الهوس وتجاوز الواقع والجنون «الحميد» والخروج على المألوف أن يعتبر الجميع أن انتصاره الحقيقي هو مجرد اشتراكه في صناعة هذه الملحمة، وما ينشده من تحقق واثبات للذات وتعطشه الدائم لهذا، وهو نوع من التطرف العاطفي كان بمثابة رد على حالة التجريف والفراغ والكبت لسنوات طويلة، وللأسف فقد هزمتنا الملحمة/ الدراما حين حاربنا من أجلها، فأعطانا الخصم إياها وانتزع منا النصر (في هذه الجولة على الأقل).

لم يلتفت الكثير منا إلى هذا في أوقات التجهيز للثورة أو بعد التنحي، وإنما بدأ هذا في الظهور بعد الهزيمة وانتصار الثورة المضادة في 30 يونيو، حيث تحولت الملحمة إلى «كربلائية»، فبدلًا من التعقل والاعتراف بالتقصير والبحث عن أسباب الهزيمة وعلاجها والمحاولة من جديد، لجأ الكثيرون إلى البكاء على اللبن المسكوب وجلد الذات وتعليق الفشل على شماعة الظروف القائمة، ما كان منها موضوعيًا أو لم يكن، مثل «شراسة النظام» أو «الإخوان الانتهازيين»، أو «شعب العبيد والجهلة الذي رفض الحرية» وغيرها من الأسباب، التي قد تكون ساهمت في تعميق المأساة بالفعل، لكن لا يمكن اعتبارها وحدها سبب الهزيمة. وبالتالي تقوقع من تبقى من «الثوار» على نفسه، غير قادر على تجاوز الهزيمة التي حولها إلى لطمية كبرى تمنحه ما يتمنى من الشحن العاطفي والرثاء للذات اللذين يعوضانه قليلًا عن «التحقق» الذي لم يحدث. يظهر هذا جليا في التمجيد العاطفي للبطولات السابقة، مثل أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وغيرها، والاحتفاء بذكراها كل عام.

تسبب بحث الجميع عن البطولة والملحمة في أكبر تناقض داخل الحركة وفي أوساط الثوريين وخارجها، وهو تناقض الفردية وتمجيدها الذي تقتضيه الملحمة، في مقابل فكرة التنظيم، حيث يميل جميع «الثوريين» تقريبًا للشك في فكرة التنظيمات بأشكالها (ولا يزال البعض يعتبر فكرة السعي للسلطة عارًا وانتهازية)، وكذلك تمجيد «الناشط السياسي» الفرد المستقل «البطل» الذي يضفي عليه الجميع كل مظاهر البطولة، إلى درجة التقديس غالبًا. بل لا أكون مبالغًا إذا قلت إن معظم الأعضاء قد انضموا إلى الحركة بحثًا عن بطولة مماثلة (ولا أنكر هنا حق الجميع المشروع في البحث عن التحقق وإثبات الذات، لكن الأزمة في تحول هذا إلى انتهازية أو أن يأتي هذا على حساب الآخرين).

ربما كان هذا أحد أسباب عدم وجود قيادة محددة لثورة يناير (ما أعتبره أحد أسباب الفشل في رأيي الشخصي)، لأن وجود قيادة محددة، سواء كانت شخص أو مجموعة، سيحرم الغالبية من شرف القيادة، بينما يريد معظم «الثوريين» تقريبًا جزءًا أكبر من كعكة القيادة (بغض النظر طبعًا عن أحقيته وأهليته لها)، حتى تكتمل الملحمة التي سعى إليها، ناهيك بالطبع عن الانتهازيين الساعين من البداية لمصلحة شخصية. ويذكرني هذا بجملة الفنان توفيق الدقن في فيلم «الشيطان يعظ»: «كلكم عاوزين تبقوا فتوات، أومال مين اللي هينضرب؟»

