Define your generation here. Generation What
جولة في كتابات جوون تشانج: الاقتصاد ليس علمًا، وإنما حياة
 
 

يلخص عنوان كتاب «ركل السلم بعيدًا» ببراعة أفكار الاقتصادي البارز والعالم التنموي الكوري ها جوون تشانج، والتي بمفادها فمؤسسات «صندوق النقد الدولي» و«منظمة التجارة العالمية» و«البنك الدولي»، أو «الثالوث المدنس» بحد وصفه، تمنع الدول الفقيرة من اتخاذ الإجراءات الاقتصادية التي تساهم في نموها، وهي نفس الإجراءات التي سبق للدول المتقدمة اتخاذها لكي تنهض اقتصاديًا. تصعد الدول المتقدمة على السلم ثم سرعان ما تركله لتمنع أيًا من الدول الأفقر من صعوده.

ينطلق تشانج في أفكاره من التأكيد على أن الاقتصاد ليس علمًا يقتصر فهمه والتعامل معه على الخاصة من الخبراء وكبار المنظرين من الاقتصاديين، وإنما عملية سياسية مستمرة تحدد باستمرار نوع المجتمع الذي نرغب في العيش فيه، وهذا لإيمانه أن علم الاقتصاد قوامه الأعظم هو من الأمور البديهية التي لا تستعصي على فهم القارئ، وأن النظريات الاقتصادية المستقرة التي ساقها الخُبراء بوصفها من المسلّمات، بما تحتويه من إبهام وصعوبة وتعقيد، هي العائق أمام ما أسماه «المواطنة الاقتصادية النشطة».

المصدر: Discott, wikimedia commons.

في كتابات تشانج، وترجم كثير منها للعربية، ومنها «السامريون الأشرار» الذي ترجمه أحمد شافعي وصدر مؤخرًا عن دار الكتب خان، و«23 حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية»، وترجمه محمد فتحي كلفت وصدر مؤخرًا عن دار «بلومزبري – مؤسسة قطر»، و«ركل السلم بعيدًا» وترجمه سجيني دولارماني وعمر الرفاعي والصادر عن مكتبة الشروق الدولية، يطرح الكاتب أفكاره بشكل سردي لا يخلو من المتعة؛ لا يقدم التفاصيل النظرية للنظريات الاقتصادية إلا عندما تكون ذات صلة بالأفكار التي يريد توضيحها.

يعلق تشانج على أزمات مثل الكساد الأرجنتيني 1998 والأزمة المالية الأسيوية 1997 والأزمة العالمية 2008، وغيرها من الأحداث الاقتصادية الكبرى التي هزّت العالم في القرن العشرين، فيربطها بأداء اقتصاديات الدول النامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين، والتي أُجبرت على تبني سياسات الانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة. ثم يحاول كشف الستار عن السياسات الاقتصادية التي طبقتها سابقًا الدول المتقدمة وأدت إلى نموها الاقتصادي، ويسميها بـ«السياسات المعتدلة».

في الفترة التي اتبعت فيها الدول النامية سياسات الحماية والدعم والإنفاق الحكومي، نما اقتصاد هذه الدول بشكل أسرع، وكان أكثر استقرارًا مما كان في فترة النيوليبرالية

تعد كتابات وأبحاث تشانج نقدًا للأفكار الشائعة المبشرة بالنيوليبرالية، حيث يشكك في التاريخ الرسمي الذي دأبت على توثيقه جيوش من المنظرين الاقتصاديين، ثم يسرد النتائج الفعلية لتطبيق هذه الأفكار، كي ينقض في النهاية الادعاء بأن «النيوليبرالية هي الطريق نحو التقدم» بوصفه ادعاء غير تاريخي، بل ويناقض ما يرويه التاريخ.

رغم هذا، فتشانج ليس ناقدًا للرأسمالية، وإنما يعتقد أنه رغم مشاكل الرأسمالية وحدودها، فهي لا تزال أفضل نظام اقتصادي اخترعته البشرية من وجهة نظره، ويؤكد أن نقده موجه بالتحديد للنيوليبرالية أو حرية السوق الرأسمالي، اللذين هيمنا على العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، وأديا إلى نتائج كارثية هزت العالم، وليس موجهًا إلى الرأسمالية ككل.

تدور نظرياته حول كيفية الخروج من الأزمات الاقتصادية المُتعاقبة على البلدان النامية، وبيان أن النمو الاقتصادي لا يُمكن تحقيقه عبر قوانين وسياسات لا تراعي الفروق الجوهرية بين جميع بلدان العالم.

