Define your generation here. Generation What

عن حلب: لماذا تحلو العزلة في وقت المجازر؟

«الأحد 4 تموز 1982:

100 ألف متظاهر في تل أبيب ضد الحرب في لبنان يطالبون باستقالة بيغن وشارون. إسرائيل تشن عليك الحرب وإسرائيل تتظاهر ضد حربها. والإسرائيلي هو الذي يمشي في جنازتك. وتكاد أن تعجب بديمقراطية عدوك..

والعرب صامتون..

أقسى من الحصار.

أوجَع من صراخ الأطفال ومن أنين الجرحى.

أفظع من مناظر الجثث والدمار.

وأقْتَلُ مِن قصف القنابل.. وأعلى دويًا، هذا الصمت العربي، وإذا نطق، فكفرًا: رسالة من حاكم عربي يحثّ فيها المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية على (الانتحار ولا العار).

الانتحار؟ شارفناه. أما العار، فعليكم جميعًا!

وكفى تخريفًا عن مسؤولية الحكام والأنظمة! أين هي حركة التحرر الوطني العربية وأزمتها المدللة؟ والسؤال الكبير: لماذا لا تتحرك الجماهير العربية؟؟

من كتاب «عن أَملٍ لا شِفاء مِنه. من دفاتر حصار بيروت حزيران تشرين 1982 » للكاتب اللبناني فواز طرابلسي. والصادر في بيروت 1984

كتبت هذه اليوميات خلال لحظة اجتياح بيروت، وتحت وطأة الحصار الإسرائيلي لها، لا افتعال باللغة التي كتبت بها، ولا شكوك حول أن كل يومية منها كتبت بغير زمنها اللحظي. كل واحدة أشبه بالدفقة الشعرية الواحدة؛ خليط من الغضب والحب والموقف الأخلاقي والإنساني والسياسي الواضح تجاه ما كان يحدث لحظة بلحظة آنذاك.

في ذاك الزمن، 1982، لم يكن هناك اختراع اسمه «مواقع التواصل الاجتماعي»، لم يكن هناك فيس بوك، ولا تويتر . لم تكن هناك إلا الآلات الكاتبة والأوراق والدفاتر.

ومع ذلك، وبجانب الصمت العربي الذي أشار له طرابلسي، كان هناك كتاب ومفكرون وأدباء ومثقفون غير صامتين، وإنما دوّنوا مواقفهم ومشاهداتهم لحظة بلحظة، وكما يقول الكاتب السوري ممدوح عدوان في كتابه الشهير «دفاعًا عن الجنون»، فـ«الحياة مزدحمة والهاوية قريبة. لا بد من أن أكمل صرختي».

بهذا المعنى تحديدًا، معنى «الصرخة»، يمكننا فهم كيف تتشكل اليوميات المكتوبة تحت الحصار.

***

لكن يبدو أن شيئًا تغير من ذاك الزمان، فعدا عن الأهوال التي شهدها العالم العربي في القرن المنصرم، يبدو أن الشعوب العربية في ثوراتها في السنوات الأخيرة، فوجئت بهذا الكم الهائل من الحسابات التي عليها تصفيتها مع ماضيها.

هذا ما أشار إليه مثلًا المفكر السوري – الراحل منذ أيامصادق جلال العظم في مقاله «الديمقراطية والعلمانية/ الإسلام والحداثة والمثقفون والثورة»، والمنشور في مجلة دمشق 2013: «أنا أدرك أن الثورة السورية هي تصفية حسابات لسوريا مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عن ما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري في لحظات مثل لحظة حصار مدينة حماة سنة 1982، وتدميرها والفتك بأهلها، ولم تحرك سوريا ساكنًا يومها على الرغم من أننا جميعًا كنا نعرف تمامًا ما الذي كان يحدث في حماة في ذلك الوقت. كما تقبّلت سوريا لفترة طويلة جرائم حكامها في القتل والتعذيب وارتكاب المذابح والحبس التعسفي والاختفاء القسري وعشرات آلاف المفقودين بهدوء، وكأن ذلك كله ممارسة عادية ومسألة طبيعية

***

صحيح أن تصفية الحسابات مع الماضي كانت هي عنوان الثورة السورية في بدايتها، ولكن اليوم، وتحديدًا في مدينة حلب، فقد ذهب الحاضر الراهن إلى أبعد من تصفية الحسابات.

