Define your generation here. Generation What
من يدفع تكلفة «القاهرة بلا كارو»؟
 
 
صورة: بسمة فتحي
 

لا يظن مالكو عربات الكارو أن مشروع الحكومة الجديد «القاهرة بلا كارو» سينجح في تحقيق هدفه المعلن، وهو التخلص من العربات التي تجرها أحصنة أو حمير أو بغال بشوارع العاصمة. المقترح الذي أعلنه محافظ القاهرة، عاطف عبد الحميد، في نهاية نوفمبر، سيعمل على سحب الكارو من الشوارع بالتدريج وتقديم المساعدة المالية لأصحابها لشراء مركبات مميكنة.  

يقول يحيى شوكت، أحد مؤسسي مركز «عشرة طوبة للدراسات والتطبيقات العمرانية» وباحث في شؤون العدالة الاجتماعية والعمران: «هناك نوعيات من عربات الكارو، مثل المستخدمة في تجميع القمامة وإعادة التدوير والمدابغ والجولات الترفيهية، عادة ما تكون مرتبطة بالصناعات المحلية للأحياء التي تتواجد بها.»

تعتبر عربات الكارو مصدر دخل للآلاف من الأسر الفقيرة، إلا أن المسؤولين بعدة محافظات قد قاموا بعدة محاولات فاشلة لمنعها في السنين الماضية. في محافظة القاهرة وحدها، كانت هناك محاولات لمنع أو الحد من تواجد عربات الكارو في الشوارع في أعوام ١٩٧٣ و١٩٨٧ و١٩٩٩ و٢٠٠٦، كما استهدفتهم حملة أمنية عام ٢٠١٠.

ذكرت الحكومة سببين لمنع العربات التي تجرها حيوانات: عرقلة سير المرور لبطئها واحتمال تسببها في حوادث، وتأثير وجودها بالسلب على صورة مصر بشكل يعطي الإيحاء بانعدام النظافة والنظام.

عربة كارو في أحد شوارع حي المعادي بالقاهرة - صورة: Basma Fathy

ولكن بالرغم من النظرة لعربات الكارو كشيء بدائي ومتأخر، يؤكد شوكت أنها في الحقيقة أكثر أمانًا وحفاظاً على البيئة من غيرها. يؤكد شوكت، مثلما أشار في مقال سابق، أن محاولات منع أو تقليل تواجد عربات الكارو لا يجب أن تغفل أنها «تمثل حق لفقراء المصريين في التنقل والعمل.»

في وداع عربات الكارو، بدأ المذيع جابر القرموطي، إحدى حلقات برنامجه «مانشيت» على قناة العاصمة الأسبوع الماضي بدخول سيارة كارو يجرها صاحبها إلى الأستوديو، يجول بجانبها موتوسيكل ممثلاً أحد البدائل الأكثر عصرية للعربة الأصلية. أخبر سائق الكارو القرموطي أن استخدام كلمة «العربجي» للإشارة لسائقي الكارو والتي تحتوي على معاني توحي بالبلطجة أو المستوى الاجتماعي المتدني، تزعجه. سرد القرموطي المحاولات السابقة الفاشلة، واقترح بدائل مثل العربات التي تستخدم الموتوسيكل لجرها.

تكلفة التخلص من الكارو

تعتمد مبادرة المحافظ على تحفيز سائقي الكارو لشراء العربات المميكنة، من العربات التي يجرها الموتوسيكل، وصولاً إلى عربات النقل، عن طريق مدهم بقروض ميسرة يتم سدادها على فترة طويلة، بشرط أن يسلموا عرباتهم الكارو. قال محافظ القاهرة أنه جاري دراسة مشاركة صندوق التضامن الاجتماعي والاتحاد الاقليمي للجمعيات الأهلية في تمويل المبادرة.

جلال حافظ – سائق كارو - صورة: بسمة فتحي

«لو كنت أقدر على شرا عربية نقل كنت عملت كده. بس احنا بنعاني عشان نوفر اللقمة، احنا بالعافية قادرين نعيش.»