المعجزة الكورية

في عام 2003، كان تشانج دليلًا لصديقه وأستاذه جوزيف ستجليتزالحاصل على نوبل في الاقتصادفي المتحف الوطني في سول، عندما كانا يمران بمعرض للصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود لأشخاص ينتمون للطبقة الوسطى بكوريا أواخر الخمسينيات، وسمع إحدى الشابات، ممن لم يفصل بينه وبينها أكثر من عشرين عامًا، تتساءل: «كيف لهذه أن تكون كوريا؟ إنها أشبه بفيتنام».

في كتابه «السامريون الأشرار»، يصف تشانج بأسلوب شيق بعض أشكال الحياة في بلده سابقاً، من تردٍ للأحوال المعيشية في بيوت صغيرة غير مناسبة ولا مهيأة للعيش، إلى تدهور بالغ للتعليم، حيث بلغت كثافة التلاميذ نحو مائة تلميذ في الفصل الواحد.

هذا ما كانت عليه الحالة الاقتصادية والاجتماعية لكوريا الجنوبية بعد الحرب الدموية مع كوريا الشمالية، والتي استمرت لثلاث سنوات (1950-1953) وراح ضحيتها نحو أربعة ملايين شخص، وتعرضت نحو نصف القاعدة التصنيعية لكوريا الجنوبية للتدمير التام، وأصبحت كوريا بموجبها أفقر بلد في العالم.

ما هي إذن المعجزة التي حدثت فغيّرت شكل كوريا الجنوبية من بلد فقير لهذا الحد إلى دولة يقترب دخل الفرد فيها من نظيره في البلدان المتقدمة؟ كيف تحولت من دولة تعد أكثر صادراتها من السمك والشعر المستعار إلى واحدة من أهم الدول المصدرة للمنتجات التكنولوجية؟ تكمن الإجابة في نظر تشانج في البرنامج التصنيعي الثقيل الذي تبناه الرئيس بارك عام 1973، حيث بدأ بارك الإنتاج بأول مصنع للصلب وأول مصنع للسفن، وتأسست في عهده شركات جديدة متخصصة في الإلكترونيات والصناعات الكيميائية. وإلى جانب توسعها الصناعي، انتهجت كوريا سياسات وإجراءات اقتصادية اختارتها الحكومة بعناية، وأخذت أشكال الحماية الجمركية لحماية صناعاتها الوليدة من المنافسة العالمية القوية، مع أشكال أخرى من الدعم الحكومي. كما نُفذت بعض المشروعات الإستراتيجية، من خلال شركات مملوكة كليًا للدولة، رغم أنها كانت تتبنى موقفًا مناقضًا من الملكية العامة للدولة. إذن هو مزيج من الحماية والدعم الحكومي الموجه للصناعات الوطنية، مع الانفتاح والاندماج الانتقائي في الاقتصاد العالمي.

يؤكد تشانج أنه لولا اتباع كوريا الجنوبية سياسات حذرة تجاه الاقتصاد العالمي، ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه من نمو واستقرار اقتصادي، تمتعت فيه بقدر كبير من الاستقلالية في رسم سياستها الاقتصادية.

التبشير بالنيوليبرالية

يذكر تشانج أن الطفرة الاقتصادية الكبرى التي حققتها كل من بريطانيا والولايات المتحدة، كانت نتاج سياسات حكومية تدخّلية، تنوعت بين فرض تعريفات حمائية استثنائية إلى دعم حكومي منظم للقطاعات الصناعية. ففي بريطانيا مثلًا، أقر رئيس الوزراء روبرت وولبول في عام 1721 تشريعًا كان حجر الأساس لحماية الصناعات الوطنية من المنافسة الأجنبية، فارتفعت التعريفات الجمركية المفروضة على السلع المستوردة، في حين خُفضت التعريفات الجمركية على المواد الخام المستوردة اللازمة للتصنيع، وشُجعت الصادرات الوطنية عن طريق توفير دعم حكومي للتصدير، ما ساهم في نمو الصناعات البريطانية نموًا سريعًا كان له أثر ضخم في طفرة بريطانيا الاقتصادية.

