Define your generation here. Generation What
إيجاد طرق للاستمرار.. الخيار الصعب للمجتمع المدني بعد عامٍ قاسٍ
 
 

كان 2016 هو العام اﻷول الذي شعر فيه كريم ياسين جوسينجر بأنه ملاحق ومهَدد.

أسس «جوسينجر» معهد القاهرة للفنون الحرة والعلوم  في عام 2013، بمبادرة واستثمار شخصيين. تطور المعهد بعد ثلاث سنوات ليصبح فضاءً تعليميًا متكاملًا، يقدم برنامجًا تعليميًا يمتد لعام كامل، كما يتيح معامل تجريبية في مجالات مختلفة، منها الترجمة والبيئة المحيطة والإعلام.

وبرغم أن المعهد قدم في العام الذي يوشك على الانتهاء دورات عن النخبوية والقمع والمقاومة، إلا أن العام نفسه شهد عقبات عديدة، كان أبرزها رفض الجهات المسؤولة حصول المعهد على منحة لتنمية نشاطه إضافة إلى تقييد قدرته على استخدام المساحة التي كان يعمل من خلالها منذ إنشائه في منطقة الغورية. في لحظة ما تعطل العمل واضطر بعض أعضاء الفريق إلى الانسحاب.

كان العام قد بدأ بمقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي كان يتردد على المعهد. عُثر على جثة ريجيني في يناير 2016 على جانب طريق سريع في القاهرة، وقد ظهر عليها آثار تعذيب بشع، وذلك بعد أسابيع من الإعلان عن اختفائه. في وقت لاحق، وخلال التحقيقات الجارية، قال مسؤولو النيابة المصريةإن ريجيني كان تحت المراقبة قبل وفاته.

ظلت قصة ريجيني في ذهن «جوسينجر» وزملائه.

يقول «جوسينجر» إنه العام الذي قاموا فيه بالكثير من التفكير في برامجهم، ثم وجدوا أنفسهم  راغبون في الاستكمال.

حاليًا، يستعد المعهد لبرنامج دراسي جديد يمتد على مدار عام، ويبدأ في يناير المقبل، بدورات  في عدد من الموضوعات، منها الوطنية، والنوع الاجتماعي، والجنوسة، وما بعد الاستعمار.

معهد القاهرة للفنون الحرة والعلوم هو واحد من مجموعات المجتمع المدني المختلفة التي عقدت العزم على الاستمرار في العمل رغم التضييق المتزايد على أنشطتها خلال العام المنقضي، والذي كان في مقدمته إصدار قانون الجمعيات الجديد وإعادة فتح قضية تنظرها المحاكم ضد عدد من المنظمات، إضافة إلى التضييق الإجرائي الذي اعتاد الكثير من المنظمات عليه.

استحالة تصور دولة حديثة بدون مجتمع مدني كان هو الدافع الأساسي لقرار الكثير من العاملين في تلك المنظمات بالاستمرار  والمقاومة.

«كل من حولي قالوا لي: يجب أن تغلقي وأن تنسحبي. لكن شباب ألوان وأوتار قالوا: لا بد أن نستمر. لقد تحولوا إلى القوة الدافعة بعد أن فقدنا مكاننا ولم تكن لدينا أي فكرة عما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية».

«العمل في التنمية ليس لضعاف القلوب. والإغلاق لن يكون حلًا أبدًا، طالما نحن شغوفين بما نقوم به»، تقول عزة كامل، التي أسست في عام 2005 جمعية ألوان وأوتار، وهو مركز مجتمعي تعليمي للأطفال في مناطق محدودة الدخل.

واجهت «كامل» عقبات إدارية مختلفة انتهت في عام 2014 بإغلاق المركز المجتمعي، الذي كانت قد بدأته في منطقة الزلزال في شمال المقطم، بعد سنوات من العمل وبناء جمهور للمركز هناك.

كان 2014 هو العام نفسه الذي ألقت فيه السلطات القبض على آية حجازي وزوجها وأفراد آخرين من العاملين والمتطوعين بمؤسسة بلادي، التي كانت تعمل مع أطفال الشوارع منذ عام 2013، وتم اتهامهم باستغلال الأطفال لدفعهم إلى المشاركة في احتجاجات جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

تقول «كامل»: «فجأة اضطررنا إلى جمع أشياءنا والرحيل، وأصبح السؤال المطروح هو: هل نبحث عن طريقة للاستمرار أم نستسلم؟».

