Define your generation here. Generation What
مصر تتراجع: السيسي يغيّر موقفه من الاستيطان بعد مكالمة ترامب
 
 

أمر الرئیس عبد الفتاح السیسي البعثة المصریة بالأمم المتحدة أمس الخمیس، بطلب تأجیل تصویت مجلس الأمن على مشروع قرار یهدف لإدانة استمرار نشاط البناء والتوسع في المستوطنات الإسرائیلیة في القدس الشرقية والضفة الغربیة، وذلك لأجل غیر مسمّى، ومن المحتمل أن تسحب مصر المشروع بشكل نهائي.

وكانت مصر -العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن حاليًا- قد تقدمت، أمس الأول الأربعاء، للمجلس بمشروع قرار یعد، بحسب جريدة هآارتس الإسرائيلية، «أكثر لطفًا» (لصالح إسرائیل)، بالمقارنة بمحاولات قامت بها حكومة دولة فلسطین على مدى الأسبوعین الماضیین.

خرج مشروع القرار المصري، بعد التعدیل على المقترحات الفلسطینیة، بنقاط أساسیة تتمحور حول الدفع بمجلس الأمن نحو أن یطلب الوقف الفوري والكامل للبناء في المستوطنات، وأن یؤكِّد مجددًا على اعتباره إسرائیل سلطة احتلال في كلٍّ من القدس الشرقیة والضفة الغربیة، ویمتد إقلیمها لحدود ما قبل حرب 1967 فقط لا غیر، والأهم من كل هذا أن یطلب من الدول الأعضاء التمییز في تعاملاتها ما بین أراضي دولة إسرائیل والأراضي الفلسطینیة المحتلة.

فی ما یخص حكومة فلسطین، كان كل شيء یسیر على ما یرام؛ هناك مشروع قرار في غایة الأهمیة أمام مجلس الأمن، هناك زخم دولي كبیر على غیر العادة ضد ممارسات إسرائیل غیر القانونیة فی ما یتعلق بالمستوطنات، هناك مؤشرات كافیة للاعتقاد بأن أمیركا لن تتدخل لإنقاذ إسرائیل، والأهم أن مجلس الأمن مليء بالدول المناهضة لممارسات إسرائیل غیر القانونیة، مثل فنزویلا ومالیزیا والسنغال والیابان ونیوزیلاندا وفرنسا.

أهمیة مشروع القرار

یسعى سیاسیون إسرائیليون من أهم الأحزاب السیاسیة لضم مساحات واسعة من القدس الشرقیة والضفة الغربیة حال الوصول لاتفاق سلام نهائي مع الفلسطینیین. وحیث تجري كافة المحادثات بوساطات دولیة، فإن حكومة دولة فلسطین تسعى بشكل دائم للتأكید على مخالفة المستوطنات الإسرائیلیة للقانون الدولي، وذلك لتدعیم موقفها الدولي في أي محادثات مستقبلیة. ویعد مصدر القلق الإسرائیلي من صدور قرار مثل هذا، بشكل أساسي، هو قلق على قوة مركز إسرائیل في التفاوض مع الفلسطینیین مستقبلا، أو بحسب تعبیر ترامب: سیضع هذا القرار إسرائیل في مركز تفاوض «ضعیف للغایة».

ولأسباب عدیدیة، تمثل اللحظة الحالیة لحظة استثنائیة لصالح اتِّخاذ دولة فلسطین خطوة دولیة ضد إسرائیل عامة وضد نشاط الاستیطان خاصة، مما دفع رئیس الوزراء الإسرائیلي بنیامین نتنیاهو لإطلاق استغاثات متعاقبة للولایات المتحدة لإنقاذ بلاده من الإدانة الوشیكة، ولكن أحدًا لم یتوقَّع أن تأتي الاستجابة من مصر.

مشروع قانون المستوطنات غير القانونيَّة

تواجه حكومة إسرائيل إدانات دولية ومحلية واسعة بسبب النشاط الاستيطاني بشكل عام، وبسبب المجتمعات المعمَّرة على أراضٍ مملوكة ملكية خاصة لفلسطينيين بشكل خاص.

