Define your generation here. Generation What
حوار: حول إغلاق «أفتر إيت» وحفلات القاهرة والتطوير لصالح الأغنياء.. و«فئران وسط البلد»
 
 

ضرب الحزن مجموعات كبيرة من المستمعين والموسيقيين على السواء هذا الشهر، بعد الإعلان عن إغلاق أفتر، وهو بار شعبي ومسرح للعروض الموسيقية الحية، بحلول منتصف ديسمبر.

ظل هذا المسرح، المختبئ في زقاق ضيق بين المباني الكبرى في شارع قصر النيل والمعروف بـ«أفتر إيت»، ملاذًا للموسيقيين المستقلين ومستمعيهم لسنواتٍ طوال. وقد بدأت فرقٌ موسيقية، مثل «سلالم» و«سط البلد»، رحلاتهم الفنية بين جدرانه.

أدار طارق مرصفي، وهو تاجر أعمالٍ فنيةٍ سابق يقضي أنشطته ليلًا، والبالغ من العمر 58 عامًا، هذا المكان لـ15 عامًا، لكن تاريخ المكان يعود إلى أبعد من ذلك.

كان مدى مصر يستضيف قائمة أغاني الأربعاء، حيث يُدعى الموسيقيون وغيرهم من المساهمين لتشغيل أغانيهم في أفتر إيت منذ بداية العام الجاري. لم تكن ذلك مجرد حفل كبير من دون رسمٍ للدخول، بل واحدًا من الأنشطة المدرَّة للدخل لـ«مدى».

لذا، ذهبَت مها النبوي وروان الشيمي إلى المعادي لمحاورة مرصفي وزوجته كريمة عبد الكريم، 52 عامًا، التي أدارت معه أفتر إيت طوال الأربعة أعوام الماضي، حول إغلاقه، وحبهما لـ«فئران وسط البلد» الذين لا ينفقون الكثير من المال، وحول ثورة 2011، وما تعنيه ندرة الأماكن الفنية للساحة الموسيقية، والتطوير لصالح الأغنياء الذي يغيِّر معالم وسط البلد.

مها النبوي: في البداية، متى ولماذا توليت إدارة أفتر إيت؟ وماذا كانت رؤيتك؟

طارق مرصفي: كان ذلك في 2002. كنت أبحث عن بار محلي صغير في المعادي، ثم فجأة أخبرني شخصٌ ما أن «أفتر إيت» بوسط البلد معروض للإيجار. وفي خلال 24 ساعة استأجرت المكان، ولم تكن لديَّ أية رؤية جاهزة في ذهني على الإطلاق وقتها، ولمدة ستة أشهر.

مها: كم كان عمرك حين زرت «أفتر إيت» لأولِ مرة؟ وكيف كان المكان وقتها؟

طارق: كنت في الثامنة عشر من عمري. كان المكان جميلًا، جميلًا جدًا، كان أفضل ما في المنطقة.

مها: نعم. جدي وجدتي وأبواي اعتادوا الذهاب إلى هناك. افتُتِحَ المكان في العام 1962، أليس كذلك؟ من كان مالكه الأصلي؟

طارق: في 1962، كان رؤوف بدراوي، ثم بعد ذلك مصطفى الكاسب في 1970 بعد جمال عبد الناصر.

روان الشيمي: كيف تغيرت فكرة المكان مع الوقت؟ كان المكان في البداية كافيتيريا للسينما، أليس كذلك؟ متى تحول إلى ما يشبه بارًا بشكلٍ أكبر؟

كريمة عبد الكريم: قبل 1962 كان «جحا»، مقهى سينما قصر النيل المجاورة له. كان له مدخلٌ من السينما نفسها. ورغم أنه كان في الأغلب سينما، إلا أن أم كلثوم كان تقيم حفلاتها هناك على المسرح، لذا فقد أُطلِقَ عليه «مسرح قصر النيل» حين كانت هي أو عبد الحليم تغني فيه، لكنه كان دار سينما. كان من الطبيعي أن تطلبي فيه شرابًا وشطيرةً أثناء الاستراحة. لا أعلم لما أغلقوه وصار مكانًا مستقلًا. كان مسرح قصر النيل مهمًا للغاية في الخمسينات والستينات، وأُقيمت فيه العديد من العروض الحية.