إلا أن خطة المحافظة تواجه عائقين أساسيين: التعقيدات التي قد يسببها قبول عدد كبير من السائقين المبتدئين في وقت قصير، وشكوك بشأن مدى القابلية الاقتصادية للمشروع ومدى قدرة الدولة على دمج قطاع من الاقتصاد غير الرسمي. يمثل شرط القدرة على القراءة والكتابة، للحصول على رخصة قيادة، عائق بسبب ارتفاع نسبة الأمية بين سائقي الكارو. إلا أن محافظة القاهرة وكما تشير جريدة الأهرام، قد فكرت في تنظيم صفوف محو أمية للسائقين بالتنسيق مع الاتحاد الاقليمي للجمعيات الأهلية، وصندوق التضامن الاجتماعي والهيئة العامة لتعليم الكبار ومديرية التضامن الاجتماعي. 

تبقى المشكلة الأكبر، وهي مدى الجدوى الاقتصادية للخطة، ومدى اعتراف المعنيين بالأمر بشرعيتها. يرى شوكت أن الخطة الاقتصادية للمبادرة ستمثل عبءً اقتصاديًا على الأسر التي تعتمد على أنشطة معتمدة على الكارو. «سيضطر الكثير منهم للاقتراض وقد تكون نسبة العجز في التسديد عالية جدًا.» يقول شوكت.

يقدر شوكت الدخل الشهري لسائق الكارو بـ١٤٠٠ جنيه. سامح، سائق الكارو الذي تحدث للقرموطي، والذي يعمل مع شركات بناء بالقاهرة، قال إن دخله انخفض ليصل إلى بضعة مئات شهريًا بعد التدهور الأخير في الوضع الاقتصادي العام.

يقول أحمد حمدي، سائق عربة كارو، يبيع عليها اليوسفي بمنطقة منشية ناصر، إن سعر العربة يتراوح بين بضعة مئات، وصولاً لألفي جنيه، حسب مواصفات العربة وقدرة تحميلها. يحدد حمدي سعر الحصان بين ١٠٠٠ و٥٠٠٠ جنيه، بينما يقول إن الحمار أو البغل يتراوح بين بضعة مئات و٢٥٠٠ جنيه. بالمقارنة، تكلف عربة نصف نقل مستعملة عشرات الآلاف، بينما تصل تكلفة عربة النقل لما يزيد عن ١٠٠ ألف.

جلال حافظ، صاحب عربة كارو - صورة: Basma Fathy

يسأل سائق الكارو، جلال حافظ: «هنأكل عيالنا ازاي من غير العربيات؟ أكل عيشنا بيعتمد على العربية والحيوان.» يعيش حافظ بمنطقة الزهراء بحي المعادي، ويستخدم العربة الكارو في السنوات الثلاثين الماضية لتجميع الأوراق والبلاستيك، وغيرها من المواد لإعادة التدوير، كما يعمل ابناه في نفس المجال على عربتيهما الخاصة.

يعترف حافظ أن عربات الكارو أحيانًا ما تعطل سيولة المرور، ولكنه يضيف أن مشاكل المرور لها أسباب أخرى أكبر، مثل عدد المركبات في الطريق.

في كل الأحوال ليست عربات الكارو في مقدمة الأسباب لنسبة الحوادث في مصر، والتي تعتبر من ضمن الأعلى في العالم.

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2015 مقتل 25 ألف شخص في حوادث سير. وأوضحت الإحصاءات أن السيارات الخاصة كانت مسؤولة عن 36.8% من الحوادث، وسيارات النقل 27.8%، وسيارات الأجرة 18.9%.

«نحن نحتاج لقواعد مرور أفضل لضمان أمان وكفاءة الطرق بشكل عام، ينطبق هذا على الكارو وعلى غيرها، فلماذا نركز على عربات الكارو فقط؟» يقول شوكت.