فبعد ستة أعوام من القتل والاعتقال والتعذيب والقصف بالبراميل المتفجرة وراجمات الصواريخ وتدمير البنى التحتية، عدا عن اغتصاب النساء وذبح الأطفال بالسكاكين والإعدامات الميدانية وعمليات الخطف في كل أرجاء سوريا، وصل الأمر إلى الإبادة الجماعية للمدنيين في حلب الشرقية وفي غيرها، بعد حصار المناطق التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة في تلك الأحياء. شن النظام حرب إبادة على المدنيين المحاصرين هناك من خلال القصف العنيف على المنطقة، وبدأت الصور تنهال علينا من كل صوب، قادمة من أحياء حلب، صور لجثث متقطعة لمدنيين مرميين في الشوارع، حاولوا الهرب من القصف، لكن على ما يبدو فنظام الأسد وروسيا والمليشيات الإيرانية وحزب الله لا يريدون للمدنيين أن يخرجوا من تحت الحصار أحياءً.

وعلى الجهة المقابلة في حلب الغربية، كان التلفزيون السوري يبث على شاشته صور احتفال الناس هناك بـ«تحرير حلب من الإرهابيين» وانتصار «الجيش السوري». كانت الصدمة أقسى وأثقل من أن تُحتمل؛ هل قصف المدنيين وقتلهم وارتكاب المذابح بحقهم يعدّ «تحريرًا»، و «انتصارًا»؟ إنها لسابقة في هذا العصر الذي نعيشه، أن يحتفل سوري، ويطرب لإبادة وذبح سوري!

لكن القادم كان أكثر رعبًا، فما أن دخلت قوات النظام حيّ الكلاسة في حلب الشرقية في 12 من هذا الشهر، حتى أعدمت الكادر الطبي لمستشفى الحياة في هذا الحي، بعد اقتحامها المستشفى أثناء تمشيطها للمنطقة، حيث قبضت على الأطباء والممرضين وأعدمتهم ميدانيًا، ولا يزال مصير الجرحى المدنيين في الحي مجهولًا.

بلغ عدد المدنيين الذين أعدمتهم قوات النظام في الأحياء التي سيطرت عليها، نحو 90 شهيدًا، معظمهم في حيي «الكلاسة» و«الفردوس»، فضلًا عن إعدامات أخرى في أحياء «الصالحين»، و«بستان القصر».

كما جاءت من هناك نداءات واستغاثات من ناشطين وأطباء، تحذر بأن النظام قد يرتكب مجزرة مروعة بحق المدنيين المحاصرين بمساحة لا تتجاوز كيلومترَيْن مربعين، معظمهم من المدنيين، في حال لم يستطيعوا الخروج، ولم تؤمن ممرات آمنة لهم.

***

 

في تلك الليلة التي أقل ما توصف به أنها ليلة الرعب والعار، ومن غرفته المعتمة بحي المشهد بحلب الشرقية، يستغيث الدكتور سالم أبو النصر بكل من لديه ضمير في العالم للتحرك لإنقاذ المدنيين، يصف وضعًا فيه 80 ألف شخصًا، معظمهم من المدنيين، مكدسون فوق بعضهم البعض، وتتعرض فيه المنطقة لـ«إبادة حقيقية، الناس، الحجر والبشر» بحد قوله. يختم أبو النصر كلامه بابتسامة تخرج مع غصةٍ في القلب: «نتمنى نعيش.. منحب الحياة.. ونلتقي».

هذا الطبيب الذي شهد أقصى أنواع العنف، ولعلمه بأن دخول الميلشيات للمستشفيات والمراكز الاجتماعي ينطوي على تخريب لكل شيء، اكتفى بتعليق لافتة أمام باب مركز «دارنا» الاجتماعي بحي المشهد، تخاطب الميلشيات: «انتبه! لا تخرب! هنا يوجد أشياء يستفيد منها أطفالك».

