Define your generation here. Generation What
في عام التعويم: كل الطرق تؤدي إلى الاقتصاد
كيف تحول المصريون لمتابعة التطورات الاقتصادية، ولماذا أصبح سعر الدولار أول اهتماماتهم
 
 
 
صورة: بسمة فتحي
 

كانت 2016 هي السنة التي انتهى فيها إنجاز شخصي حافظت عليه طوال ست سنوات عملت فيها بالصحافة، بدءًا من 2010،  وهي السنوات التي نجحت خلالها في تفادي العمل على موضوعات اقتصادية، مكتفية بتجربة واحدة بالغة الفشل. حين لم تدرك إحدى المحررات طول معاناتي من العجز عن فهم كل ما له علاقة باﻷرقام، وأصرت على مساعدتي في كتابة موضوع عن الاقتصاد غير الرسمي، بعد ثلاثة محاولات فاشلة، اقتنعت المحررة، وفقدت تصميمها أخيراً.

طالما استخدمت هذه القصة كتحذير أعيده على مسامع كل محرر يأتيني باقتراح لموضوع مماثل؛ لأثنيه عن الفكرة. إلا أن سلاح التلويح بما عانته معي المحررة لتفادي كتابة الموضوعات المتعلقة بالاقتصاد انتهى مفعوله في 2016، حين بدأت الأخبار الاقتصادية في اجتياح الصفحات الأولى للصحف تزامنًا مع الأزمة الاقتصادية المتصاعدة التي عانتها مصر. كانت نسبة كبيرة من الأخبار التي شغلت الرأي العام خلال العام تخص الاقتصاد، من تطورات قروض دولية يعلق عليها الكثيرون آمالهم، مرورًا بالهبوط المستمر لقيمة الجنيه، وقوانين وقرارات أثرت على دخول الناس وأسعار السلع الأساسية، وصولًا للأهم؛ الإرتفاع المستمر للأسعار، والذي كان سمة أساسية استمرت طوال السنة.

اضطررت أنا وآخرين من زملائي «أعداء الاقتصاد» للاشتباك معه حين أصبح من المستحيل إنكار أهمية التطورات الاقتصادية التي كان الكثير منها يجري في يوم واحد أحيانًا. لم نكن وحدنا، فأغلبية الشعب المصري بمختلف طبقاته، أصبحت مجبرة على الالتفات لأخبار الاقتصاد، بفعل التأثير المباشر والعنيف لتطوراته على حياتهم، بعدما كانوا يعتبرون الحديث في الاقتصاد شأن المثقفين والمتخصصين وحدهم. إلا أن طبيعة الأخبار الاقتصادية والتي تستصعب فئة واسعة من الشعب فهمها أبقت اهتمام الأغلبية سطحيًا، ليبقى همهم هو الحصول على معلومات سريعة متمحورة حول نقطة واحدة: سعر الدولار.

ذروة لمعان نجم «الاقتصاد» كمحور لاهتمام قطاع واسع من الناس تجلت في الثالث من نوفمبر الماضي، حين قررت الحكومة تعويم الجنيه، ليتعطل بعدها الموقع الرسمي للبنك المركزي نتيحة لعدد الزائرين الذين تهافتوا عليه للتعرف على السعر الجديد للدولار.

«الأول كنت بأتفرج على النشرة الرياضية ولما تيجي النشرة الاقتصادية أقوم، بس دلوقتي بأقعد وأسمع»

محاولًا التغلب على شعوره بنقص المعلومات، يحاول عبد الهادي عبد العال، صاحب محل نظارات بالدقي، متابعة الشأن الاقتصادي قدر المستطاع، يقول: «الأول كنت بأتفرج على النشرة الرياضية ولما تيجي النشرة الاقتصادية أقوم، بس دلوقتي بأقعد وأسمع»، فيما يعبر عن توتره من شعوره بأن «فيه حاجات ما بتتقالش» عن الوضع الحقيقي للاقتصاد، ويضيف: «لو الحكومة توضح للناس الوضع، هنواجه الصورة المستحيلة دي ونخليها مش مستحيلة».

ناقش «عبد العال» معي آراءه عن التعويم، وقرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار، لكنه أكد أن أغلبية الشعب لا تتابع هذه التطورات.

«الشعب المصري ما بياخدش بالُه من اللي انتي بتقوليه ده، هو بيتابع بس السكر بكام النهارده»، يقول «عبد العال»، في إشارة إلى أزمة عدم وجود السكر في اﻷسواق، وهي إحدى الأزمات التي طالت العديد من السلع الأساسية مؤخرًا نتيجة زيادة أسعارها.

تجدد اﻷمر نفسه مع العديد ممن تحدث معهم «مدى مصر»، والذين قالوا إنهم يجدون في اﻷسواق كل ما يحتاجون معرفته عن الاقتصاد.