تتلخَّص المشكلة في نشوء مجتمعات كاملة -البؤر الاستيطانيَّة- بسبب تغلغل إسرائيلين، على مر السنين منذ 1967، إلى أراض في القدس الشرقية والضفة الغربية والبناء عليها دون تصاريح من سلطة الاحتلال، بل والبناء أحيانًا على أراض مملوكة ملكية خاصة لفلسطينيين. ويعتبر كثير من القانونيين البارزين أن صمت السلطات الإسرائيلية تجاه تلك البؤر الاستيطانية يشكل جريمة حرب وانتهاكات جسيمة لقانون الاحتلال الحربي (مادة 49 الفقر 6 من اتفاقية جنيف الرابعة، ومادة 46 من لوائح لاهاي).

الأكثر من ذلك، أن تلك البؤر الاستيطانية غير قانونية حتى في نظر القانون الإسرائيلي. فقد تفجَّرت الأزمة في وجه حكومة نتنياهو مؤخرًا بسبب حكم أصدرته محكمة العدل العليا الإسرائيليَّة في 2014 بإخلاء البؤرة الاستيطانيَّة «عمونا» لإقامتها دون الحصول على تصريح من سلطة الاحتلال، فضلًا عن بنائها على أراض مملوكة ملكية خاصة لفلسطينيين. ومع اقتراب مهلة وجوب إخلاء «عمونا» (٢٥ ديسمبر ٢٠١٦، بدأت التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الوحدات السكنية المبنية على أراض مملوكة لفلسطينيين تتراوح بين 2500 و4000 وحدة سكنية، كلها قد تواجه مصير مباني «عمونا».

لمواجهة المسألة على الصَّعيد المحلّي، مرَّرت اللجنة الوزارية التشريعية الإسرائيلية، في نوفمبر الماضي، بالإجماع مشروع قانون يهدف لتقنين النشاط الاستيطاني غير المصرح في الضفة الغربية، ثم تبعها الكنيست الَّذي مرَّر مشروع القانون ذاته بشكل مبدئي، ليتبقى له ثلاثة إجراءات تصويت أخرى ليصير قانونًا. إلا أن العديد من القوى الدوليَّة سارعت لإدانة هذه الخطوة معلنين اعتبارهم صدور مشروع القانون هذا بمثابة مخالفة صريحة للقانون الدَّولي، ومن تلك الدول أمريكا وفرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة والمفوَّض السَّامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الذين أدانوا مشروع القانون وأعلنوا أنه مخالف للقانون الدولي. كما أدانته مصر آنذاك. وقد اعتبر العديد من القانونيين، المعروفين بمواقفهم المؤيدة لسياسات إسرائيل، أن مشروع القانون هذا كفيل بتحريك قضية ضد إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. بل إن تقارير إسرائيلية أشارت إلى أن نتنياهو وليبرمان شخصيا قد عبَّرا في اجتماعات حكومية عن قلقهما من أن ينتهي بهما الأمر في لاهاي بسبب هذا القانون.

ولاية ترامب الوشيكة: عباس يريد الإسراع ونتنياهو يتمنى الانتظار

ساهمت عوامل عديدة في خلق زخم دولي يجعل من اللحظة الحالية فرصة واجبة الاغتنام من جانب الرئيس الفلسطيني محمود عباس. فبالإضافة لمشروع قانون البؤر الاستيطانية، انشغل الرأي العام الدَّولي، والإسرائيلي بشكل خاص، في الأسابيع الماضية بشائعات عن تحرُّك وشيك من قبل إدارة أوباما لصالح الفلسطينيين كخطوة أخيرة قبل الرَّحيل. وفي هذه الأثناء، نشرت شخصيات عامَّة لها وزنها في المجتمع الأميركي مطالبات لأوباما للإقدام على الاعتراف بفلسطين وعلى دعم قرار في مجلس الأمن لإدانة المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية والضفة الغربية، كان أبرزها الرئيس السابق جيمي كارتر، والقانوني البارز رالف نادر.

