Define your generation here. Generation What

كيف أخضعت الدولة موجات الـ«إف إم» للسيطرة

بينما تستحوذ أخبار دخول أحمد أبو هشيمة و«الأجهزة السيادية» بشكل مباشر إلى مجال شراء وإطلاق القنوات الفضائية، كمجموعة قنوات «أون» و«DMC» على اهتمام واسع، ليس هناك اهتمام مماثل بما يحدث في مجال الإذاعات التي تبث على موجات الـ«إف إم»، ويستمع إليها الملايين عبر هواتفهم المحمولة وفي سياراتهم أو في سيارات التاكسي ووسائل الانتقال المختلفة.

بعد ثورة 25 يناير كانت هناك محاولة من نجيب ساويرس، مالك قنوات «أون» وقتها، للحصول على حق البث لتردد FM، ولكن طلبه رُفض في محاولة من «النظام» للحفاظ على موجات الراديو بعد أن ضاعت منه السيطرة التليفزيونية، لدى الدخول إلى عصر الفضائيات التي تصعب السيطرة عليها بشكل كامل، الفضائيات التي اعتبرتها «الأجهزة الأمنية» من أسباب ما حدث في 25 يناير. لم تكن الأجهزة الأمنية بالتالي مستعدة للتخلي عن مجال آخر، حتى وإن بدا تأثيره في وقت من الأوقات ضعيفًا مقارنة بالفضائيات.

خريطة موجات الـ«إف إم»

تنقسم الإذاعات الموجودة على موجات الـ«إف إم» في مصر إلى ثلاثة أنواع:

1- الإذاعات الحكومية بالكامل، كإذاعات «البرنامج العام»، «الشرق الأوسط»، «صوت العرب»، «الشباب والرياضة»، «القرآن الكريم»، «إذاعة الأغاني»، «البرنامج الموسيقي»، «البرنامج الأوروبي»، «البرنامج الثقافي» و«راديو مصر».

2- إذاعات خاصة تتبع لشركة «النيل للإنتاج الإذاعي» المالكة لإذاعتي نجوم إف إم بالعربية، وNILE FM بالإنجليزية، بينما تمتلك شركة «دي ميديا» إذاعة الراديو 9090، وهي نفس الشركة المالكة لقنوات DMC.

3-إذاعات تعتمد على الشراكة بين اتحاد الإذاعة والتليفزيون والقطاع الخاص، ويمتلك فيها الاتحاد النسبة الأكبر مثل «ميجا إف إم»، «راديو هيتس»، «نغم إف إم»، و«شعبي إف إم».

ما بعد 25 يناير

برزت تجربة إذاعة «راديو مصر»، التي انطلقت عام 2009، واكتسبت أهمية كبرى مع يناير 2011، حيث كانت الوسيلة الوحيدة لمعرفة الأخبار مع انقطاع شبكة الإنترنت، كما استمرت أهميتها مع كل الأحداث اللاحقة لذلك التاريخ، وبالطبع اختلفت طريقة تعاملها مع الأحداث وهامش الحرية المتاح لها، مع اختلافات المناخ السياسي، وإن ظلت بشكل عام هي صوت «الدولة».

في نفس الوقت أدى المناخ الجديد إلى دخول أصوات جديدة ومختلفة للإذاعات الخاصة مثل أحمد العسيلي وعمر طاهر من المحسوبين على 25 يناير، حيث أصبح المناخ أكثر حرية واتساعًا، و ظهرت أغنيات الشيخ إمام الممنوعة منذ سنوات طويلة في الإذاعات الحكومية، كما ظهرت الفرق الغنائية مثل «إسكندريللا» و«كايروكي» بشكل واضح على الخريطة الغنائية لمختلف الإذاعات.

ما بعد يوليو 2013

كانت أولى الظواهر اللافتة للنظر هي قيام إذاعات الشراكة مثل «نغم» و«ميجا إف إم»، والمعتمدة بشكل أساسي على الترفيه والأغاني، بإذاعة موجز للأنباء كل نصف ساعة، يعبر بالطبع عن وجهة نظر النظام، ما كان متغيرًا لافتًا للنظر تبعه إطلاق إذاعة «نغم إف إم» لبرنامج «الشارع المصري» لمحمد الغيطي صاحب خبر أسر قائد الأسطول السادس، وهو برنامج لا يتسق مع إذاعة متخصصة في الأغاني، ويشارك فيها المنتج محسن جابر، مالك شركة «عالم الفن» وقناة «مزيكا»، ما اتضح معه أن الدولة لن تترك حتى الإذاعات الترفيهية، بل ستدفع برجالها إليها.