كان الجميع مندفعين نحو الملحمة. ولم يكن ضمن أولوياتنا التأني والتفكير في الصراع

مع الوقت تمركز الوافدون الجدد من جماهير الشباب حول الوافدين الأقدم، وتحول لقب «الناشط السياسي» إلى وصف وظيفي شائع، وزادت الأعداد في ظل انعدام المخاطرة تقريبًا، وبالأخص في فترة حكم محمد مرسى، ثم تحول «النشطاء السياسيون» إلى جماعة وظيفية، لو صح استخدام هذا التعبير هنا، بمعنى جماعة لها سمات وملامح وطقوس معينة، وحلت الشللية التي لا تتطلب مسؤولية أو التزامًا كبيرًا محل التنظيم الممنهج بما له من مميزات وعيوب، وأدى هذا مع الوقت لزيادة انفصال «شباب الثورة» عن واقع الناس وانكفائهم على أنفسهم ومشاكلهم الخاصة (التي تدور أغلبها حول أفكار الحريات، وخاصة الحريات الشخصية، وبشكل سطحي جدًا وبطريقة لا تتجاوز المظاهر دون ممارسة حقيقة)، وبمجرد انفصال الشخص عن عموم الجماهير وانضمامه إلى أوساط «الثوريين»، أو تحوله إلى عضو بحركة 6 أبريل أو غيرها من التنظيمات يبدأ في اعتبار نفسه جزءًا من هذه الجماعة الوظيفية. وقد ساهم النظام بأدواته المختلفة، مثل الإعلام، وبوعي أو بلا وعي، في زيادة هذه الحالة، لأنها تخدم أهدافه في فصل الثورة عن جموع الشعب الذي قام بها، وفي اختزالها في أوساط «الثوار».

مع الوقت تحولت الرغبة في البطولة إلى الرغبة في الاشتهار بالبطولة، خاصة وأنها لا تكلف الكثير غير الالتزام بطقوس معينة وشكل معين وطريقة كلام معينة وكتابة معينة على فيس بوك وإعلان بسيط عن الانضمام لحركة شباب 6 أبريل أو غيرها من التنظيمات، والاشتراك في فاعلياتهم، وهو أقرب لمثال (the kardashian model of fame)، أو الاعتماد على الشكل ومهارات التسويق والعلاقات العامة والاهتمام بالمظهر وبالـ«مؤخرة»، ما يؤدي لشهرة لا تعتمد على أي إنجاز حقيقي أو مؤهلات حقيقية، على غرار الشهرة التي حققتها العارضة كيم كارداشيان.

ومع هزيمة الثورة في معركتها الأولى بعد 30 يونيو وازدياد القمع، وازدياد كلفة النشاط بالتالي، فقد انسحب الجميع تقريبًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي لمواصلة «النضال» الذي تحول من المبادرة والتحريض وبث الأمل وتقديم النموذج إلى البكاء واللطميات الثورية على هزيمتنا النكراء وكتابة المرثيات التي تمجد بطولاتنا في معاركنا السابقة، التي لم نستطع تجاوزها، والأدهى أننا لم نراجع قيمتها وأبعادها بشكل كامل، ولا يزال الكثير يرفض الاعتراف أن بعضها كان معارك عبثية حمقاء أضرت بمشروعنا بكامله وخسرنا فيه الكثير من الدماء دون مقابل. يظهر هذا جليًا في أدبيات الثورة والثوار وفي اعتبار الهزيمة في المعركة نهاية الكون، وألا أمل أو فرصة لأي مراجعة أو تصحيح للمسار، أو لدراسة الأخطاء والتعلم منها لعدم تكرارها، أو على أقل تقدير لتوثيقها للإضافة في عملية التراكم، حتى لا يقع جيل تال لنا في نفس أخطائنا، وكأننا نهوى اختراع العجلة من جديد في كل مرة.

القيادة.. عندما تصارع المسوخ فتصبح مثلهم

«كل الحيوانات متساوية، لكنها بعضها أكثر تساويًا من الآخرين».

جورج أورويل – مزرعة الحيوانات

كما كان الوعي الجمعي ضد التنظيم أو التجذير بشكل عام، فقد كانت الصورة الذهنية عن أي قيادة سياسية صورة سيئة جدًا بسبب النماذج الموجودة، سواء في السلطة أو في الأحزاب الكرتونية للمعارضة. فغالبًا ما كانت السلطة الممنوحة لأي قيادة أو إدارة في أي تجمع بشري يساء استخدامها، ما خلق حالة من الشك والتربص والاتهام المستمر لأي قيادة بالطغيان والانفراد بالقرار، ومع إقبال أفراد شرحنا طبيعة تصورات أغلبهم ودوافعهم للمشاركة، فقد أصبحت عملية القيادة داخل التنظيم بشكل عام شاقة للغاية، وتتطلب درجة عالية من الصبر والحكمة.

