Define your generation here. Generation What

تدوينة بالعامية عن عمر محمد: من عشاء في الزمالك للسجن 25 سنة

فبرايرمايو 2015

علي بيحكيلي كتير عن عمر، وإنهم بيقضّوا وقتهم في اللعب على الإكس بوكس ويجرّبوا الأكل الجديد. أضفت عمر على فيسبوك، وكنت أول مرة آخد بالي إن أخته صاحبتي من زمان، اتكلمنا شوية عن الأكل واتقابلنا بعدها بأيام صدفة في فرح صديق مشترك، وبعدها بيومين سافرنا سوا على إسكندرية وبحري (البلد اللي أنا منها) وقضينا أربعة أيام مع بعض، أول مرة نخرج سوا سافرنا مع بعض. كانت أجمل مرة في حياتي أروح هناك، عمر أجمل رفقة في السفر.

بعدها بقينا بنتقابل كل يوم تقريبًا. ماكنتش بقدر فعلًا يعدي يوم من غير ما أقابل عمر، ما عدا تلات أسابيع في وسط الفترة دي سافرت فيهم جدة لبابا وماما. وحتى في السفر دا كنت أنا وهو بنحكي سوا طول الوقت.

قبل ما أعرف عمر كنت معظم الوقت في البيت بسبب إصابتي. كنت بكره الخروج عشان حركتي المحدودة جدًا ولأنني بكره العكاز وماقدرش أخرج غير لو معايا حد أسند عليه.

عمر مالهوش أي اهتمام بالسياسة بعد 30 يونيو، نزل ضد مرسي يومها وبعدها مابقاش عنده أي قدرة على الاهتمام، وقرر يركز في شغله ودراسته بس. كان بيشتغل رسام أوتوكاد في مصنع تابع للقوات المسلحة عشان كان من أوائل الثانوية العسكرية. اتعيّن في المصنع وهو عنده 16 سنة ولحد ما اتخطفنا كل قياداته في الشغل كانوا بيحبوه وبيمدحوا فيه وماكانتش عنده أي مشاكل في الشغل، ودرس عمارة في كلية هندسة. مهووس بالمسلسلات الأجنبية والأفلام ولعب الإكس بوكس. جبت أكس بوكس عندنا في البيت واتعلمت ألعب فيفا عشانه. وهو علمني ألعب مونوبولي واستميشن. كان بيحب يلعب اسكواش، وأخدني في مرة معاه التمرين. عمر بطبعه مابيحبش يزعل أبدًا ولا يتعصب ولطيف وطيب جدًا مع الناس كلها. قرّبنا جدًا من بعض في الأربع شهور دول، وكانوا فعلًا أجمل أربع شهور في حياتي. كنا لازم نجرب مطعم جديد كل أسبوع.

1 يونيو 2015

باكلّم عمر الصبح وهو في الشغل وبيقولّي أشوف فيلم In Time لغاية ما يخلص شغل. اتقابلنا الساعة أربعة في نزلة السمان عشان نركب خيل، هو بيحب يركب خيل جدًا، وهو اللي شجّعني أجرب، بس ماكنتش أقدر أجري بالخيل زيه. قبل ما نمشي من هناك سرحت شوية، وسألني سرحانة في إيه. حكيتله إني بفكر في الفيلم اللي شفته الصبح، وبيني وبين نفسي كنت خايفة وقتي مع عمر يخلص، وحياتي تقف زي ما بيحصل في الفيلم. خلصنا وكنا جعانين وبنفكّر هنروح ناكل فين. عمر ماكنش جرب «تشيليز» قبل كدا. روحنا تشيليز نايل سيتي في الزمالك وكان الجو جميل. قال لي «أنا مبسوط»، وكنت مبسوطة. اتصورنا سوا وطلبنا الأكل. صديق ليا عرّفته على عمر من شهرين بالضبط قال هاييجي يسلم علينا، ووصل على الساعة تمانية ونص، وكنت أنا وعمر مقررين نروح لدكتور عمر في وسط البلد لتحديد ميعاد عملية ضرورية في وشه بسبب حادثة كان عملها من سنة.

واحنا خارجين من نايل سيتي، تلات أشخاص بزي مدني بيوقفونا وبيطلبوا مننا بطايقنا وموبايلاتنا وبيأمرونا نركب ميكروباص أبيض. الأول أنا فكّرت إننا بنتخطف. اللي بيدي الأوامر بيتكلم في التليفون مع حد وبيقوله: «مبروك يا باشا خلاص قبضنا عليه، وفيه كمان اتنين معاه، واحدة اسمها إسراء محفوظ وواحد اسمه عمر محمد، أجيبهم معايا؟» غموا عيوننا ووصلنا لاظوغلي. كلام المحققين معايا كان مضمونه إنه مافيش مشكلة مني أو من عمر وإننا هنخرج. تاني ليلة ماخرجناش وكنت في مكتب الظابط اللي خطفنا وكان رافع التغمية من على عيني. عمر دخل وكان متغمي وشكله متبهدل جدًا. عيطت، مش عارفة هو عمر عارف إني هنا ولا لأ. أنا بخاف جدًا على عمر، وكنت بفكر إنه كويس إننا مع بعض عشان كنت هقلق جدًا عليه، وأنا مش عارفة أوصلّه ولا عارفة مكانه.

