Define your generation here. Generation What
«البرّ التاني»: رواية الدولة عن الهجرة غير المنظمة
 
 

يبدأ فيلم «البرّ التاني» بشاشةٍ سوداء مع ملاحظة شُكرٍ لنبيلة مكرم، وزيرة الهجرة وشئون المصريين المُغتربين بالخارج. وكانت مكرم قد حضرت العرض الأول في 19 نوفمبر الماضي لتقديم الفيلم، الذي أُدرِجَ في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بعد حذف فيلم «آخر أيام المدينة»، للمخرج تامر السعيد، في أكتوبر الماضي.

ووفقًا لما جاء في الكتيب الفاخر الذي كان يُوزَّع في العرض، فقد ساعدت مكرم فريق الفيلم في الحصول على تأشيراتهم للتصوير في إسبانيا بعد أن قوبلوا بالرفض من قبل. وقالت الوزيرة للجمهور، الذي ملأ القاعة الرئيسية لدار الأوبرا المصرية، إنها تأمل أن يرفع الفيلم الوعي بمخاطر الهجرة غير المنظمة عبر البحر.

ويتناول فيلم «البرّ التاني» قصة ثلاثة شباب مصريين من الريف قرروا الدفع لسمسار لكي يجد لهم مكانًا على متنِ قاربٍ يحمل حوالي 100 شاب مصري إلى إيطاليا، باحثين عن مستقبلٍ أفضل لهم ولعائلاتهم.

ويأتي الفيلم، الذي يُعد الأول من نوعه في معالجة هذا الموضوع، في وقتٍ تصل فيه أعداد المصريين الذين يعبرون البحر إلى رقمٍ قياسي. وبينما تعد أغلبية من يقومون بهذه الرحلة الخطِرة عبر البحر المتوسط من اللاجئين، من سوريا وفلسطين ودولٍ أفريقية، ارتفع عدد المصريين من 344 في 2015 إلى 2634 في 2016، وفقًا للبيانات الصادرة من مفوَّضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين (UNHCR)، مما يجعل المصريين ضمن أعلى عشر جنسيات تحاول عبور البحر. وكان 200 مهاجرًا غير منظمٍ قد غرقوا في البحر، في سبتمبر الماضي، قبالة رشيد الواقعة في الساحل الشمالي لمصر.

الفيلم من إخراج علي إدريس، الذي تضمنت أعماله، في معظمها، أفلامًا كوميدية تجارية، مثل «الدادة دودي» (2008)، و«التجربة الدنماركية» لعادل إمام (2003)، وكتبته زوجته ومعاونته أحيانًا زينب عزيز.

كان من الممكن أن أكتب عن الشخصيات، ولماذا دفعوا لمُهرِّب ليجدوا لأنفسهم مكانًا على قاربٍ متهالك، أو كيف كانت الحياة على هذا القارب الخطير، لكن ليس هناك الكثير لقوله سوى أنهم فقراء. هم ببساطة يكافحون ويريدون إما الزواج وبناء أسرة، أو البحث عن حياةٍ جديدةٍ في أوروبا، منهم ربّ الأسرة سيد (يُجسِّده محمد علي، وهو أيضًا منتج الفيلم)، وفتى وحيد أمه (محمد مهران)، وزوجٌ لطيف ينتظر أن يصبح أبًا (عمرو القاضي). لكن بتصويرهم الكاريكاتيري لمفاهيم الفقراء، فهم لا يقدمون الكثير، سواء للمشاهدين ليربطوه بها، أو للممثلين ليعملوا عليها.

يعتمد «البرّ التاني» على ما تسميه أمي «وجع قلب»، لدفع المشاهدين إلى التعاطف مع شخصياته ومع المهاجرين غير المنظمين بشكلٍ عام. وبإقحام جانب الشفقة، تتجرَّد الشخصيات من إرادتها، وتحتل الميلودراما الدور الأبرز. وهكذا فالأمر أشبه بتصوير خالد يوسف لشخصياته في «حين ميسرة» (2007)، الذي بدأ بشكلٍ سيء ذلك النوع من «أفلام العشوائيات» إباحية الفقر.