ورغم كل الأخطاء، فمن الإنصاف القول إن مجرد تصدي بعضنا لتحمل عبء التنظيم والقيادة ووعيه بضرورة هذا، كان عملًا مهمًا وعظيمًا ومميزًا للحركة عن باقي جموع «الثوار».

مع غياب نماذج سابقة لعملية التنظيم وظهور موقع فيسبوك كوسيلة للتنظيم والتواصل بين الأعضاء، والقيادة والمرونة الكبيرة التي منحها لنا، وربما لقلة العدد والانتشار، وربما بسبب طبيعة الدور الاحتجاجي وقتها، فقد كانت عملية التنظيم قبل الثورة سهلة نسبيًا، أما بعد التنحي ومع زيادة إقبال «الثوار»، فقد ظهرت الحاجة لعمل تراتبي مختلف لخدمة أهداف مختلفة تناسب طبيعة المرحلة. وكما ذكرت سابقًا بخصوص عدم اتفاقنا بعد التنحي على طبيعة دورنا وأهدافنا، إلا أنه مع الوقت نضجت الفكرة في رأس القيادة، وخاصة أحمد ماهر، الذي بدأ يتحدث عن رغبته في عمل تنظيم شامل له أذرع مختلفة، سياسية واجتماعية وثقافية وغيرها، قد تكون أقرب لتصوراتنا عن تنظيم الإخوان المسلمين، والذين كانوا أنجح تجربة تنظيمية في تاريخ مصر الحديث، رغم اختلافنا معهم وبغض النظر عن كيفيه استخدامهم لهذه القوة ولهذا التنظيم وما آلت إليه أمورهم. ورغم وضوح الفكرة في ذهن ماهر وبعض القيادات، إلا أننا فشلنا في نقلها، كما فشلنا في نقل العديد من أفكارنا الأساسية إلى باقي الأعضاء، وكان اختيار الشكل التنظيمي الهرمىالذي لا يمكنني الحكم على صحته من عدمها بسبب عيوب التطبيق هو ما خلق فكرة القيادة داخل التنظيم.

كانت فكرة تولي مسؤولية القيادة جديدة نسبيًا على معظم قدامى الأعضاء، فقد اتفقنا على تمييز قدامى الأعضاء من المؤسسين وإعطائهم حقًا أشبه بـ«حق الفيتو»، مع حصة دائمة في المكاتب السياسية والإدارية والتنفيذية للحركة. وكان الهدف هو الحفاظ على «هوية الحركة» عبر التمسك بأهل الثقة في مواجهة العدد الكبير من الوافدين الجدد، ولكن للأسف، فقد تكونت مع الوقت طبقة جديدة داخل الكيان متحولة إلى مراكز قوى، وكذلك تحولت المسؤوليات القيادية (التي لم تكن محددة الوصف الوظيفي بشكل دقيق) إلى مناصب اكتسبت بريقًا بالتدريج، وأصبحت هدفًا في حد ذاتها بالنسبة للبعض. وهنا أستعير نصًا من كتاب «الرمز والسلطة» لبيير بورديو يقول فيه: «المجتمع وحده هو الذي يزود الإنسان بدرجات متفاوتة لتبرير وجوده. إنه هو الذي يخلق المهام والأوصاف التي يقال عنها إنها ذات شأن، فيولّد الأعمال والأعضاء الذين يوصفون بأنهم ذوو أهميةإن الوظائف الاجتماعية أوهام اجتماعية وإن طقوس المؤسسة هي التي تجعل من تعترف له بالدخول في المؤسسة ملكًا أو فارسًا أو قسًا، فترسم له صورته الاجتماعية وتشكل التمثل الذي ينبغي أن يتركه كشخص معنوي، أي كمكلف من لدن جماعة ناطق باسمها، ولكنها تفعل ذلك أيضًا بمعنى آخر، إذ تفرض عليه اسمًا أو منصبًا يحدّده أو يعيّنه ويشكّله، وترغمه أن يصبح ما هو عليه، فتلزمه بالقيام بوظيفته ويدخل في اللعبة والوهم، ويلعب اللعبة والوظيفة».

