Define your generation here. Generation What
أربع محطات واجه فيها القضاة السلطة
 
 

مواجهة جديدة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، تلوح في الأفق، على خلفية مشروع قانون تقدم به النائب أحمد حلمي الشريف، وكيل لجنة الشؤون التشريعية بمجلس النواب، لتعديل إجراءات اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، ليصبح بيد رئيس الجمهورية، ما ينذر بانتهاء «شهر العسل» الممتد بين السلطتين منذ التحركات ضد سلطة جماعة الإخوان والمسلمين، وحتى بعد الإطاحة بالرئيس السابق، محمد مرسي في يوليو 2013.

جرى العرف القضائي على اختيار رؤساء الهيئات القضائية وفقًا لقاعدة اﻷقدمية، بينما اقترح مشروع القانون ترشيح ثلاثة أسماء لتولّي رئاسة هذ الهيئات يختار رئيس الجمهورية من بينها.

لاقى مشروع القانون رفضًا واسعًا داخل اﻷوساط القضائية باعتباره يمثل اعتداءً على استقلال مؤسسة القضاء، التي دخلت في مواجهات عدة مع السلطة التنفيذية في التاريخ المعاصر، نرصد هنا أهمها.

السنهوري وعبد الناصر

بعد إطاحة الضباط اﻷحرار بالنظام الملكي في يوليو 1952، بدأت المواجهة بين النظام الحاكم الجديد والسلطة القضائية في مصر. كان دستور 1923، القائم في ذلك، يقسم السلطة في مصر بين ثلاث مؤسسات هي السلطة التنفيذية متمثلة في القصر الملكي والحكومة، والسلطة التشريعية متمثلة في البرلمان، والسلطة القضائية متمثلة في المحاكم ومجلس الدولة. يرى الدكتور طارق البشري في كتابه «القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء» أنه على الرغم من أن ثورة يوليو أخضعت السلطتين التنفيذية والتشريعية لها، إلا أنها سلكت مسلكًا مغايرًا مع السلطة القضائية: «أسلوب اﻹحاطة والاقتطاع دون أسلوب السيطرة المباشرة واﻹلحاق الصريح».

لكن سرعان ما بدأت المواجهة العنيفة اﻷولى بين نظام عبد الناصر ومؤسسة القضاء، وخصوصًا مجلس الدولة.

تأسس مجلس الدولة عام 1946 ليختص بنظر القضايا التي تكون الحكومة أحد أطرافها. ووسّع المجلس من صلاحياته، فبدأ في مراقبة دستورية القوانين بحكم أصدره في فبراير 1948، كما «أخضع لرقابته حتى أنشطة الدولة في حالة فرض أحكام الطوارئ»، حسبما يقول البشري.

رغم أن المستشار عبد الرازق السنهوري، رئيس مجلس الدولة وقت قيام الثورة، سارع إلى تأييدها، إلا أن الخلاف بينه وبين نظام عبد الناصر تصاعد، ما تسبب في أزمة كبيرة بين عامي 1954 و 1955. في مارس 1954، دُبرت مظاهرة اقتحمت مجلس الدولة وقامت بالاعتداء بالضرب على السنهوري في مكتبه.

وفي عام 1955، صدرت قوانين أعادت تشكيل مجلس الدولة وأسقطت حصانة أعضائه، وأخرج نحو 15 عضوًا منه، وأعيد تنظيم المجلس ليدعم السيطرة الفردية القانونية لرئيس المجلس الجديد، حسبما يشرح البشري في كتابه.

كما قام نظام عبد الناصر بإدخال تعديلات على صلاحيات النيابة العامة. قبل ثورة يوليو، جمعت النيابة العام بين سلطتي الاتهام والتحقيق حتى فصل قانون اﻹجراءات الجنائية الصادر في 1951 بينهما: تتولى النيابة العامة سلطة الاتهام، بينما يتولى التحقيق قضاة تحقيق مستقلون. وبعد قيام ثورة يوليو، انتدبت النيابة العامة ورجالها للقيام بسلطات قاضي التحقيق وأفسح للنيابة في هذا الشأن، وخاصة في الدعاوى ذات الطابع السياسي، ثم توسع هذا الاختصاص فعاد إلى سابق عهده، فتجمع فيه النيابة العامة بين سلطتي التحقيق والاتهام، وتتبع في ذلك النائب العام الذي يتبع وزارة العدل، كما جاء في كتاب البشري.

