Define your generation here. Generation What
مصائب قومٍ عند البورصة صعود تاريخي
 
 

رغم صعود البورصة التاريخي الأسبوع الماضي، إلا أنها لا تزال تمثل نسبة ضئيلة من الاقتصاد مقارنةً بالسنوات السابقة للثورة. ويرى محللون تحدثوا لـ«مدى مصر» أن هذا الصعود التاريخي ليس له فائدة مباشرة للاقتصاد الذي تأزم لنفس الأسباب التي صنعت هذه القفزة الكبيرة، بل إن مستويات معيشة المصريين عانت من خلال تدهور التوظيف وتآكل قدراتهم على الشراء.

وقال الرئيس السابق للجمعيتين المصرية والعربية للاستثمار المباشر، هاني توفيق، لـ«مدى مصر»، إن طفرة في إقبال الأجانب على شراء أسهم بالبورصة المصرية، دفعت بالمؤشر الرئيسي إلى أعلى مستوى في تاريخه، بسبب استفادتهم من تحرير سعر الصرف وشعورهم بالأمان فيما يتعلق بإعادة تحويل العملة الأجنبية مضافًا إليها الأرباح المحققة في السوق المصرية.

كان المؤشر الرئيسي في البورصة المصرية، EGX30، قد حقق أعلى مستوى في تاريخه يوم الخميس 22 ديسمبر عند 12.420 نقطة استكمالاً للقفزة التي حققتها البورصة خلال شهري نوفمبر وديسمبر وتحديدًا بعد أن أعلن البنك المركزي عن تحرير سعر الصرف.

وكان البنك المركزي المصري قد حرر سعر الصرف يوم الخميس 3 نوفمبر، مما خفض الجنيه إلى نصف قيمته خلال أيام معدودة ثم وصل إلى 18.85 للدولار في البنك الأهلي، اليوم الثلاثاء، مقارنة بـ 8.88 جنيه قبل تحرير سعر الصرف، بالإضافة إلى رفع سعر الفائدة 3% مرة واحدة. فيما أعلنت الحكومة في نفس اليوم استكمال خفض الدعم على المواد البترولية.

القطاع المالي يتربح مدفوعًا بتدفقات أجنبية

يقول توفيق إن تحرير سعر الصرف «تسبب في انخفاض قيمة الأصول بالنسبة إلى الأجانب، ومن ضمن تلك الأصول الأسهم»، موضحًا أن «كل سهم في شركة يعبر عن ملكية في مباني ومصانع وماكينات ومعدات تلك الشركة»، مما يعني أن المشتري الأجنبي أصبح يملك تلك الأصول بنصف قيمتها قبل التعويم.

ويضيف عمر الشنيطي، المدير العام لمجموعة «مالتيبلز» للاستثمار، لـ«مدى مصر» أنه «يرجع اهتمام المستثمرين الأجانب بالاستثمار في الأوراق المالية المصرية إلى توقع ارتفاع أسعار الأصول من خلال عملية إعادة التسعير المترتبة على تغير سعر العملة، والتي عادةً ما تأخذ بضعة أشهر للأصول الثابتة ما ينعكس في مرحلة ما على سعر الأسهم.  وبالتالي من يشتري الآن في البورصة يتوقع أن قيمة جزء من تلك الأصول مقوم بالدولار، مما يعني أن أسعارها سترتفع خلال الأشهر القادمة».

وحقق المستثمرون الأجانب صافي مشتريات بقيمة 3.759 مليار جنيه مصري خلال نوفمبر، وبقيمة 1.38 مليار جنيه في الفترة من 4 ديسمبر وحتى 22 ديسمبر. وحققت المؤسسات المالية المصرية في شهر نوفمبر صافي مبيعات يصل إلى حوالي 2 مليار جنيه، و952 مليون جنيه في الأسابيع الثلاثة الأولى من ديسمبر، حسب تقارير البورصة. والجدير بالذكر أن صافي تعاملات الأجانب غير العرب قد سجلت صافي شراء قدره 5.8 مليار جنيه منذ بداية العام وحتى الخميس 22 ديسمبر.