أدى خلق طبقة من المؤسسين والقيادات «التاريخية» وأعضاء المكتب السياسي من ذوي الدماء الزرقاء داخل الكيان إلى نتيجة عكسية تمامًا، فقد تحول معظمهم إلى مراكز قوى متحاربة ومتعارضة المصالح

لقد أساء بعض القيادات، التي ربما أكون منها، استخدام مسؤولية القيادة أو «المنصب». فعلت الغالبية هذا بحسن نية لا تشفع كثيرًا في تبرير الفشل، ربما لأنها تحملت مسؤولية لا تعيها ولا تفهمها، ولم تكن مؤهلة لها من البداية. وأنا هنا لا أطالب بأن يتحلى جميع الأعضاء بالعبقرية والمهارات الكبيرة والثقافة غير المحدودة، وإنما أعتقد أنه كان على من يتصدى للقيادة التحلي بحد أدنى من المهارات والقدرات والوعي، وبدرجة معقولة من الكفاءة، وهو ما لم يحدث في حالتنا للأسف، ويمكنني القول دون خطأ كبير إن العديدين من أعضاء المكتب السياسي، بل والمؤسسين أنفسهم، لم يمتلكوا أيه مؤهلات لمناصبهم غير الثقة والأقدمية.

الأزمة الحقيقة أن هذا الوضع ازداد سوءًا مع الوقت وطول مدة بقاء الأفراد في مناصبهم، مما أغلق الباب أمام أي فرصة للمبادرة الفردية والإبداع وتغيير الدماء وقتل الأمل في التصعيد والترقي داخليًا (وكانت هذه العملية تدور بشكل ودي وبمبادرة فردية من بعض القيادات، وعلى رأسهم أحمد ماهر الذي كان دائم البحث عن الكوادر الواعدة ومتابعتها وتصعيدها، على عكس ما قد يشاع عنه، لكن المشكلة أن هذا كان يحدث بعيدًا عن أي إطار تنظيمي أو معايير ثابتة للفرز والتقييم تسري على الجميع)، ومع الوقت أدى ذلك إلى هروب كثير من الكفاءات خارج الحركة، واكتسبت قيادة التنظيم للأسف، وبالتدريج، كثيرًا من أمراض السلطة التي نحاربها دون وعي بأنفسنا، مثل التغاضي عن الأخطاء بغرض المجاملة أو خوفًا من خسارة الأعضاء (وكان أكبر خطأ لقيادة الحركة هو الميل إلى المجاملة وعدم التدخل الحاسم في المشاكل المستجدة، بل تركها حتى تنتهي من تلقاء نفسها أو يملّ أطرافها، وكان هذا من أحد السمات المميزة لطريقة ماهر في الإدارة والتي ورثها باقي القيادات عنه)، أو استبعاد أي معارضة داخلية ومساواة المعارض المخلص بالمغرض، وسحق الاثنين على السواء باتهامات من نفس نوعية اتهامات السلطة لمعارضيها. فقد اتهمت القيادة بعض المعارضين دون تمييز تقريبًا بالعمالة للأمن مثلما تتهم السلطة أي معارض لها بالعمالة لجهات أجنبية، واتهمت البعض الآخر بالانتهازية مثلما تتهم السلطة كل معارضيها بالسعي وراء السلطة والمصالح. كذلك كان اختيار القيادات الوسيطة وغيرها يجري على أساس الثقة لا الكفاءة، وإعطاء المسؤوليات المهمة لذوي الحظوة لدى بعض مراكز القوى بين المؤسسين، وحتى معيار الكفاءة نفسه اختل، فكما تقيس السلطة نجاح خدمات مستشفياتها مثلًا بعدد الحالات التي تعالجها سنويًا، بغض النظر عن جودة الخدمة المقدمة، فلم تكن بعض القيادات تقيّم كفاءة العضو إلا بمقدار التزامه بحضور فاعلياتها أو حضوره المبكر للاجتماعات.