ما هي إذن المعجزة التي حدثت فغيّرت شكل كوريا الجنوبية من بلد فقير لهذا الحد إلى دولة يقترب دخل الفرد فيها من نظيره في البلدان المتقدمة؟ تكمن الإجابة في نظر تشانج في البرنامج التصنيعي الثقيل الذي تبناه الرئيس بارك عام 1973

والمثال الثاني البارز لدى تشانج هو الولايات المتحدة، ففي عام 1791، قدم وزير الخزانة الأمريكية ألكسندر هاملتن تقريرًا عن موضوع السلع المصنعة، أوصى فيه بتنفيذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية، من بينها التعريفات الجمركية الحمائية وحظر الاستيراد والدعم وحظر تصدير المواد الخام الأساسية، وتحرير استيراد المدخلات الصناعية وتخفيض تعريفاتها، وتنمية البنية الأساسية، وصحيح أن الكونجرس الأمريكي لم يعمل وقتها بتوصيات التقرير لأسباب تاريخية يطول شرحها، لكن عند اندلاع الحرب الأنجلوأمريكية، وبسبب ظهور صناعات جديدة تلزم حمايتها من أجل استمرارها ونموها، نفذ الكونجرس توصيات التقرير، فارتفعت التعريفات مثلًا لتبلغ 40٪ بحلول 1830.

يستنتج تشانج أنه في الفترة التي اتبعت فيها الدول النامية سياسات الحماية والدعم والإنفاق الحكومي، وهى الفترة التي يدعي أنصار النيوليبرالية أنها فترة كارثية على النمو والاستقرار الاقتصادي، نما اقتصاد هذه الدول بشكل أسرع، وكان أكثر استقرارًا مما كان في فترة النيوليبرالية.

حقائق يجب إيضاحها

تشتبك بعض أفكار تشانج في كتبه مع الافتراضات التي يدّعيها اقتصاديو حرية السوق، مثل أن حرية السوق هي ما تعزز التنمية الاقتصادية، وأن الاستقرار الاقتصادي الذي يعمل على إيجاد تضخم أقل وتجارة دولية منفتحة، هو ما يؤدى في النهاية إلى زيادة النمو الاقتصادي.

ردًا على هذا، يرى تشانج أولًا أن السوق مقيَّدة، لأن كافة الأسواق تسير بضوابط وحدود لا تتيح حرية الاختيار، وإذا كانت بعض الأسواق تبدو حرة، فذلك فقط لأننا نقبل ضمنيًا بالضوابط التي تؤمّنها، فلا نراها رغم وجودها. ويشير إلى أن قوة الإرادة السياسية، وما لها من تأثير في تحديد القيود والضوابط التي تخضع لها أي سوق، بل يذهب إلى القول بأننا لا نزال نعيش في اقتصادات مخططة على غرار الأنظمة الشيوعية.

ثانيًا، أثبت الواقع أن الإفراط في ضبط مستويات التضخم غالبًا ما يؤدى إلى نمو اقتصادي هزيل، حيث يرى تشانج أن البلدان الفقيرة التي اتبعت سياسات علاج عجوزات الميزانية الحكومية بمراجعة الإنفاق والدعم الحكومي لقطاع الصناعة ومراجعة سياسة الحماية التجارية، وعلى الجانب الآخر أهملت قضايا التشغيل الكامل ودعم النشاط الصناعي، واجهت نموًا اقتصاديًا ضعيفًا وأزمات اقتصادية كبيرة. وعلى عكس أداء هذه الاقتصاديات في فترة التنمية بقيادة الدولة، فمعظم هذه البلدان نما بمعدلات مقبولة مع توزيع أعدل للدخل وأزمات مالية أقل واستقرار وأمن وظيفي أكبر.

يٌقدم تشانج أسبابه التي تنقض المقولات التي دائمًا ما يروج لها الخبراء الاقتصاديون من أنصار حرية السوق، ومنها أن الولايات المتحدة تتمتع بأعلى مستوى معيشي في العالم، وأن التخلف التنموي قدرٌ مكتوبٌ على أفريقيا لأن مناخها بائس وجغرافيتها تعيسة وشعوبها لا تتميز بريادة الأعمال. فيرد بأن المستوى المرتفع لمتوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة لا يأخذ في الاعتبار تردّى المؤشرات الصحية وتغير إحصاءات الجريمة إلى الأسوأ، بالمقارنة بمعظم البلدان المتقدمة، وبأن الولايات المتحدة لديها أكثر توزيعات الدخل تفاوتًا بين البلدان المتقدمة، ما يؤثر على الحالة الاجتماعية لبعض الطبقات الفقيرة وتحت المتوسطة التي تعاني مستويات أقل من الأمان الوظيفي، بالمقارنة بنظرائها في أوروبا، ويضيف أيضًا أن معدل ساعات العمل في الولايات المتحدة أطول من نظيره في أوروبا، ففي أمريكا هناك بضائع مادية أكثر توحي بارتفاع مستوى المعيشة، لكن على صعيد آخر هناك وقت فراغ أقل، فيما في أوروبا بضائع مادية أقل مع وقت فراغ أكبر، وهذا ما يؤدي بتشانج لاستنتاج أن الأولى ليس لديها مستوى معيشة أعلى من البلدان الغنية الأخرى.