ترى هدى نصر الله، المحامية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن مشاكل النيابة العامة تبدأ من هذه التبعية اﻹدارية. يجمع وكلاء النيابة بين وظيفتي التحقيق في القضية وتوجيه الاتهامات فيها. وبحسب مقتضيات التدرج اﻹداري، يخضع تحقيق وكيل النيابة لسلطة رؤساءه، وهو ما يفقد التحقيق أي حياد.

وترى نصر الله إن فصل وظيفتي التحقيق وتوجيه الاتهامات ضروري لضمان حيادية عملية التحقيق وعدم خضوع جهة التحقيق إلى ضغوط إدارية تتسبب في انحرافها.

مذبحة القضاة

بعد الهزة العنيفة التي تعرض لها النظام المصري بسبب النكسة عام 1967، بدأت محاولات ما عرف باسم اﻹصلاح القضائي. وعلى هامش محاولات مستمرة لترميم شرعيته، حاول نظام عبد الناصر إدخال القضاة إلى العملية السياسية عبر دمجهم في الاتحاد الاشتراكي، وابتداع ما يسمى بالقضاء الشعبي بما يسمح بإشراك غير القضاة في أعمال القضاء. جرت انتخابات نادي القضاة ليفوز تيار رفض الاتحاد الاشتراكي بأغلبية ساحقة. وأصدر نادي القضاة بيانًا أوضح فيه رفضه لمحاولات السلطة التنفيذية استيعاب القضاء المصري.

جاء رد فعل النظام عنيفًا. في أغسطس 1969، أصدرت الدولة ثلاثة قوانين ستعرف فيما بعد باسم «مذبحة القضاة». وفقًا لهذه القوانين تم حل جميع الهيئات القضائية من محاكم ومجلس دولة، وتم استبعاد نحو 200 من أعضاء الهيئات القضائية، منهم رئيس محكمة النقض، ونائب رئيس مجلس الدولة، وأنشئت المحكمة العليا لمراقبة دستورية القوانين لتحرم مجلس الدولة من هذا الحق، وتشكل المجلس اﻷعلى للهيئات القضائية -مجلس القضاء اﻷعلى اﻵن- برئاسة رئيس الجمهورية.

وفي أوائل عهد السادات، أعيد القضاة المفصولون، كما صدر قانوني السلطة القضائية ومجلس الدولة عام 1972، وأبقت هذه القوانين على هيمنة وزارة العدل على الهيئات القضائية. واستمر العمل بهذه القوانين -مع إدخال بعض التعديلات عليها- حتى يومنا هذا.

يرى الدكتور عمرو الشلقاني، أستاذ القانون في عدد من الجامعات، في كتابه «ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية»، أنه على الرغم من التدخل السافر من قبل نظام ناصر في هيكل القضاء المصري، كما حدث في أزمة 1954، ومذبحة القضاة 1969، إلا أن التوجه العام معظم اﻷحيان كان تجنب المواجهة المباشرة مع القضاء والاعتماد على المحاكم الاستثنائية للالتفاف حول استقلاله.

ينقل الشلقاني عن ناصر قوله في أبريل 1970 بهذا الشأن: «حقيقة إحنا لم نتدخل في القضاء منذ سنة 1952 حتى الآن، وكانت عندنا قاعدة إن إحنا إذا تدخلنا في القضاء وحاولنا نقول للقضاء احكم بكذا وده أرقيه وده أعملك، أو أقرب ده أو أبعد ده، أبقى فعلا هدمت عمل أساسي للبلد. واستقر الرأي على أنه إذا كان فيه قضية سياسية بنعمل إحنا قضية سياسية ونعمل حتى إحنا أنفسنا قضاة وبنحكم زي ما إحنا عاوزين ونبعد القضاة عنهم ولا نتدخل في القضاء، وبدأ هذا الموضوع بمحكمة الشعب، وكان أعضاء مجلس قيادة الثورة هم اللي بيحاكموا وكان ده بيدي المعنى للناس بأن هذه القضية سياسية، ولنا فيها رأي فنبعدها عن القضاء».

يتفق البشري مع هذا الطرح، موضحًا في كتابه أن ثورة يوليو أبقت تقريبًا على نفس درجة الاستقلالية القانونية للقضاء والنظام القضائي، واستغلت سيطرتها على أجهزة التنفيذ والتشريع في إصدار قوانين منع التقاضي، في بعض الحالات، واستخدام محاكم استثنائية لمحاكمة الخصوم السياسيين.