الضابط سأله على حاجاته اللي كانت في شنطته، وقال لظابط تاني ياخده. مافهمتش هياخدوه فين، وماخرّجونيش.

تالت يوم حاولت أسأل أمين شرطة كان متعاطف معايا هو عمر فين، فقال لي إنه غالبًا راح النيابة، وفضلوا يقولوا لي هاتخرجي.

رابع يوم ظابط كان بيتكلم معايا وأنا بعيط وبيقولّي: «متخافيش، انتي هتخرجي وعمر هيخرج. دا عيل هلّاس وعارفين إنه مالهوش في حاجة». الاختفاء القسري مرعب. أنا اختفيت قسريًا لمدة 16 يوم، وكنت متوقعة إنه يكون خرج لما أخدوه من لاظوغلي.

18 يونيو 2015

ماما وإخواتي قدروا يجولي أول زيارة في السجن بعد ما ظهرت على ذمة قضية أمن دولة، أول حاجة سألتهم عنها: «هو عمر روّح البيت؟» قالوا لي إن عمر في السجن وظهر على ذمة قضية عسكرية!

عرفت منهم إنهم خدوا عمر من لاظوغلي للمخابرات الحربية، وإنه كان فاكرني روّحت البيت، لحد ما راح السجن وعرف إني أنا كمان اتسجنت.

يوليو 2015 – ديسمبر 2015

أول جواب جالي من عمر وأنا في القناطر كان في الزيارة اللي بعد عيد ميلادي (28 يونيو). كان باعت لي وردة عاملها بالمناديل. الجوابات صعبة جدًا في السجن، وكمان دي من سجن لسجن. كنا بنهرّب الجوابات في زياراتنا الأسبوعية. بعد ما كنت بشوف عمر كل يوم كنت بفضل أدعي لغاية الزيارة ما تيجي إن يجيلي جواب من عمر وإني أعرف أخرّج له جوابي من غير ما يتقفش! كنت بعيش في السجن بجواباته.

قبل إصابتي في 25 يناير 2014 ولما كنت بنزل مظاهرات كنت بخاف من السجن وبتوقعه، بس بعد الإصابة وبعد ما بعدت تمامًا عن الاهتمام بالسياسة، لإني كنت مشلولة مؤقتًا، كنت بفكر دايمًا إني لو اتسجنت هموت. اللي أنقذني من الموت طول فترة سجني واختفائي قسريًا هو أملي إني أشوف عمر تاني، وجواباته اللي كنت بتنفس بيها في السجن. كنت بكتب لعمر كل يوم كل تفاصيل يومي وبحكي معاه كل حاجة ماقدرش أحكيها مع أي حد، وهو كمان؛ صحيت إمتى وفطرت إيه واتغديت إيه وإيه اللي حصل النهاردا. وطول الوقت كنت بعيط وأشكيله وأحكي معاه.

كان دعائي لربنا وأنا في القناطر إن عمر يخرج قبلي أو نخرج في نفس اليوم مع بعض زي ما كنا بنعمل كل حاجه سوا، إحنا حتى اتخطفنا سوا، لإني عمري ما هتحمل إني أشوفه في السجن. أنا مش عارفة ازاي ظهرت في قضية وعمر في قضية مختلفة خالص ومالهوش أي علاقة بيها ولا يعرف حد فيها أصلًا، وهو نفسه لحد دلوقتي مش فاهم دا. أول سؤال كنت بسأله لأهلي في الزيارة «هو عمر فين؟ ماجاش معاكم ليه؟»، ويقولولي «عمر في السجن»، «طب فين الجواب؟» في ديسمبر بعتلي جواب قال لي فيه «انتي هتخرجي في 2015 وهستناكي تجيلي الزيارة وهخرج بعدك».