يأتي الإنجاز الأساسي للفيلم بإنفاق الميزانية – 25 مليون جنيهًا، يقول محمد علي أنه وفَّرها من أعماله بمقاولات البناء – ليس على النجوم الكبار، بل على المعدات والطاقم المحترف والمؤثرات الخاصة. وتجري معظم أحداث الفيلم على القارب، ويمكن اعتبار مشاهد القارب جميعها جيِّدةً من الناحية الفنية، ليس فقط بمعايير الأفلام المصرية؛ فالتصوير في البحر ليس مهمةً سهلة، وقد نجح الفريق المصري – الإسباني في الحفاظ على مشاهد الفيلم، في معظمها، جذَّابة بصريًا.

لكن الإنجاز الفني والموضوع الآني المُلِح لفيلم «البر التاني» يقوِّضهما الإقحام الفج لرواية الدولة عن الهجرة غير المنظمة، بدلًا من محاولة فهم لماذا يعبر الناس البحر بصدق.

ولا يتعلق الأمر فقط بحبكة الفيلم الاختزالية وعديمة الحس، بل أن إعطاء الحاضرين جواز سفر وسلسلة مفاتيح على شكلِ قاربٍ كدعوة لحضور العرض الأول (كما هو مُوضَّح في الصورة أعلاه) قد اختزل المُعوِّقات الرهيبة التي يواجهها أغلب المهاجرين إلى مجرد حُلِي ترويجية. وقد اتبع ذلك نفس النهج التسويقي في دعوة الناس لالتقاطِ صورٍ لأنفسهم خلف القضبان في سيارة ترحيلات وهمية في دور السينما التي عرضت فيلم «اشتباك» لمحمد دياب الصيف الماضي. كانت شركة «ماد سولوشينز» هي من قدَّمت هذه الحيل الترويجية، وتُعتبر الشركة كيانًا رائدًا في تسويق الأفلام في المنطقة.

واحدة من نجوم الفيلم، وهي عفاف شعيب، التي ظهرت على شاشة التلفزيون لتدين المتظاهرين في ميدان التحرير خلال انتفاضة الثمانية عشر يومًا في 2011، كان قد أُجرِيَ معها حوارٌ عن الهجرة غير المنتظمة، من على السجادة الحمراء لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي كان يُبث حيًا على الشاشات. قالت شعيب: «أنا متعاطفة معهم، لكنني أيضًا منزعجة منهم. مصر مليئة بالفرص. رواتبهم لا تعجبهم، ولا يريدون العمل. أنت ترى الناس جالسين على المقاهي يدخِّنون الشيشة طوال اليوم. من أين يدفعون هذه النفقات؟» وفي برنامج «هنا العاصمة» للميس الحديدي، في حلقة 22 نوفمبر الجاري، قالت شعيب: «أتمنى أن يكون هذا الفيلم درسًا لكل الشباب المصريين».

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أدلى بتصريحاتٍ مشابهةٍ في خطابه بعد مأساة غرق رشيد في سبتمبر، حيث حثَّ الشباب على العمل وعلى أن يستثمروا في بلدهم المال الذي يدفعونه للمهرِّبين لنقلهم إلى الشواطئ الأوروبية. ووفقًا لشهود عيان، كانت استجابة الدولة لهذه المأساة شبه معدومة، حيث كان صيَّادون محليون هم من أنقذوا الناجين.

ما قاله السيسي بالأساس هو ما يقوله «البرّ التاني»، كما هو مُتوقَّع من فيلمٍ يعبِّر عن امتنانه لممثلةٍ عن المؤسسة الرئيسية للدولة التي تتعامل مع هذا الشأن. إذا عبرت البحر، ستذوق أهوالًا، ويسرقك خفر السواحل الإيطاليون الفاسدون، وتغرق. هذا الفيلم ليس إلا قصةً تحذيريةً معنيةً بإطلاق الأحكام، لا عملًا فنيًا يستكشف التركيبة المعقدة لأولئك الذين، كما قالت لينا عطالله، يفضِّلون المخاطرة بحياتهم في البحر عن الاستمرار في العيش في ظل الفقر والظلم والخوف.

______________

ترجمة: أشرف عمر

اعلان
 
 
روان الشيمي