وقد يعود إقبال المستثمرين الأجانب أيضًا إلى وجود سعر واحد للدولار، وفقًا لتوفيق، بعدما كان وجود سوق سوداء للعملة قبيل التعويم يثير مخاوف المستثمرين من خسارة الفرق بين السعر الرسمي والسعر غير الرسمي للدولار.

«في فترات انتعاش البورصة المصرية يستحسن أن نبحث عن أسباب ازدهار المضاربات وليس أسباب اقتصادية لازدهار السوق»

وتمثل القيمة السوقية، التي تعبر عن إجمالي القيمة السعرية لكل الأسهم المسجلة في البورصة بناء على سعرها في لحظة محددة، حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي المنقضي، بحسب بيانات البورصة، وهي قيمة أقل بكثير من ذروتها عام 2007، حين كانت تمثل 107% حسب بيانات البنك الدولي. ويُرجِع توفيق هذا الفارق إلى انخفاض عدد الشركات المدرجة في البورصة، والذي بدأ مع اتباع البورصة لقواعد أكثر صرامة في التسجيل قبل ثورة يناير، بالإضافة إلى ارتفاع الناتج القومي الإجمالي.

وانخفض عدد الشركات المدرجة في البورصة المصرية إلى 222 شركة في نوفمبر 2016 من 435 شركة في 2007. كما كانت المؤشرات الكلية للاقتصاد في تلك الفترة في صعود استجابة لسياسات تحفيز الاستثمار التي اتبعتها حكومة رئيس الوزراء آنذاك أحمد نظيف، والتي تضمنت تسهيلات ضريبية وبيع شركات عامة. ووصل معدل نمو الناتج المحلي في السنة المالية 2007/2008 إلى 7.2%، فيما وصل صافي الاستثمارات الأجنبية إلى حوالي 13 مليار دولار حسب بيانات البنك المركزي.

ويرى محمد سلطان، الباحث في الاقتصاد المالي، أن البورصة المصرية تختلف عن بورصات أخرى أكثر تأثرًا بالأساسيات الاقتصادية، مضيفًا لـ«مدى مصر» أنها «ليست مرتبطة لا بأساسيات الشركات ولا أساسيات الاقتصاد. وبشكل ما تحركها دوائر المضاربات، لذلك في فترات انتعاش البورصة المصرية يستحسن أن نبحث عن أسباب ازدهار المضاربات وليس أسباب اقتصادية لازدهار السوق». ووفقاً لسلطان، فإن استقرار سعر الصرف هو أحد تلك العوامل المطمئنة للمضاربين.

كانت البورصة المصرية قد شهدت عام 2015 قيد شركات جديدة بقيمة ستة مليارات جنيه. وتنتظر البورصة حاليًا إدراج بنوك وشركات بترول حكومية في الفترة المقبلة، كما أعلن أشرف غزالي، الرئيس التنفيذى لشركة «إن أى كابيتال» للاستشارات المالية، أحد أذرع بنك الاستثمار القومى، مضيفًا أن الحكومة تعتزم بدء برنامج خصخصة شركات مملوكة للدولة، بعضها من خلال الإدراج في البورصة، حيث توقع البدء بثلاث شركات العام المقبل.

ولم يقتصر اهتمام الأجانب بعد تحرير سعر الصرف على الأسهم فقط، فقد ارتفعت قيمة حيازتهم للسندات وأذون الخزانة الحكومية خلال الفترة من 3 نوفمبر حتى 16 نوفمبر بما يتراوح بين 700 و900 مليون دولار، كما نقلت وكالة أنباء رويترز وقتها عن مساعد وزير المالية للسياسات المالية، أحمد كوجك.  

«المستثمرون الذين يشترون سندات حكومية يتوقعون أنه لا توجد عوائق أمام تحويل أرباحهم في السوق المصرية إلى دولار بسبب اقتراض مصر من صندوق النقد الدولي، مما رفع السيولة الدولارية»، كما يقول الشنيطي مفسرًا.