كل هذه الأمور دفعت بعباس للإسراع في التقدم لمجلس الأمن بمشروع قرار شديد اللهجة لوقف الاستيطان، والتمهيد لاتخاذ أفعال على الأرض وصولًا لهذا الهدف. على الجانب الآخر، تُعلِّق إدارة نتنياهو آمالًا كبيرة على الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، لذلك فقد سعت لتخفيف حالة الزخم الدولي بشكل مؤقت، وذلك مثلًا باتخاذ قرار بتأجيل التَّصويت على مشروع القانون الجدلي الخاص بالبؤر الاستيطانية لما بعد تنصيب ترامب.

السيسي يستجيب لنتنياهو وترامب

فور تقدُّم مصر بمشروع قرار كان من المفترض التَّصويت عليه أمس، أعلنت فرنسا عن نيَّتها تأييد القرار، وكانت كل المؤشرات تتجه في ناحية الاعتقاد بأن أمريكا لن تعترض على القرار، وهو ما أكَّدته مصادر دبلوماسية أمريكية في ما بعد. كل شيء إذًا سار في اتجاه صدور القرار. ثم قام نتنياهو بإطلاق استغاثاته الأخير، بتوجيه رسالة مصوَّرة يطلب فيها من أمريكا استخدام حق النَّقض (veto) أمام مجلس الأمن لإنقاذ إسرائيل. في الوقت ذاته، طالب ترامب أوباما باستخدام حق النَّقض للإطاحة بمشروع القرار.

وفجأة وبدون أي مقدِّمات، طلبت مصر تأجيل التصويت لأجل غير مسمَّى. وهو ما اعتبره البعض بمثابة أول تنسيق بين الثلاثي «السيسي-ترامب-نتنياهو»، ومحاولة من مصر لعدم إغضاب الإدارة الأمريكية القادمة، قبل أن تعلن رئاسة الجمهورية في مصر عن اتصال هاتفي جمع السيسي وترامب أمس، تناولا فيه مشروع القرار، كما اتفقا خلاله على «أهمية إتاحة الفرصة للإدارة الأمريكية الجديدة للتعامل بشكل متكامل مع كافة أبعاد القضية الفلسطينية بهدف تحقيق تسوية شاملة ونهائية لهذه القضية».

رد الفعل على الطلب المصري بتأجيل التصويت أتى اليوم، حين أعلنت فنزويلا والسنغال وماليزيا ونيوزيلاندا، بتنسيق مع فلسطين، إمهال مصر حتّى منتصف الليل، لتعلن موقفها من مشروع القرار. وفي حال عدم تحرُّك مصر، ستقوم تلك الدول بدعوة مجلس الأمن للتصويت على مشروع قرار تتقدم هي به. وسط أنباء عن أن مصر قررت بعد هذه الخطوة سحب مشروع القرار نهائيًا.

كانت مصر قد فازت بمقعدها بمجلس الأمن في أكتوبر 2015، وسط فرحة بـ «انتصار» الدبلوماسية المصرية، إلَّا أنَّ الأمر لم ينته بأي فائدة للفلسطينيين، حتى في سعيهم لإعلان ما هو واضح بالفعل: المستوطنات مخالفة للقانون الدولي! وبالنظر للأمر من بعيد، نجد أن وجود مصر في مجلس الأمن انتهى بسيطرتها الكاملة -ربما لأنها «الشقيقة الكبرى»– على المحاولة الفلسطينية. واستخدمت مصر تلك السيطرة الكاملة في أمرين: بدايةً، قامت بتغيير الصياغة الفلسطينية لأخرى «أكثر لطفًا»، ونهايةً، قامت بتأجيل التصويت لأجل غير مسمَّى، فمضَت نحو القضاء مؤقتا على انتصار وشيك لحكومة فلسطين. ولكن لحسن حظ الفلسطينيين، فهناك دول مثل فنزويلا والسنغال وماليزيا ونيوزيلاندا واليابان وفرنسا في مجلس الأمن.

اعلان