Define your generation here. Generation What
كل هذا الزبد: صورة الطعام من المائدة لشاشة السينما
 
 

شاهدت مؤخرًا فيلم النجم الصاعد برادلي كوبر «احترق.. Burnt»، وفي الفيلم الذي ظهر في دور السينما منذ عام تقريبًا يقدم كوبر شخصية جديدة عليه، الشيف أو الطباخ المحترف. يتحدى كوبر نفسه في هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في عالم المطاعم الراقية الفرنسية في باريس، حيث يلعب شخصية الطباخ العالمي الحاصل على أعلى الجوائز والتكريمات ويحاول العودة إلي المجد مرة أخرى بعد أن جرفه الإدمان، ولذا فعنوان الفيلم «الاحتراق»، لا يشير لاحتراق الطعام، بل لحياة كوبر التي يحاول استعادتها.

و من خلال رحلة الشيف الذي يحاول استرداد حياته التي حرقها سريعًا نعيش في أجواءالمطاعم الراقية، تحديدا داخل مطابخها وما بها من عنف وشد وجذب وضغط نفسي، ولكن الأهم المتعة؛ السكاكين هي سلاح الطباخ الماهر، التكنيكات الجديدة، مثل الطبخ في أكياس مغلقة للحفاظ على النكهة، الحرفية والسرعة وبالطبع الزبد. في أجمل مشاهد الفيلم، وعندما ينهار كوبر تمامًا في سعيه الحثيث لاستعادة مكانته كشيف درجة أولى في أحد مطاعم باريس الفاخرة، يذهب مدمرًا إلى غريمه وصديقه الذي خسره في سنوات الضياع. يكشف له عن ذاته المحترقة، وإذ بصديقه يصالحه على نفسه ويرأب صدع علاقتهما بالطعام. بعد لحظات الانهيار والمكاشفة يبدأ في صنع أبسط طبق إفطار، البيض الأومليت، يأكلان ويتكاشفان على الإفطار. ورغم جمال المشهد وبساطته وبدائيته، أجد نفسي منبهرة بكل هذه الكمية من الزبد. في سلاسة شديدة يصنع صديق كوبر وغريمه هذا الإفطار البسيط بكمية مهولة من الزبد. أحدق مذهولة. أنسى دلالة المشهد السينمائية وعذوبته وتسيطر عليّ فكرة واحدة؛ ألا يخشيان الكوليسترول؟ ألا يخشيان السعرات الزائدة التي ستجتاح جسديهما جراء تلك الدهون؟

هذا إذن ما فعلته الرسائل الإعلامية المتضادة بنا. قناةMBC4 التي تخاطب الأسرة والمرأة تقدم في هذه الأيام تحديدًا برنامجَيْ مسابقات. الأول هو النسخة العربية لـ«ماستر شيف» أو «الشيف الأستاذ»، وهي مسابقة بين طباخين من كافة أنحاء العالم العربي، يتبخترون هم أيضًا بسرعتهم وبراعتهم وسكاكينهم الحادة، ويستخدمون بالطبع كميات مهولة من الزبد والزيوت والنشوبات بمنتهى السلاسة. وبشكل متواز تمامًا يُعرض برنامج مسابقات آخر لمصممي الأزياء، وأسلحة المتسابقين هنا هي المقصات والأقمشة وإبر الخياطة، ومعهم بالطبع مجموعات من عارضات الأزياء يقدمن تصاميمهم الراقية، وكل منهن لم تتجاوز فيما يبدو لي الأربعين كيلوجرامًا أو أكثر قليلًا.

بين البرنامجين اللذين أستمتع بهما تزداد حيرتي، بين متابعة الأكل الشهي الغارق في الزبد وتخيل أنني قد أستطيع يومًا ما ارتداء إحدى تصميمات إيلي صعب، إذا ما تغاضينا عن أثمانها.

الرسائل الإعلامية المتضادة لعالمنا الرأسمالي الحديث، والزبد الذي ينهمر فتتسارع ضربات قلبي، جعلاني أبحث عن موضوع الطعام في السينما، وكيفية عرضه واستخدامه في الأفلام.