نتج عن ارتفاع الأسعار المترتب على سياسات التقشف والفائدة وتعويم سعر الصرف أن «تآكلت القوى الشرائية للناس بشكل كبير»

وكان الشنيطي قد قال لـ«مدى مصر» في حوار سابق إن ذلك النوع من الاستثمارات الأجنبية قصيرة المدى أو الأموال الساخنة كما يسمونها، تتميز بأنها تأتي سريعًا، لكن المشكلة أنها تخرج سريعًا أيضًا، وذلك هو ما حدث في عام 2011.

واستلمت مصر الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار، يوم الجمعة 11 نوفمبر بقيمة 2.75 مليار دولار.

وبرغم زيادة الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية في الفترة اللاحقة لتحرير سعر الصرف، إلا أن ذلك لم ينعكس على قيمة الجنيه، التي انخفضت بنسبة 112% منذ التعويم حتى اليوم. ويقول الشنيطي إن «تدفق الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية لم يؤثر على سعر الدولار حتى الآن بسبب مرور العملة حاليًا بفترة تأقلم، حيث ستستمر في التذبذب قبل استقرارها على سعر عادل خلال الأشهر المقبلة»، مضيفًا أن «ارتفاع سعر الجنيه في الفترة الأخيرة يرجع لعوامل سابقة عن التعويم مثل فتح اعتمادات لعدد كبير جدًا من المستوردين بالدولار مغطاة بالجنيه، مما ضاعف الالتزامات على المستوردين، بالإضافة إلى التزامات على الشركات التي ترغب في تحويل أموالها إلى الخارج. وبالتالي أصبح هناك طلب مرتفع على الدولار من المستوردين والشركات الأجنبية العاملة في مصر، ما أدى إلى زيادة التذبذب، وهو ما لن يستمر طويلاً».

ولا تقتصر استفادة القطاع المالي من التعويم على البورصة إذ تمتد للبنوك المصرية. فقد رجح تقرير مؤسسة التصنيف الائتماني «موديز» الصادر في 7 نوفمبر أن تستفيد من تحرير سعر الصرف إذا ما نجحت مجهودات الحكومة لجذب استثمارات أجنبية وتحسين تنافسية مصر في التجارة الدولية، لما يترتب عليه من رفع إتاحة الدولار في البنوك، وإضافة قدرتها على التوسع في نشاطها.

الاقتصاد الحقيقي يعاني ومعيشة المصريين مهددة

وفي الوقت الذي يتربح فيه المستثمرون الأجانب والقطاع المالي المصري من تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة، كانت آثار تلك الإجراءات على مستوى الأسعار العام والوظائف سلبية. فارتفع معدل التضخم السنوي إلى أعلى مستوياته في ثماني سنوات، إلى 20.2% في نوفمبر الماضي مقارنة بنوفمبر 2015، متأثراً بالقرارات، التي تضمنت أيضاً تطبيق ضريبة القيمة المضافة وزيادة الجمارك على عدد من السلع.

وتوضح دراسة مؤشر مشتريات المدراء لشهر ديسمبر أن القطاع الخاص استمر في الانكماش للشهر الرابع على التوالي في نوفمبر بسبب ارتفاع أسعار المشتريات لأعلى مستوى منذ بداية الدراسة في إبريل 2011، وانخفاض الطلبات الجديدة، مما أدى لهبوط معدل التوظيف للشهر الـ18 على التوالي. وحسب الدراسة، «قام عدد من الشركات بترحيل ارتفاع التكاليف إلى أسعار المنتجات. ونتيجة لذلك لجأت بعض الشركات إلى تقليل أعداد موظفيها في محاولة لتخفيض التكاليف».

كما يشير بارومتر الأعمال الصادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية في شهر ديسمبر، إلى أن ضغوط نقص العملة في الفترة من يوليو إلى سبتمبر أدت إلى ارتفاع تكاليف الخامات ومستلزمات الإنتاج، مما ترتب عليه انخفاض مؤشر توقعات النمو إلى أدنى مستوى له خلال عامين، مما انعكس على مؤشر التشغيل الذي انخفض لأدنى مستوى له خلال عامين أيضًا.