لقد أدى خلق طبقة من المؤسسين والقيادات «التاريخية» وأعضاء المكتب السياسي من ذوي الدماء الزرقاء داخل الكيان إلى نتيجة عكسية تمامًا، فقد تحول معظمهم إلى مراكز قوى متحاربة ومتعارضة المصالح، ناهيك عن أهلية معظمهم لمناصبهم وألقابهم التي استحدثوها وقدسوها لأنها تمثل وجودهم وقيمتهم، ما أضر كثيرًا بمصالح الكيان نفسه، وظهرت أزمة «الشللية» داخل التنظيم، بعد أن كنا ننتقدها خارجه، وتوسعت خاصة بعد اعتقال احمد ماهر، لتطغى على التنظيم نفسه الذي وقع في أزمة هوية وحيرة شديدة، وبدلًا من الاستفادة من التنوع الفكري وحقيقة وجود أجنحة فكرية وسياسية مختلفة، قد يفيد التوفيق بينها في خلق توازن في مواقف وقرارات وخطاب الحركة، فقد كانت صراعات الهيمنة الداخلية بينهم بمثابة حرب وجود، وهذا على غرار فشل السلطة في الاستفادة من التنوع الفكري والثقافي داخل المجتمع، واعتبار أن نجاحها يقوم على سحق كل معارض وتدجين الجميع داخل القالب الفكري والسياسي لما تسميه «الوطن الجامع» أو «الدولة».

تسبب تراكم كل هذه الأخطاء في النهاية في خلق مناخ عام داخل الحركة لا يتمركز إلا حول القيادة، ويقتل الإبداع والمبادرة الفردية اللذين تميز بهما التنظيم في بدايته، حتى وصل الأمر بالقيادة الحالية بعد اعتقال ماهر وعمرو علي الذي حاول جاهدًا في ظروف صعبة إيجاد حل نظري للمشاكل فشلنا في تطبيقه عمليًا بسبب الظروف الموضوعية الخانقة ولجهلنا بطريقة تحويل الأوراق إلى حل عملي إلى انتظار خروج أحمد ماهر، واعتباره المهدي المنتظر ومخلص الحركة، الذي يجب ألا نقوم بأي تغيير داخلي حقيقي، بل وأي تحرك، حتى عودته، وكأن الحركة ملكية خاصة له. وهو موقف سلبي جدًا يذكرني بموقف النبي هارون من بني إسرائيل، بحسب الرواية القرآنية، حيث اكتفى بالنصح السلبي دون أي مقاومة حين قرروا عبادة العجل بعد غياب النبي موسى للقاء ربه: «إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي»، من سورة «طه»، وهو خيار يعكس بؤسًا وفقر شديدًا وانهزامًا لا يليق بشخص طبيعي، ناهيك عن قيادة حركة سياسية تدّعي السعي للتغيير، وفيه ظلم كبير لعقول وتضحيات باقي الأعضاء ولماهر نفسه، باعتباره كيانًا كليّ المقدرة وليس شخصًا طبيعيًا له عائلة وأبناء وأصدقاء ومحبون وعمل وحياة حُرم منها، ودفع ثمن غاليًا جدًا من حريته نظير ما يؤمن ونؤمن به.

كما تسبب تراكم الأخطاء أيضًا في تناقضات كثيرة داخل الحركة، ربما كان أهمها أزمة الديموقراطية الداخلية وطريقة اتخاذ القرار، ما أثر على مواقفها وخطابها، وأنشأ أزمات مثل انشقاق الجبهة الديموقراطية عام 2011، وهو ما سنتناوله لاحقًا في الجزء الأخير من هذا المقال.

ملحوظتان مهمتان:

أولًا: أود التوجه بالشكر إلى الأصدقاء أحمد النديم ومحمد نعيم وإسراء فاروق، حيث ساهمت نقاشاتنا في إثراء المقال.

ثانيًا: كل ما جاء في المقال وما سبقه وما قد يليه هو وجهة نظر شخصية، حرصتُ فيها على توضيح ما أراه مهمًا ومفصليًا في تاريخ الحركة والثورة من وجهة نظري، وهناك بالتأكيد أفكار ورؤى مختلفة قد تنبّهنا لنقاط أكثر أهمية ومفصلية، وهي رؤى مرحب بها دائمًا، فالهدف الوحيد على كل حال هو التقييم للوقوف على الأخطاء ومحاولة علاجها، للمحاولة مرة أخرى، أو على أقل تقدير لتنبيه القادمين في وقت لاحق كي لا يقعوا فيها.

 

 

اعلان