كما يوضح تشانج أن التخلف التنموي ليس قدرًا مكتوبًا على أفريقيا، لأن ما تعوزه بلدان أفريقيا كي تنمو اقتصادياتها هو التقنيات الإنتاجية والمهارات التنظيمية المتطورة الضرورية للنشاط الصناعي، فكل المعوقات البنيوية، من مناخ وجغرافيا وموارد طبيعية، التي يفصّلها الرأسماليون من أنصار لَبْرلة الأسواق، والتي يُفترض أنها تعطل تقدم أفريقيا، كانت قائمة في معظم البلدان الغنية، ولم تمنعها من تحقيق تقدم ونمو اقتصادى.

نظرة عامة على التنمية الشاملة

في كتابه «ركل السلم بعيدًا»، يقدم تشانج نظرة سريعة للتطور الاقتصادي لدى دول العالم المتقدمة. فيفند الطلب الملح من الدول المتقدمة بضرورة تبني الدول النامية للمؤسسات المحلية ذات المعايير العالمية على الفور، حتى تضع قدميها على الطريق الصحيح للتنمية الاقتصادية، فيذكر أنه في أوائل القرن التاسع العشر لم يكن لدى أي من الدول المتقدمة حق التصويت لكل الشعب، وكانت البنوك لا تزال في غالبية الحالات أمرًا مستجدًا ولا يعول عليها كمؤسسات مالية مهمة، وحتى البنوك المركزية لم يكن لديها حق احتكار إصدار النقد، ولم يكن لدى أي دولة من الدول المتقدمة الآن ضريبة على الدخل إلا كإجراء استثنائي خلال الحروب، وبالإضافة إلى ذلك، لم تكن هناك مؤسسات خدمة اجتماعية لضبط أحوال العمل من صحة وأمان وظيفي للعمال. يوضح تشانج أنه مع التقدم الصناعي والتقني في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، تطورت المؤسسات المالية والاجتماعية بقدر كبير، ما كان له أثر واضح في تعزيز التنمية الاقتصادية.

التخلف التنموي ليس قدرًا مكتوبًا على أفريقيا، لأن ما تعوزه بلدان أفريقيا كي تنمو اقتصادياتها هو التقنيات الإنتاجية والمهارات التنظيمية المتطورة الضرورية للنشاط الصناعي، فكل المعوقات البنيوية، من مناخ وجغرافيا وموارد طبيعية، والتي يُفترض أنها تعطل تقدم أفريقيا، كانت قائمة في معظم البلدان الغنية

لكن ما يحثنا على التأمل هو الكيفية التي جرى بها هذا التطور، فعملية تطوير المؤسسات أخذت عقودًا، فالانتقال مثلًا من حق التصويت لكل الذكور البالغين إلى حق التصويت لكل البالغين أخذ وقتًا طويلًا. والمؤسسات الاجتماعية أخذت عقودًا، إن لم يكن قرونًا، كي تنظم قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية والمعاشات. من الأمثلة السابقة يمكننا الخلوص إلى أنه في الأيام الأولى من تنميتها الاقتصادية، كانت الدول المتقدمة تعمل بهياكل مؤسسية أقل تطورًا بكثير من تلك الموجودة في الدول النامية اليوم. بالإضافة إلى أن السياسات الصناعية والتجارية الفعالة التي طبقتها الدول المتقدمة في الماضي، غالبًا ما ترفضها اليوم نفس الدول في حالة إذا ما شرعت بعض الدول النامية في تطبيقها. إذن هو ركل السلم بعيدًا، ذلك السلم الذي استخدمته الدول المتقدمة لتصعد عن طريقه إلى القمة.

الحقيقة التي يحاول تشانج إيضاحها لنا، هي أن الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية لم تحقق غايتها، وأن غالبية المؤسسات التي يوصى بها للدول النامية كجزء من حزمة «الحكومة الجيدة» كانت في حقيقة الأمر نتيجة أكثر منها سببًا للتنمية الاقتصادية للدول المتقدمة.

اعلان
 
 
حازم يحيى