تستكمل: «كل من حولي قالوا لي: يجب أن تغلقي وأن تنسحبي. لكن شباب ألوان وأوتار قالوا: لا بد أن نستمر. لقد تحولوا إلى القوة الدافعة بعد أن فقدنا مكاننا ولم تكن لدينا أي فكرة عما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية». وفي الوقت الذي انقطع فيه الإمداد المالي للمنظمة نتيجة الإغلاق، اجتمع فريق العمل وحددوا أولويات احتياجات المنظمة. وفيما غادر بعضهم بإرادته استمر البعض الآخر  على أساس تطوعي.

تضيف «كامل»: «تضامن معنا الأهالي أيضًا، وكانوا مصرين على أن نستمر. حتى أن الأطفال كانوا يقابلوننا في الشارع ويسألون متى نعود إلى العمل».

لم يقتصر نشاط «ألوان وأوتار» على العمل مع الشباب والأطفال من خلال برنامج تعليمي شمل الفنون والثقافة والمهارات الحياتية، بل كان المركز يفتح أبوابه لأهالي الأطفال، خاصة الأمهات؛ لعقد جلسات ولقاءات مختلفة تناولت موضوعات تراوحت ما بين كيفية التعامل مع الأطفال إلى استخدام أدوات التجميل.

«هم يريدون أن يختصروا المجتمع المدني في شنط رمضان والعمل الخيري ودائرة التسول المحيطة به».

عادت «كامل» للتواصل مع الجهات المعنية لاستعادة التصاريح الخاصة بالمكان، مدعومة بتضامن فريقها الشاب في أغلبه، والذي يأتي 50% من أفراده من داخل المجتمع المحلي الذي يعمل به المركز. وفي النهاية تمكنوا من العودة إلى العمل مستخدمين مساحة منظمة شقيقة، في حين اعتمدوا على خبراتهم في تأسيس مراكز تعليمية مجتمعية للسعي إلى فتح مساحة جديدة في عزبة النصر، بالقرب من مدينة نصر.

مع تصميمها على الاستمرار ترى «كامل» أن العقوبات الواردة في قانون الجمعيات، والتي تجعل السجن عقوبة لمخالفات إدارية، هي عقوبات مخيفة. على سبيل المثال يعاقب القانون الجديد بالسجن، لفترة قد تصل إلى عام، كل من نقل مقر جمعية إلى مكان آخر دون إخطار السلطات.

لكنها تعتقد أيضًا أن القانون سيستخدم في النهاية لاستهداف من تريد السلطات استهدافه. تقول: «هم يريدون أن يختصروا المجتمع المدني في شنط رمضان والعمل الخيري ودائرة التسول المحيطة به».

حين صدر قانون الجمعيات في نوفمبر، التقى برلمانيون مع ممثلين عن المجتمع المدني لطمأنتهم بشأن القانون الجديد. وكان من بين المشاركين الأساسيين ممثلين عن كبرى منظمات المجتمع المدني مثل بنك الطعام ورسالة ومصر الخير وأهل مصر، والذين قال لهم البرلمانيون إنهم ليسوا المستهدفين الحقيقيين من هذا القانون، وإنما مجموعات أخرى تمثل مصدرًا للخطر، خاصة تلك التي تتلقى تمويلًا أجنبيًا.

«على أي أساس تم اختيار هؤلاء الممثلين؟»، تتساءل داليا عبد الله، مشيرة إلى الطبيعة الخيرية لأغلب تلك المنظمات.

«إذا كان لدى الحكومة مخاوف بشأن الأمن القومي، يجب عليهم أن يحددوا ما يمثل تهديدًا للأمن القومي، وإلا فإنهم يستسهلون الهجوم والمنع».

«عبد الله» هي مديرة مؤسسة التعبير الرقمي العربي «أضِف» التي تعمل مع شباب مصري وعربي في مجالات الثقافة الحرة والتعبير عن الذات والتقنية، في مراكز مجتمعية ومعسكرات سنوية.

متفقة مع وجهة نظر «كامل»، تقول «عبد الله»: «سوف يستخدمون القانون كيفما يريدون».

وتضيف: «إذا كان لدى الحكومة مخاوف بشأن الأمن القومي، يجب عليهم أن يحددوا ما يمثل تهديدًا للأمن القومي، وإلا فإنهم يستسهلون الهجوم والمنع».