في السينما المصرية، يُستخدم الطعام عادة كرمز معبر عن الاختلاف الطبقي. فيرمز للبذخ والطبقية مثلًا في فيلم «المنسي»، حيث تمتد طاولة ضخمة من الطعام الشهي معبرة عن عالم الأغنياء ورجال الأعمال، مقابل عالم عامل السكة الحديد، الفقير وإنما الشريف بالطبع، والذي يأكل المسقعة الأورديحي التي صنعتها له أخته والتي ستكون «أطعم» لأنها مغموسة بالشرف. تحدث يسرا، السكرتيرة الهاربة، عامل السكة الحديد عادل إمام عن السيمون فيميه والكافيار، بنفس طريقة لينا ومسعود في مسرحية «المتزوجون»، حيث تحلم لينا بـ«الكورن فيلكس» فيظن مسعود أنه دواء يباع في الصيدلية.

تتكرر رمزية الطعام في الدراما المصرية من أول أوبريت «قسم» الإذاعي الشهير، حيث تغني عائلة مرزوق الفقير: «حتة جبنة قديمة وشوية فول حراتي، تبقى الأكلة ذواتي»، حتى يتطور التصوير السينمائي وتصبح الكاميرا أقدر على نقل ألوان وأشكال الطعام على الموائد الفاخرة بشكل أكثر جاذبية. تُستخدم مائدة الطعام الممتدة أيضًا في التعبير عن العائلة واللمّة وذكريات رمضان والحنين للزمن الجميل. أتذكر فيلم «عسل أسود» لأحمد حلمي حيث تمتد مائدة الطعام الرمضانية التي تلتف حولها الأسرة؛ الملوخية والتغميس بـ«ودن القطة»، طبق الحلوى الذي يتبادله الجيران والذي لا يجب أن يعود فارغًا، فيظل هكذا حائرًا بين طوابق البناية الواحدة.

ولكن في مقابل هذا، فربما لم يكن هناك احتفاء بالطعام في ذاته في السينما المصرية سوى في أفلام محمد خان. في فيلمه الأيقوني والمفضل لي «خرج ولم يعد» يقول فريد شوقي للفخراني: «الأكل دا متعة، مابتاكلش ليه؟»

ينفرد الفيلم بتقديم حالة من الاحتفاء بالطعام وبمتعة الأكل في حد ذاتهما، وفي ارتباطهما بالريف وخيره. وبالطبع ينسكب الزبد «البلدي» على عشرات الفطائر، أو لصنع البيض العيون بسلاسة شديدة، وكأنها سيمفونية احتفائية بالأكل. أتذكر مقولة أبي الآتي من أصول ريفية عندما كان يعيش هو ورفاقه في القاهرة وحيدين أيام دراستهم الجامعية: «طول ما في البيت رطل زبدة، بنبقي مطمّنين و حاسين بالأمان، أصل لو حطيت الزبدة على التراب حتى حيبقى له طعم».

يستخدم محمد خان الطعام بشكل مغاير تمامًا في فيلمه الأيقوني أيضًا «موعد على العشاء». في مشهد النهاية الطويلة تتابع الكاميرا البطلة سعاد حسني وهي تطهو المسقعة بكافة خطواتها ومراحلها. تطبخ المسقعة بمنتهى الكراهية التي تعكسها عيناها وحركات يديها، حيث يكمن السم والموت في قلب الباذنجان المشرب بالزيت.

وفي السينما العالمية تعددت استخدامات الطعام كذلك. من أشهر الأفلام التي دارت حول الطعام فحسب كان الفيلم الدنماركي الحاصل على أوسكار كأفضل فيلم أجنبي عام ١٩٨٧ «مأدبة بابيت». بابيت هي لاجئة فرنسية تصل شواطئ قرية دانماركية نائية في أقصى بحر الشمال أثناء الحروب الفرنسية في القرن التاسع عشر، لتمكث بمنزل سيدتين دانماركيتين وحيدتين من إحدى طوائف البروتستانت المتزمتة. تعيش معهما في تلك القرية الصغيرة لسنوات هذه الحياة المتقشفة، حتى تصلها الأخبار في أحد الأيام بأنها كسبت اليانصيب في باريس. تقرر تحضير وجبة فاخرة ممتدة للسيدتين العانستين وأصدقائهما من نفس القرية والإبراشية، وتنفق ببذخ عليها. لمدة ساعة أو أكثر في هذا الفيلم البسيط والعذب نندمج كليًا في دواخل المطبخ الفرنسي الراقي في القرن التاسع العشر. تتجاور على المائدة أولًا أنواع متعددة من كؤوس الشراب والسكاكين والشوك المتناسبة مع كل مرحلة من مراحل المأدبة الفاخرة. كل طبق يناسبه شراب محدد؛ هناك مرحلة وجبة وشراب فتح الشهية ثم الوجبة الرئيسية ثم الحلو ثم الجبن وهكذا. لمدة ساعة كاملة تتحرك الكاميرا بين بابيت في المطبخ وهي تطهو وبين ضيوف المأدبة، وتلذذهم بهذه الوجبة التي لم يأكلوا مثلها من قبل. يقدم صناع الفيلم وجبة بصرية تشبع كافة الحواس لنكتشف مع نهاية الفيلم أن مأدبة بابيت استطاعت رأب صدع العلاقات المتوترة في هذا المجتمع البروتستانتي المتقشف المحدود. وتكون المفاجأة أنها أنفقت كل أموالها التي كسبتها من اليانصيب على هذه الوجبة المقدمة لأكثر من عشر أشخاص وعلى أفخر أنواع الشراب والطعام والفرنسي، التي استحضرتها خصيصًا من فرنسا لتلك القرية التي يعيش أهلها على شوربة السمك والبطاطس.