 

في تلك الليلة لم تنم شريحة كبيرة من السوريين سواء داخل سوريا أو خارجها من هول الفاجعة، بعد أن بدأت الناس تنشر الأخبار والصور والفيديوهات وتندد بما يحدث في حلب، وبتخاذل العالم أجمع أمامه.

ورغم آلاف الصور التي توثّق، لحظة بلحظة، ما يحدث هناك، لكن ما بدا غائبًا تمامًا، وأشبه بصمت القبور، كان صوت الكثير من المثقفين بالعالم العربي، بالإضافة لمحاولاتهم لإنكار لما يحدث.

دعك من المثقفين ممن باركوا علنًا انتصار روسيا وبشار الأسد، وهم المثقفون الذين مثّلوا أعداء واضحين يمكن التعامل معهم، إنما ما أوجع وطعن من الخلف كان رمادية صمت زملائهم الذين عبّروا على صفحاتهم الشخصية عن حالة العزلة التي يريدون الركون إليها لقراءة الشعر والأدب.

أثناء كتابته ليومياته تحت الحصار، لم يتوقف فواز طرابلسي عن القراءة. هناك يومية بعنوان «المطالعة فعل مقاومة»، يشير فيها الكاتب لقصيدة للشاعر الفرنسي بول إيلوار بعنوان «منع تجوّل»، كما يقتبس مقطعًا من رواية «كيرا كيرالينا» للكاتب الروماني بانيات إستراتي الملقب بـ«مكسيم جوركي بلاد البلقان»، والتي تعد شهادته عن لبنان أثناء زيارته لها.

لم يخجل طرابلسي من القراءة أثناء الحصار، ولم ير المطالعة كفعل عزلة يمنعه من التصريح بمواقفه السياسية وتدوين ما يحدث آنذاك، على عكس بعض الكتاب والمثقفين الآن الذين لا تحلو لهم العزلة إلا في ساعات المجازر والمذابح.

كما يتلافى البعض الآخر من المثقفين التصريح بمواقف سياسية حول سوريا، تحت دعوى أنهم مشغولون بمشاكل بلادهم المحلية، ولكن للمفارقة، فهذا النوع من المثقفين لا ينشغلون بمشاكل وقضايا بلادهم حين يتعلق الأمر بموقف قد يحرمهم من نيل «جائزة أدبية حكومية» مثلًا.

كما يردد بعض المثقفين في بلد عربي مثل مصر عبارات مثل «لا يعني كوننا لا نكتب شيئًا أننا لسنا متضامنين»، ولكن لم تكن لديهم مشكلة في التعبير عن تضامنهم مع ضحايا صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية، سواء بالكتابة أو بإشعال الشموع في ميدان طلعت حرب.

ينسى هؤلاء أمرًا بديهيًا؛ أن الكلمة هي السلاح ووسيلة التعبير الأساسية لديهم، وأن الموقف الأخلاقي والإنساني (ولننس السياسي) هو أقل ما يمكن أن يتخذه أشخاص يدّعون أنهم «مثقفون»، بحق مدنيين يتعرضون للمذابح وللمجازر على مدار الساعة.

ألا يشعر أحدٌ بالذنب عن هذا الصمت والعمى المتعمدين أثناء مشاهدة الجثث والأشلاء التي تأتينا من حلب؟

عن إحساس الذنب هذا كتب الكاتب اللبناني أحمد بيضون على صفحته الخاصة على الفيس بوك: «في عالَمٍ يبدو وكأن آخِرَه ظاهرٌ للعَيان من أوّله (مع العِلْم أن هذه «الشفافية» فيها الكثيرُ من التوهّم)، هل لا يزال يوجَد مَواضعُ يمكن العيشُ «العاديّ» فيها بلا شعورٍ فادحٍ بالذَنْب؟»

وبينما عنوَنَ فواز طرابلسي يومياته التي دونها أثناء حصار بيروت بـ«عن أمل لا شفاء منه»، تصدّر لنا اليوم جموع من المثقفين يأسًا لا شفاء منه.

 

اعلان
 
 
سامر مختار