من جانبه، يعتقد خالد منصور، وهو  كاتب وخبير في شئون التنمية والمجتمع المدني، أن القانون الحالي غير منطقي حتى في ما يخص وضع جميع اللاعبين تحت سيطرة محكمة للنظام.

يفسر: «كأن الحكومة الحالية تطلق النار على قدم الدولة المصرية. فهي تضعف دولة غير قادرة على توفير الخدمات، وذلك من خلال إضعاف المجتمع المدني». فيما يقول إن الدولة في الستينات كان بينها وبين الشعب عقد اجتماعي، ومن ثم خلقت وتولت رعاية المجتمع المدني. مؤكدًا أنه في غياب سيناريو شبيه اليوم، يصبح إضعاف المجتمع المدني، بما في ذلك عنصره الاجتماعي والاقتصادي، أمرًا خطيرًا.

ويعتقد منصور أن تشريعًا شديد التقييد سوف يؤدي إلى أمرين: انتقائية في تطبيق القانون، ودفع آخرين للاستمرار في العمل خارج إطار القانون. وهو يرى أن وجود تشريع شديد التضييق «يصيب حكم القانون بمزيد من الضرر».  

مع تخوفها من أن تصبح ضحية للاستهداف الانتقائي تطرح «عبد الله» أربع طرق للتعامل مع القانون والقيود الأخرى المتوقعة. إحداها هي العمل بطريقة شفافة. ومن ثم، فهي، مثل آخرين، سوف تستمر في برامجها كما هو مخطط لها. تقول: «سوف أستمر في عملي بنفس الطريقة لأنني في كل الأحوال لا أعلم من أي مصدر سوف يأتي الخطر. لن أغير برامجي وإلا سوف أفقد سبب وجودي أًصلا».

الاستراتيجية الأخرى التي بدأت تفكر فيها كثيرًا مؤخرًا هي بناء الصلات والتشبيك ما بين منظمات المجتمع المدني المنخرطة في نشاط ذي معنى.

في حين تتحدث عن الأهم من ذلك، وتقول: «نحن في حاجة إلى تقوية قاعدتنا المجتمعية. مجتمعنا هو خط دفاعنا». وبجانب البرامج المستهدفة تعتقد «عبد الله» أن عليهم أن «يدعموا ثقة العاملين معهم ودورهم كعاملين في المجتمع المدني».

يطل مكتب «عبد الله» على مساحة جدرانها مليئة بقطع جرافيتي مختلطة ومميزة، اشترك في رسمها وتلوينها عاملين في «أضِف» وأفراد من أهالي منطقة المقطم حيث يقع مقر المؤسسة.

المساحة المجتمعية في “أضِف” - المصدر: حساب "أضِف" على تويتر

بالنسبة لها لا يتعلق الأمر بالوجود، حيث ترى أن وجودهم حتمي، لكنه يتعلق بكيفية تجاوز لحظة صعبة. «المعرفة والوعي الثقافي أمران شديدا الأهمية في تنمية الأجيال. هناك تدهور ثقافي وتعليمي، وهناك غياب شديد للوعي بأهمية هذين المجالين. قد لا ننخرط في السياسة وحقوق الإنسان، لكننا لن نتوقف عن العمل على التنمية الثقافية والفنية. فالنظام سيذهب لكن الناس باقون، وسوف يحتاجون إلى ذلك».

وإن كانت هذه خيارات العاملين في منظمات المجتمع المدني المعنية باﻷساس بالتثقيف، فماذا عن خيارات المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان، والتي تبدو في خط المواجهة الأول في معركة السلطة الحالية ضد معارضيها؟ وهي المنظمات التي تأسس بعضها كشركات محاماة نشاطها الرئيسي هو تقديم الدعم القانوني لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

التسجيل في وزارة التضامن الاجتماعي، أو الإغلاق، أو السجن، هي الخيارات الثلاثة المتاحة أمام هذه المنظمات، بحسب عماد مبارك، الذي أسس في عام 2006 مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والتي تعمل في مجالات الثقافة، والمعلومات، وسياسات الإعلام، إضافة إلى الحريات الأكاديمية. وذلك من خلال البحث والتوثيق والدعم القانوني ضمن أنشطة أخرى.

مؤخرًا، انتقلت مؤسسة حرية الفكر والتعبير إلى مقر أصغر قليلًا من مقرها السابق في وسط القاهرة، وأمام مكتب تعلوه شجرة عيد ميلاد صغيرة وزينتها بسيطة جلس «مبارك».