يقول فاروق بدوي، تاجر البهارات في المنطقة نفسها: «إحنا في السوق، فبنعتمد على المشاهدة، بأنزل أشتري البضاعة ألاقي الأسعار زادت، والناس بتنزل السوق ويشوفوا الأسعار عن تجربة، كل الناس بتتكلم وبتشتكي وعايزين يعرفوا الأسعار بتغلى ليه، هو كله من الدولار!»، يشير «بدوي» بأسى إلى سوق منطقة سليمان جوهر الخالي تقريبًا من الزبائن.

قد لا يكون «بدوي» ملمًا بآخر تطورات الاقتصاد، إلا أنه يعرف أسعار جميع السلع الأساسية قبل وبعد الزيادة، والتي سردها لإيضاح صعوبة الموقف.

الحال نفسه تكرر مع إيمان توفيق، المعلمة بالحضانة والأم لابنتين، والتي تقول إن عدم اهتمامها بالسياسة والاقتصاد لم يتغير كثيرًًا في السنة الماضية، بالرغم من شعورها بآثار الأزمة.

تقول «توفيق»: «مصدر الأخبار الاقتصادية بالنسبة لي هو السوبر ماركت، حيث أتابع ارتفاع الأسعار، وبين الحين والآخر أسأل عن سعر الدولار ».

فيما كان الوضع مختلفًا مع متعاملين مع القطاع الاقتصادي، مثل محمد القيعي، الذي يعمل في قطاع البنوك، والذي يقول إنه أصبح من النادر أن يتواجد في أي تجمع ولا يتلقى أسئلة تخص الاقتصاد أو يطلب منه أحدهم النصح. إلا أن الأسئلة التي يتلقاها هو وآخرين من العاملين في المجال المالي والاقتصادي تعكس احتياج الناس لحلول سريعة لا أكثر.

يقول «القيعي»: «كله بيسأل 3 أسئلة بس: الدولار بكام؟، طيب هو هيفضل يطّلع لغاية كام ولحد امتى؟، طيب هو ممكن ينزل تاني.. وامتى؟».

تركيز اهتمام الكثيرين، بمختلف طبقاتهم، على سعر الدولار يشير إلى أن الجميع يتفق على شيء واحد، كما يقول «القيعي»: «كل الناس مهما كان تواضع مستواهم الفكري فاهمين العلاقة المباشرة بين سعر الدولار و الغلاء، وده اهتمامهم الوحيد دلوقتي، سواء عشان بيتهم أو شغلهم».

كانت الشهور الماضية قد شهدت ظهور مجموعات عدة تهدف لمتابعة أسعار العملات الأجنبية، انضم لها مئات الآلاف من الأعضاء. يقول «القيعي» إن اهتمام من يسألونه نادرًا ما يتخطى موضوع الدولار: «لما بادخل في تفاصيل مبالغ فيها، بيجيلي رد زي: يعني من الآخر هيوصل لكام؟، أبيع الدولار ولّا أخليه؟، أو: من الآخر رايحين على فين؟».

من جانبه، يقول عمر الشنيطي، المدير التنفيذي لمجموعة مالتيبلز للاستثمار، إنه لاحظ زيادة الاهتمام بالشأن الاقتصادي في عدد الأسئلة التي يتلقاها من معارف ومتابعين على فيسبوك، والتي زادت ثلاثة أضعاف في السنة الأخيرة. يوضح «الشنيطي» أن الأغلبية يسألون عن سبل استثمار مدخراتهم، وعن سعر الدولار وأثره على عملهم.

«كل الناس مهما كان تواضع مستواهم الفكري فاهمين العلاقة المباشرة بين سعر الدولار و الغلاء، وده اهتمامهم الوحيد دلوقتي، سواء عشان بيتهم أو شغلهم».

فيما أصبح اكتشاف سعر الدولار هو النشاط الأول الذي تبدأ به ندى قابيل يومها كل صباح، تدير «قابيل» مشروعها الصغير، «إينكيز» للأحذية المرسومة يدويًا، وهو المشروع الذي تقول إنه دخل في أزمة بسبب ارتفاع سعر الدولار ، بعدما ضاعف الموردون الذين تتعامل معهم أسعارهم، قبل أن يتوقفوا كليًا عن استيراد الأحذية التي تستخدمها.

نتيجة ارتباط عملها بالأزمة الاقتصادية بشكل ما، تحاول «قابيل» أن تفهم التطورات، وتبحث عن المشورة لدى معارفها المتخصصين في الاقتصاد. إلا أنها تقول إن ما حصلت عليه من توقعات ونصح كانوا في الأغلب غير صائبين، ولذلك يبقى سعر الدولار اليومي هو المؤشر الوحيد الذي تعتمد عليه وتتخذ على أساسه قراراتها يومًا بيوم.

اعلان
 
 
هبة عفيفي