19 ديسمبر 2015

أخلَى سبيلي في اليوم دا، لكن بتدابير احترازية تشمل الإقامة الجبرية في البيت. وأنا في عربية الترحيلات لحد ما وصلت السجن فضلت أعيط؛ مش قادرة أستوعب إنه حتى يوم ما أخرج مش هقدر أشوف عمر. كنت حاسة إن اللي جاي صعب جدًا عليّ. وأنا خارجة من القسم كنت بدور على عمر في وشوش الناس، وحاسة إني هتجنن؛ ازاي أخرج وعمر لسا في السجن؟

فبراير 2016

الإقامة الجبرية اترفعت عني مع استمرار التدابير، وأول حاجة عملتها إني رحت لعمر الزيارة مع عيلته في أول فبراير. كانت أول مرة أشوفه فيها من تمان شهور. على قد ما فرحت وروحي رجعتلي إني شفته، وان إحنا الاتنين لسا عايشين، حزنت جدًا؛ يا ريتني كنت مكانك! أصعب من إن الواحد يكون في السجن، إن أحبّ حد له يكون في السجن ومش عارف يعملّه أي حاجة. العجز إحساس قاتل. كان نفسي لو أقدر أخطفه وأخبّيه جوايا ونمشي ونخرج من الكابوس دا.

إحنا كنا بنتعشى ومبسوطين، ليه نشوف بعض في السجن؟ ليه؟ كان بيصبّرني ويقولّي إنه هياخد براءة في المحكمة، وكنا كلنا مستنيين إنه يخرج فعلًا بالبراءة.

29 مايو 2016

كانت جلسة القضية اللي فيها عمر في المحكمة العسكرية في مدينة نصر. عمر كان مأكّد عليّ ماجيش عشان الجلسة هتتأجل، ولإنهم مش بيسمحوا بالزيارة في المحكمة. صحيت الصبح وقررت إني هروح الجلسة عشان محتاجة أشوفه ولو من عربية الترحيلات. وأنا في الطريق للمحكمة كلمت المحامي، وقالّي إن عمر اتحكم عليه مؤبد، والخط قطع.

حصلت لي صدمة عصبية، مش قادرة أستوعب وبعيط وبفكر إني كمان كان ممكن جدًا يتحكم عليّ مؤبد، ماحنا كنا مع بعض! وصلت المحكمة، دوّرت على عمر وقالولي إن المتهمين لسا ماوصلوش، وعمر حتى مش عارف إيه اللي حصل. بعدها بحوالي ساعة وصلوا ودخلوهم الحجز. ماكنتش شايفة أي حاجة قدامي غير إني محتاجة أشوف عمر. سمحولي إني أشوفه، وهو كان مصدوم ومش مستوعب وبيحاول يهون عليّ. حكالي إنهم عرفوا الأول إن فيه اتنين أخدوا براءة في القضية، وكل المتهمين بقوا بيباركوا لعمر على أساس إنه براءة، لأن حتى رئيس النيابة كان قال لعمر وللمحامين معاه إنه هيخرج براءة من المحكمة، لحد ما اتفاجئ وعرف إنه أخد مؤبد.

عمر لما اتخطفنا كان عنده 22 سنة، واتحكم عليه بالسجن المؤبد عشان كان بيتعشى برا.

19 ديسمبر 2016

سنة كاملة عدّت من وقت خروجي من السجن. خرجت من السجن لسجن الزيارة. في أول أربع زيارات لعمر دخلتله عادي. في الزيارة الخامسة، رئيس مباحث السجن منعني من الدخول بحجة إني مش قريبة درجة أولى، مع إن كل اللي في السجن بيزوروهم ناس مش درجة أولى، عادي. قالّي لازم تصريح زيارة. طلّعت تصريح زيارة ورحت لعمر، واتفاجئت إنهم بيدخّلوني الزيارة في مكتب الظابط، مش مع الناس في صالة الزيارة، ولمدة خمس دقايق بالظبط. ليه طيب؟ تعليمات أمن الدولة، ودا إجراء بس وبعد كدا الزيارة هتبقى عادية.

اللي حصل إنه لحد النهاردا، وبعد سنة كاملة أقصى أحلامي فيها إني أقدر أدخل لعمر الزيارة وأشوفه، فضلوا متعنتين جدًا معايا شخصيًا، وأنا خطيبته وباجي بتصريح الزيارة. الناس كلها زيارتها بتبقى ساعة وأنا زيارتي أقصى حاجة بتكون عشر دقايق، وفي مكتب الظابط، وبيكون قاعد معانا ظابط عشاني أنا شخصيًا. وأوقات كتير باتمنع من الزيارة، لو مش عايزينّي أشوف عمر، حتى لو معايا تصريح زيارة، حتى في الأعياد. رحت والناس كلها دخلت الزيارة إلا أنا، وانهرت فعلًا زي كل مرة؛ مافيش أي حد في السجن بيعاملوه كدا في الزيارة غيري.

النهاردا عمر محبوس لليوم الـ567 من 25 سنة. وفاضل أيام بسيطة وتبدأ السنة الجديدة، وكل أمنيتي إننا نبدأها سوا، وتخرج كلمة «السجن» من حياتنا.

اعلان
 
 
إسراء الطويل