كانت هذه بداية مرحلة جديدة ستتحول فيها جميع الإذاعات بدرجات مختلفة إلى وسائل دعائية للنظام، حيث بدأت تذاع تنويهات عن «بطولات الجيش المصري» طوال حرب أكتوبر في مختلف الإذاعات، وحُشدت مجموعة من النجوم في مسلسل دعائي مباشر كان يذاع على أكثر من محطة إذاعية في نفس الوقت، وهو مسلسل «الأرض الطيبة» الذي تدور أحداثه حول ما بعد 30 يونيو والعمليات الإرهابية التي استهدفت الضباط والجنود في سيناء والمخطط الإرهابي ضد الدولة المصرية، ويلعب إياد نصار فيه دور ضابط بالقوات المسلحة بينما تلعب منة شلبي دور خطيبته.

مكافآت ومحاولات إبعاد

لم يقتصر الأمر على الحشد الدعائي الكامل والموحد، بل وصل أيضًا لمحاولات التخلص ممن هم محسوبون على 25 يناير، مثل ما حدث في يناير 2014 مع عايدة سعودي المذيعة في «راديو هيتس» التي علّقت على حكم براءة مبارك في برنامجها الإذاعي، لتستبعدها الإدارة الحكومية وتعيدها مكالمة من رئاسة الجمهورية، في إشارة تحذيرية لكل من يفكر في الخروج عن الخط المرسوم، وذلك قبل أن تستقيل سعودي نهائيًا من عملها بالقناة. وفي نفس الوقت تُمنح البرامج والفرص للمؤيدين القدامى والجدد كمكافأة على التأييد، وفي طريقة لرسم الخطوات التلميعية لنجوم النظام الجدد.

أكتوبر 2016.. السيطرة شبه الكاملة

تتغير خريطة الإذاعات المصرية كل ثلاثة أشهر خلال العام، وباستعراض التغيرات التي جرت في شهر أكتوبر على إذاعات «نغم» و«هيتس» و«ميجا» و«شعبي إف إم» تمكننا ملاحظة الكثير، ومن أطرف هذه التغيرات تقديم لاعب الكرة السابق خالد الغندور لبرنامج «الكرة في ملعبك» على إذاعة «شعبي إف إم» المتخصصة في الأغاني الشعبية، فلا يوجد احترام لفكرة تخصص الإذاعة، وإنما المهم هو إرضاء المؤيدين وإعطاء الفرص لهم.

وبنفس المنطق يقدم أحمد شوبير برنامجًا رياضيًا\سياسيًا على إذاعة «نغم إف إم»، وذلك في الخلطة المفضلة بين الاستفادة من الشغف بكرة القدم وخلطها بالسياسة.

كما كانت الاستراتيجية الأخرى في هذه الدورة الإذاعية هي الاستعانة بأصحاب نظريات التفاؤل الدائم، ممن يحتاجهم النظام في الفترة التي شهدت خفض قيمة الجنيه وزيادة أسعار الوقود، وذلك حتى يجد المواطن من يطالبه بالتفاؤل طوال الوقت، ويطلب منه عدم الاستماع للأصوات «المتشائمة» التي تتحدث عن المشكلات الحالية والمستقبلية. لذلك نجد أسماء مثل يسري الفخراني على «نغم إف إم»، وشريف منير الذي يقدم نسخة جديدة من «كلمتين وبس»، كما تذيع إذاعة «نغم إف إم» برنامج عمرو أديب التليفزيوني «كل يوم» على الهواء مباشرة.

بينما جاء استبعاد كل من عايدة سعودي وزهرة رامي من «راديو هيتس» باعتبارهما محسوبتين على 25 يناير، رغم ابتعادهما عن السياسة وتبنيهما لروح التفاؤل، في استكمال للسيطرة الكاملة، حيث حلَّ خالد حبيب المؤيد على الدوام محل زهرة رامي، في الموعد الصباحي المميز في «راديو هيتس»، كما استعانت الإذاعة في خريطتها بزاهي حواس لتقديم برنامج عن الآثار المصرية في إذاعة يُفترض أنها تعبر عن الشباب.

إضافة إلى ذلك جرى تعميم مجموعة من التنويهات على جميع الإذاعات، حيث يتردد صوت قائلًا «يا مصر»، ثم يبدأ في إبداء نصائح ساذجة، مثل اعتبار سائق الميكروباص الذي يقف في الصف الثاني لشراء الطعام هو السبب في تعطيل المرور ومن ثم استهلاك الوقود ومن ثم غلاء الأسعار! ليختم الصوت نداءه قائلًا: «مش كده ولا إيه يا مسريين!؟» ولتتحول الإذاعات المصرية إلى إذاعات «الموجة الواحدة» التي ترسل نفس الرسائل بوسائل مختلفة، مستغلةً سيطرة الدولة شبه الكاملة على موجات الـFM، التي تسمح لها بالسيطرة على آذان الشعب المصري وعلى جزء غير هيّن من عقله.

اعلان
 
 
محمد يحيى