تغير منهج السلطة التنفيذية في التعامل مع القضاء في عهدي السادات ومبارك. استمر اعتماد النظام على المحاكمات الاستثنائية، كمحاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية، لكن الخطاب تغير إلى احترام التعددية السياسية، والديمقراطية. لم يتحقق الخطاب الوردي في الواقع أبدً،ا لكنه استمر مرتكزًا أساسيًا يدافع به النظام عن شرعيته.

حركة القضاة 2005

مع الاندفاع في عملية الانفتاح الاقتصادي منذ أواخر السبعينيات، واحتياج مصر إلى قروض كثيرة، وبدء تأثيرات النخبة القانونية الجديدة من المدافعين عن حقوق اﻹنسان على مفردات القضاء، بدت الظروف متاحة لانتشار تنويعات مختلفة لمفهوم «سيادة القانون».

على سبيل المثال، حكمت المحكمة الدستورية ببطلان تشكيل مجالس الشعب اﻷربعة التي تشكلت بين عامي 1984 و 2000. لكن اﻷزمة تجلت في أوضح صورها في حركة القضاة عام 2005.

هدد مجلس إدارة نادي القضاة بعدم اﻹشراف على الانتخابات الرئاسية في 2005 إذا لم تتبنى الدولة إصلاحات جوهرية تضمن استقلال القضاء وتعديل قانون السلطة القضائية بما يضمن هذا الاستقلال. واشتعلت احتجاجات القضاة مرة أخرى بعد انتخابات مجلس الشعب في العام ذاته عقب اتهامات بالتزوير في عدد من الدوائر وتعرض عدد من القضاة المشرفين على الانتخابات لاعتداءات.

كما أعلن نادي القضاة رفضه لمشروع قانون جديد للسلطة القضائية أعدته الحكومة دون إشراك القضاة. وأعلن نادى القضاة بالإسكندرية عن تنظيم اعتصام للقضاة داخل ناديهم احتجاجًا على مسلك الحكومة في الامتناع عن تنفيذ مطالبهم.

وفي أبريل 2006، استدعى المستشار محمود أبو الليل، وزير العدل وقتها، المستشارين هشام البسطويسي ومحمود مكي، ليمثلوا للمحاكمة التأديبية بتهمة إهانة القضاء على خلفية انتقادهم لتزوير الانتخابات. وقام نادي القضاة بتنظيم اعتصام احتجاجي على ذلك القرار شارك فيه عدد كبير من القضاة والمواطنين. وفي مايو 2006، خرجت مظاهرات في وسط القاهرة احتجاجًا على محاكمة البسطويسي ومكي، وقامت قوات الأمن باعتقال 300 متظاهر.

وانحسرت حركة القضاة بعد صعودها في منتصف 2006. وبعد ثلاث سنوات، فقد تيار الاستقلال القضائي سيطرته على نادي القضاة بعد فوز المستشار أحمد الزند برئاسته.

القضاة والإخوان

اشتعلت المواجهة بين جماعة اﻹخوان المسلمين والمحكمة الدستورية بعد مرور أشهر قليلة من بدء حكم الرئيس اﻷسبق محمد مرسي في 2012.

كانت المحكمة الدستورية قد بدأت في نظر دعويين قضائيتين؛ اﻷولى تطالب بحل مجلس الشورى، بينما تطعن الثانية في دستورية قانون معايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع دستور جديد. وفي نوفمبر 2012، وقبل الجلسة المحددة لنظر القضيتين بعشرة أيام، أصدر مرسي إعلانًا دستوريًا تضمن تحصين أعمال الجمعية التأسيسية للدستور، ومجلس الشورى من الحل.

وفي اليوم المقرر لنظر الدعاوى، احتشد اﻵلاف من أنصار اﻹخوان المسلمين وضربوا حصارًا حول المحكمة الدستورية للضغط على القضاة. ونقل موقع أخبار مصر، التابع للتليفزيون الحكومي، أن المتظاهرين أقاموا منصة أمام بوابتي الدخول للمحكمة، كما قاموا بوضع مكبر صوت عليها، رددوا من خلاله الهتافات المناوئة للمحكمة وقضاتها، ورفعوا لافتات وشعارات تؤيد الإعلان الدستوري الصادر مؤخرًا، ومشروع الدستور المطروح للاستفتاء.

وكرد فعل لهذا، أعلنت المحكمة الدستورية العليا تعليق العمل في جميع القضايا المنظورة أمامها لأجل غير مسمى.

اعلان
 
 
محمد حمامة