وبينما ينتقد فيلم «مأدبة بابيت» الحياة البروتستانتية المتقشفة، فإن الفيلم الشهير «شوكولا» للمبدعة جوليت بينوش ينتصر للطعام ويحتفي به على حساب ثقافة التقشف الكاثوليكية التي سادت تلك القرية الفرنسية النائية في منتصف القرن العشرين. نتذكر المأدبة التي حضرتها بينوش على شرف عيد ميلاد آرمان، والبط بالشوكولاتة كان طبقي المفضل في هذه المأدبة التي طغت عليها بذور الكاكاو في استخدامات لم نتعودها. وكذلك مشهد النهاية للكونت وهو منكب بنهم على أكل الشوكولاتة في فاترينة محل الشوكولاتة، الملعون والمنبوذ في آخر أيام الصيام العظيم، وبعد أيام من التقشف وجلد الذات لدرجة شرب المياه الساخنة بالليمون، وحيث الإصرار على أن أي استمتاع واحتفاء بالحياة هو خطيئة.

لكن يظل فيلمي المفضل في احتفائه بالطعام هو «جولي وجوليا»، فحينما تجتمع أجمل ممثلات العصر «ميرل ستريب»، مع الصاعدة بجدارة وثقة «إيمي آدامز» يكون النتاج فيلمًا رائعا، فما بالك و الفيلم بأكلمه يدور حول الموائد و عن الطعام!

في إحدى المقابلات حول الفيلم تقول آدامز إن مخرجة الفيلم طلبت منها ومن باقي طاقم الممثلين الأكل بلا توقف و عدم التمثيل، بل الإستمتاع التام بتناول الطعام، وتضيف أنها التزمت بهذا الطلب بشدة، فلا أجمل من العمل مع تناول طعام جيد. تحاول آدامز أو «جولي» في الفيلم أن تضيف إلى حياتها الرتيبة تحديًا جديدًا، بأن تطبخ كافة الوصفات التي كتبتها «جوليا تشايلد» في كتابها عن وصفات المطعم الفرنسي للشعب الأمريكي، الذي يفتقد المطبخ المميز بطبيعة الحال، حتى تصل للتحدي العظيم، وهو إخلاء بطة من كافة عظامها، لتتمكن من أصعب وأهم وصفات المطبخ الفرنسي. أثناء رحلتها مع وصفات جوليا طوال عام، تعيد جولي اكتشاف ذاتها وحياتها مع زوجها وأصدقائها حول وجبات الطعام اللذيذة والمعقدة على مدى عام كامل.

في نهاية رحلتها، والفيلم قائم على قصة حقيقية، تزور جولي منزل «جوليا تشايلد» الذي تحول لمزار، لما تمثله الأخيرة للمجتمع الأمريكي، هي التي ظلت لسنوات تقدم في برنامجها التليفزيوني وصفات الطعام المعقدة والمبدعة. تحاول جولي كثيرًا التواصل مع جوليا تشايلد قبل وفاتها لكنها تفشل، إذ تعتبرها تشايلد المسنةُ هاويةً أو باحثةً عن الشهرة، وفي نهاية الزيارة وتفقد منزل جوليا ومطبخها الشهير، تقف جولي أمام صورة جوليا تشايلد وتقوم بأكثر الأعمال غرابة، إذ تخرج من حقيبتها قالبًا من الزبد وتضعه أمام صورتها، كآنها تضع قربانًا في محراب معبد من معابد آلهة العصور القديمة.

توقفت كثيرًا أمام هذا المشهد وتذكرت تصلب الشرايين والكوليسترول والملابس التي لن أستطيع لبسها وصرخت في صمت: «كيف يستخدمون كل هذا الزبد؟»

 

 

 

اعلان
 
 
يارا شاهين