رغم أنباء إغلاق منظمات حقوق الإنسان وانتقال أنشطة بعضها إلى خارج مصر، يظل لدى «مبارك» تصور عن كيفية الاستمرار في العمل. وحيث أنهم بالأساس محامون حقوقيون فهو يعتقد أن تقديم الدعم القانوني مع تحويل باقي الأنشطة إلى مجموعات أخرى هو الخيار القانوني الأفضل.

على سبيل المثال، فهو يرى أن مجموعات غير مؤسسية يمكن أن تقوم بالجانب الدعائي في عملهم، مثل تلك المجموعات التي ظهرت بعد ثورة 2011 واهتمت ببعض قضايا حقوق الإنسان وجعلت حقوق الإنسان مرجعيتها، بدلًا من اعتماد أيديولوجية سياسية محددة.

يقول «مبارك»: «طالما تساءلت عما إذا كنا نعمل نيابة عن مجموعات مستهدفة أو معها. على سبيل المثال يمكننا أن نقدم الدعم القانوني للطلاب مثلما كنا نفعل طوال الوقت، ويمكن أن يتولوا هم الجانب الدعائي في القضايا التي تخصهم. الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على مجموعات الفنون والثقافة في ما يتعلق بالسياسات الحاكمة لأعمالهم».

يبحث «مبارك» كذلك عن سبل لتعزيز الممارسة القانونية الباقية لهم. «هل عملنا بما يكفي في ما يخص التقاضي الاستراتيجي؟ هل يمكن أن نعمل على خلق مبادئ قانونية جديدة؟ وماذا عن طرح تشريعات بديلة بدلًا من الاقتصار على التعليق على التشريعات الحكومية؟».

وهو يرى أن الأزمة تطرح فرصة لتقييم ذاتي متأخر لحركة حقوق الإنسان، حيث يمثل التكوين المؤسسي قضية حيوية يجب تناولها.

«هل عملنا بما يكفي في ما يخص التقاضي الاستراتيجي؟ هل يمكن أن نعمل على خلق مبادئ قانونية جديدة؟ وماذا عن طرح تشريعات بديلة بدلًا من الاقتصار على التعليق على التشريعات الحكومية؟».

ويتساءل: «هل نرغب في الاستمرار كمنظمات احترافية أم منظمات ذات عضوية واسعة؟».

ولكن هل لا بد من الاختيار بين الاثنين؟

يعتقد «مبارك» أن العضوية الواسعة تعني التنازل عن التخصص، حيث أن الأطراف المعنية بالمنظمة سوف تكوّن قاعدة عضويتها بما تملكه من خبرات.

كان جيل المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي تلا المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ومركز هشام مبارك للقانون، اللذيّن كانا بمثابة رواد الحركة في الثمانينات، قد اختار التخصص. ركز البعض على حرية التعبير، في حين ركز آخرون على التعذيب ، وغيرهم على الحقوق الشخصية.

يقول «مبارك»: «هذا التخصص كان له آثار إيجابية على تلك القضايا». إلا أن هذا الاحتراف ترتب عليه عدم الالتفات إلى «بناء قاعدة جماهيرية واسعة وقبول مجتمعي».

يتمثل أحد سبل الجمع ما بين الهيكلين في إمكانية أن تقوم قطاعات ضمن المجموعات المستهدفة بالدعم المالي لعمل المنظمة، على حين تصبح القطاعات الأخرى جزءًا منها. يعود «مبارك» إلى عملهم مع الحركة الطلابية حيث يقوم أعضاء من هيئة التدريس بدعمهم ماليًا ليتمكنوا من التمثيل القانوني للطلاب.

وفي حين تفكر  «كامل» و«عبد الله» في الدعم المجتمعي باعتباره أحد وسائل الدفاع، يرى «منصور» كذلك أنه لا بد من فكر جديد بشأن التنظيم في مجال حقوق الإنسان؛ يجمع ما بين الاحتراف والتواصل المجتمعي.

يقول: «طالما عمل المدافعون عن حقوق الإنسان على أساس أن احترام الحقوق المدنية والسياسية سوف يترتب عليه باقي الحقوق. اليوم أصبح على الحركة أن تدرك العلاقة بين الحقوق والتحديات الاقتصادية اليومية. وإلا فإنه نتيجة الممارسة الاحترافية سوف يصبح لديك مجموعة صغيرة من الأفراد حسني النية يمثلون المجتمع ولكن يفتقدون إلى دعمه».

اعلان
 
 
لينا عطاالله