Define your generation here. Generation What
عندما يتذكر بوب ديلان: المراهق في نيويورك، السارح بالناس
 
 

في 2004 نشر بوب ديلان، الحائز على نوبل للأدب هذا العام، سيرته الذاتية، المعنونة بـ«يوميات، الجزء الأول.. Chronicles Volume I»، والتي وصفها الكاتب المخضرم كازو إيشيجورو بأنها رائعة مثل أغانيه، واعدًا بنشر جزء ثان وثالث، لا يزال قراؤه ينتظروهما.

في الكتاب يجول القارئ في عقل ديلان على مدار 222 صفحة. يتذكر بداية مشواره وعزفه في بارات مجهولة بنيويورك، التي كان الشتاء في ذروته والشوارع مليئة بالثلج عندما وصلها. يستشف القارئ حنين ديلان إلى ذلك الوقت، الوقت الذي لم يكن مقيدًا فيه بتوقعات الجماهير، متمتعًا بحياة بسيطة و«بوهيمية».

في بداية السيرة يقدم ديلان شخصية تلو الأخرى، صادفها أثناء رحلته؛ مغنين وفنانين ومنتجين وأصحاب بارات سمحوا له بالعزف. والجدير بالذكر أنه لا يذكر أحد بالسوء أو بكلمة قاسية. لا تحتوي مذكراته انتقادات مريرة أو تسوية حسابات.

تنقسم سيرته إلى خمسة أقسام؛ بدايته في نيويورك، ثم انتقاله إلى فترة الستينات الصاخبة حيث لم يمر يوم دون مظاهرات ضد حرب فيتنام ونظام الـsegregation «التمييز العنصري ضد السّود». في الجزء الثالث يشكو الحصار الذي يفرضه عليه النشطاء والمعجبون الذين توقعوا منه تبني قضايا سياسية. أما الجزء الرابع فيدور عن تسجيله ألبومه «الرحمة.. Oh Mercy» في أخر الثمانينات. وفي الخامس يعود مرة أخرى للبدايات. وبذلك تكتمل الدائرة، ويتطرق ديلان لشغفه الحقيقي؛ موسيقى الفولك.

يشبه ديلان في صغره «الفرقع لوز» الذي لا يستقر في مكان واحد ويتنقل من بار إلى أخر، يكتب ويلحن ويغني لكل من أراد الاستماع إليه، لأنه دائمًا في حاجة إلى جمهور. «بإمكانك تأليف الأغاني في أي مكان»، يكتب، «في عربة قطار، فوق باخرة، وأثناء ركوب خيل، فالحركة مفيدة. قد تكون لديك أكبر موهبة على الإطلاق في كتابة الأغاني ولكنك لا تفلح لأنك لا تتحرك

لا تخلو مذكراته من روحه الفكاهية الغريبة. يكتب مثلًا أنه كان يستمع لحوار مع مالكولم إكس على الراديو، صرّح فيه الناشط السياسي أنه لا يأكل الخنزير، لأن ثلثه فأر وثلثه قطة وثلثه كلب. في الصفحة التالية يتسكع ديلان مع أصدقاء موسيقيين، اعتادوا على تمرير جيتار بينهم، ليقدّم كل منهم أغنية. وبعد ما جاء دوره وغنى أغنية: lay lady lay، ذكر أحدهم لحم الخنزير، فقال ديلان، مقتبسًا مقولة مالكولم، إنه لا يأكل الخنزير، ليثير استغراب من حوله.

خيال ديلان واسع جدًا، فقد اعتاد في صغره أن «يسرح» بالنقاد والصحفيين، مدعيًا أنه يتيم. في حوار لمجلة الـ«نيوزويك» عام 1963 أخبر صحفيًا أنه لا يعرف والديه. يقول كاتب سيرته الذاتية هاورد سونيس في كتابه «على الطريق السريع – حياة بوب ديلان..Down the Highway: The Life of Bob Dylan» أنه كان يروق له أن يحيط نفسه بحالة من الغموض، إضافة إلى عشقه لاختلاق القصص. توصل صحفي النيوزويك لشقيق بوب، ديفيد تسيمرمان، واكتشف أن علاقة ديلان بوالديه حميمة، فنشر مقالة فضح فيها ديلان، الذي فرض بعدها سرية تامة على عائلته ومنعهم من الحديث مع الإعلام. لذلك فتصريحاته القليلة في سيرته عن أسرته نادرة للغاية؛ جدته مثلًا، ويشير إلى أنها كانت مليئة بالنبل والطيبة، علمته أن السعادة ليست على الطريق، وإنما هي الطريق، (مقولة للفيلسوف كونفوشيوس). وعلمته أيضًا أن يكون كريمًا، لأن كل من سيقابلهم يخوضون معركة ضارية، (مقولة من رواية «جاتسبي العظيم» للكاتب سكوت فيتسجيرالد.)