اتخذ المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة عبد الفتاح السيسي 17 قراراَ في اجتماعه الأول يوم 17 نوفمبر تتضمن إعفاءات ضريبية تهدف لخفض الواردات وزيادة الصادرات وطرح للأراضي مجانًا في الصعيد وبأسعار مخفضة في المدن الجديدة

ونتج عن ارتفاع الأسعار المترتب على سياسات التقشف والفائدة وتعويم سعر الصرف أن «تآكلت القوى الشرائية للناس بشكل كبير»، على حد قول الشنيطي الذي توقع «ارتفاع معدلات الفقر».

وقالت هبة الليثي، مستشارة جهاز التعبئة والإحصاء والمشرفة على بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذي يصدره الجهاز، لجريدة الشروق يوم 12 ديسمبر، إنها تتوقع زيادة معدلات الفقر إلى 35% من إجمالي الشعب المصري. وتعتمد توقعات الليثي على حساب زيادة الأسعار بنسبة 15% فقط، وهي نسبة أقل من التضخم في ديسمبر، نتيجة رفع أسعار الكهرباء وفرض ضريبة القيمة المضافة في ظل ثبات رواتب المصريون.

وليس من المتوقع أن تكون الإجراءات الاقتصادية الأخيرة نهاية المطاف. عند سؤال كريس جارفيس، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، عن كيفية مساهمة قرض الصندوق في دعم النمو، قال لقناة سي بي سي المصرية يوم السبت 12 نوفمبر، إن «هناك عدة طرق لتحقيق ذلك، أولاً تحرير سعر الصرف ونتيجة لذلك يُتاح النقد الأجنبي»، مضيفاً أن «تقليص قيمة سعر الصرف سيحفز التصدير ويحقق النمو خالقاً فرص عمل». ويخالف ذلك وضع القطاع الخاص في الشهرين الماضيين منذ التعويم، بينما يتوقع توفيق أن تفلس بعض الشركات على خلفية ارتفاع الأسعار مؤدية إلى زيادة البطالة واستمرار حالة الركود الاقتصادي.

مستثمرون ينتظرون المزيد

هل يمكن أن يستمر صعود البورصة في هذا السياق الاقتصادي؟ يرى توفيق أن استدامة نمو المؤشرات والاستثمار في البورصة مقرونة باستمرار الحكومة في البرنامج الهيكلي، مضيفًا أن ذلك يتضمن «استكمال السبعة عشر قرارًا التي اتخذها المجلس الأعلى للاستثمار وتفعيلها، وإصدار قانون الاستثمار الجديد الذي يناقش حاليًا، وطرح الأراضي وبدء العمل بمنطقة محور قناة السويس الجديدة وعرضها على الأجانب».

كان المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة عبد الفتاح السيسي قد اتخذ 17 قراراَ في اجتماعه الأول يوم 17 نوفمبر تتضمن إعفاءات ضريبية تهدف لخفض الواردات وزيادة الصادرات وطرح للأراضي مجانًا في الصعيد وبأسعار مخفضة في المدن الجديدة. كما تعكف الحكومة حاليًا على مراجعة تشريعات اقتصادية تتضمن قانون الاستثمار الجديد ومشروع قانون الإجراءات الضريبية الموحد ومشروع قانون جديد للجمارك ومشروع قانون ضريبي جديد للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

يعتبر توفيق أن الأهم من صعود المؤشر نفسه هو حجم الأموال التي تدخل السوق، مبررًا ذلك بأن «المؤشر ممكن أن يرتفع بطريقة اصطناعية» وأن «الناس كانوا  يشترون بتوقع التعويم وبتوقع الإصلاح الاقتصادي»، رابطًا استمرار التدفقات المالية في البورصة باستمرار الإجراءات الاقتصادية.

اعلان