جمال محمود – سائق كارو - صورة: بسمة فتحي

 «الناس اللي زيي ما يقدروش يدفعوا الأقساط.. يعملوا ايه؟ نسرق يعني عشان نقدر نشتري عربية نقل؟»

يقول حافظ إنه يصرف على حصانه ٥٠ جنيه علف يوميًا، وإنه يبيت في غرفة المعيشة لعدم وجود مكان آخر. يقدر حافظ دخله الشهري بـ١٢٠٠ جنيه من بيع المواد التي يجمعها مستخدمًا عربته. لم يكن حافظ على علم بمبادرة العاصمة بدون كارو، وعند تعريفه بها قابلها بتشكك في فرص نجاحها. «لو كنت أقدر على شرا عربية نقل كنت عملت كده. بس احنا بنعاني عشان نوفر اللقمة، احنا بالعافية قادرين نعيش.» يقول حافظ.

يجوب جمال محمود بعربته الكارو شوارع المعادي، يجمع ويبيع الأدوات المنزلية المستعملة. يعتبر محمود أن أي محاولة لمنع عربات الكارو هي مشروع فاشل.

مثل حافظ، يقول محمود إنه سيكون سعيد بتبديل عربته الكارو بعربة مميكنة، إلا أنه ليست لديه القدرة المالية على ذلك. ويتسائل محمود: «الناس اللي زيي ما يقدروش يدفعوا الأقساط.. يعملوا ايه؟ نسرق يعني عشان نقدر نشتري عربية نقل؟»

يقف حمدي بعربته الكارو في منطقة منشية ناصر ليبيع اليوسفي بجانب طابور من العربات المحملة بالمواد المنتظرة دورها لتسليمها إلى مراكز إعادة التدوير. بالرغم من وجود بعض المصاريف المرهقة لأصحاب عربات الكارو، مثل مصاريف الاعتناء بالحيوان، إلا أن حمدي يقول إن حالهم أفضل من مالكي العربات المميكنة، الذين يحتاجون لتغطية مصاريف أعلى.

بغض النظر عن المصاعب الاقتصادية التي تتضمنها خطة الحكومة، يقول حمدي إن العربات المميكنة غير مناسبة لبعض مستخدمي الكارو مثل بائعي الفاكهة أمثاله. ويوضح أن العربة التي يجرها موتوسيكل تحمل أقل من نصف ما تستطيع عربته الكارو حمله، وأن مقاسات عربته التي هي أطول من العربات المميكنة، ولكنها أقل عرضُا تسمح له بالدخول في الحارات الضيقة.

يقول أحمد فريد، بائع فاكهة يتمركز على الجانب الآخر من الطريق، إنه يواجه مضايقات كثيرة من الأمن والمحافظة: «على طول عايزين يغرمونا أو يسحبوا عربياتنا، احنا عايزينهم يسيبونا في حالنا عشان نشتغل.» يرفض فريد فكرة استبدال عربته الكارو بأخرى مميكنة، لتخوفه من أن يضيف وجود لوحة أرقام من مضايقات الشرطة له.

جمال محمود على عربته الكارو - صورة: Basma Fathy

مقترح للتنظيم

يقول شوكت إن الحل هو وضع آليات لتنظيم عمل العربات وإصلاح النظام بدلاً من محاولة منعها مما سيؤدي لخسارة عدد كبير من السائقين وعائلاتهم لمصدر رزقهم، مشيرًا إلى أن دول متقدمة مثل الولايات المتحدة و بريطانيا، تسمح بسير عربات الكارو، ولكن تفرض قواعد صارمة لعملهم.

يقترح شوكت عمل حارات خاصة لعربات الكارو لحل مشكلة تأثيرها على سير المرور، خاصة على الطرق السريعة، وإلزام العربات بتركيب أنوار لتسهيل رؤيتهم ليلاً.

———————————————————————

اعلان
 
 
جانو شربل