يقدم ديلان أيضًا مقتطفات عن بعض النساء اللاتي ربطته بهن علاقة حميمة. عن زوجته الثانية مثلًا يكتب بحنين أنها لم تكن من هؤلاء الناس الذين يؤمنون بأن هناك من سيحقق لهم سعادتهم، وإنما سعادتها نابعة من داخلها. كذلك يمدح مغنية الفولك جون بيز، التي فاقته شهرة في بداية الستينات، ويتهمه سونيس باستغلال شهرتها كي يلمع نجمه. كما يذكر حبيبته سوزي التي يقال إنها لمّا بلغته عبر التليفون أنها تزوجت رجلًا أخر، تمتم غاضبًا: هاتفيني عندما تصبحين مطلقة، ثم أغلق الخط.

لا يتبع ديلان في سيرته بنية زمنية أو سردًا تقليديًا معينًا. كتابته قد تكون تجريبية مثل أغانيه. أحيانًا يخيل للقارئ أنه يقرأ رواية أدبية يذكر فيها الكاتب مقابلات وحوارات طريفة، إضافة إلى إدراكات معنوية مصوغة بلغة سلسة، يحسده عليها مئات الروائيون. مرة يأخذنا إلى عشاء في بيته بصحبة ابنه وزوجته المنزعجة بشأن صلصة الويسكي، ومرة يحكي عن كتابه المفضلين مثل أنوريه دي بلزاك الذي راقت له تحديدًا روايتاه «الجلد المسحور» و«النسيبة بونس». يضيف أن بلزاك علمه سر الحياة، وهو أن «يحشو طاقته». مرة أخرى يحكي باستفاضة عن تأثره بمغني الفولك وودي جاثرو الذي أراد أن يكون تلميذه الأعظم.

بالطبع يكرس ديلان نصيب الأسد لموسيقى الفولك تحديدًا، فالأغنية كالحلم الذي يسعى لتحقيقه، كبلد غريبة يستكشفها. كل أغنية قصة، هكذا يكتب. وتلك القصص متناثرة يوميًا في شوارع نيويورك. حتى القطارات والأجراس طالما سعى لتفكيكها لاستخلاص نغمات منها، وهي بمثابة شريط صوت لحياته.

«الأغاني كالصور. والصور أهم بكثير من أي كلمةأغاني الفولك كانت كل ما أحتاجه للوجود. والمشكلة كانت أنه لا يوجد ما يكفي منها. فهي لم تكن مرتبطة بأي تاريخ ولا أي حدث يومي، أو نمط زمني. كانت عبارة عن قصة كبيرةولكن فبمجرد تخطي قماشتها كان يخيل لي وكأن جيتاري المكون من ستة أوتار مثل عصا سحرية بإمكانها تحريك الأشياء كما لم يحدث من قبل. لم تكن لديّ أي اهتمامات أخرى غير موسيقى الفولك، فلقد نظمت حياتي حولها. ولم يكن لدي أي شيء مشترك بيني وبين أحد لا يفكر مثلي.»

أجمل ما كتبه ديلان في سيرته، كان وصفه لرحلة قام بها هو وزوجته بالدراجة النارية في ريف نيو أورلينز، أثناء مواجهته صعوبات في تسجيل ألبومه «الرحمة». يحكي عن توقفه بمحل يشبه بقالة، يبيع مالكها الأمريكي العجوز الجرائد والحلوى والهدايا الصغيرة. وينغمس معه في حوار عن بروس لي والصينيين الذين، بحسب ادعاء العجوز، هم من اكتشفوا أمريكا قبل «الهنود الحمر»، متنبئًا بهيمنتهم على العالم، بينما تحلّق أغنية للبيتلز في الخلفية، وزوجته تنتظره بالخارج. يخلق ديلان إطارًا فريدًا في تلك المقابلة، يكاد يشبه مناخ العملاق أنطون تشيخوف الذي لم يستطع كاتب مثله تجسيد الفناء في مقابلات الفلاحين وأبناء المدينة في البرية الروسية.

من الطرائف ذكر ديلان، في آخر صفحة بسيرته، إحساسه بالتقارب مع عدة عباقرة حسب وصفه، ولدوا في مينوسوتا مثله، منهم فرانسيس سكوت فيتسجيرالد وسينكلير لويس، الذي يفخر ديلان بأنه أول أمريكي حاصل على جائزة نوبل في الأدب. «كل منهم كانت لديه رؤيتهكل منهم كان سيفهم أحلامي غير الناطقة. شعرت أني واحد منهم أو أني تجسيد لهم كلهم

اعلان
 
 
شريف عبد الصمد