مها: إذن ترخيص المشروبات الكحولية قديم إلى ذلك الحد! المكان يقدم المشروبات الكحولية منذ الخمسينات.

كريمة: بالطبع. كان ذلك أسهل كثيرًا وقتها. كل الأماكن كانت تقدم المشروبات الكحولية. كان أبي يقول لي أن من الممكن طلب شراب في المسارح ودور السينما والكافيتيريات.

روان: إذن في 1962 أصبح المكان «أفتر إيت». هل بدأ في استضافة عروض الموسيقى الحية على الفور؟

كريمة: كلا. كان اسمه في البداية «ستريو»، قبل ظهور صالات الديسكو. على سبيل المثال، في هليوبليس، كان هناك مكانٌ بالقرب من المطار اسمه «ستريو ميريلاند». كان يعتمد على شرائط الكاسيت والأقراص الدوَّارة. كنا نذهب إلى هناك للحصول على بعضٍ منها، لكن كانت لدينا الأقراص الدوَّارة القديمة من الستينات من «أفتر إيت».

طارق: خلال السبعينات، حين كان مصطفى الكاسب يدير المكان، كان يستضيف فنانين مثل عزة بلبع وطلعت زين.

مها: ما نوع الموسيقى التي كانوا يعزفونها هناك في الستينات والسبعينات؟ هل كانت غربية، فرنسية وإيطالية؟ وعربية؟

طارق: موسيقى أجنبية وليس عربية. في الأغلب أغاني إيطالية وفرنسية وإنجليزية شهيرة.

مها: نعم، بالطبع، العقدة السيئة التي خلَّفها الاستعمار لدينا. وهل كان الناس يرقصون؟ أو هل كان أكثر من مجرد نادي يجلس فيه الناس سويًا؟

طارق: كان الاثنين معًا، لكن ساحة الرقص كانت صغيرة. ذات مرة رأيت سعاد حسني ترقص هناك.

مها: حقًا؟ هذا جميل.

طارق: ورشدي أباظة.

كريمة: واو!

طارق: وأحمد رمزي وعمر الشريف.

مها: كيف بدت الساحة الفنية في السبعينات؛ ما هي الأندية أو الأماكن الأخرى في الجوار؟

طارق: «أرابيسك» في وسط البلد، وكان هناك أيضًا «بوب 28» في الزمالك، و«أفتر إيت»، و«جيشا» في فندق أطلس وسط البلد.

كريمة: «تمارينا» أيضًا في شارع الهرم. كان هذا المكان رائعًا في فترةٍ معينة.

طارق: و«الأوبرج وجاكيس» في النيل هيلتون.

مها: ثم أخذت أنت «أفتر إيت» في 2002. ماذا كان تصورك في البداية للمكان؟

طارق: حين بدأت في أولِ الأمر، أردت نفس «الأفتر إيت» الذي اعتدت الذهاب إليه. لكن لم يفلح الأمر. كل من كان يرتاد «أفتر إيت» في وقتي لم يعد يخرج، فقد كبروا وتوقفوا عن الخروج ليلًا. لذا لم أكن أعرف ماذا أفعل. بدأت في استضافة فرقٍ موسيقية كانت معروفة، لكن ليس معروفة في كلِ مكان.

مها: قل لنا بعضًا من هذه الفرق التي استضفتها في البداية.

طارق: لا أتذكر أسماءهم، لكنهم كانوا موسيقيين يعزفون موسيقى فرنسية أو أجنبية. بعد ذلك فكرت في موسيقى الجاز، لذا أحضرت موسيقيين جدد شباب معروفين. ولشهرين، كانوا يعزفون موسيقاهم ثلاث أو أربع مرات أسبوعيًا. بدأت بالموسيقيين الأكثر شهرةً، مثل يحيى خليل وفتحي سلامة، والأقل شهرةً وقتها مثل فرقة «وسط البلد». ثم بدأت أبحث أكثر فأكثر عن الموسيقيين الشباب الصغار.

روان: لماذا؟

طارق: كانوا مختلفين. يحيى خليل على سبيل المثال كان بالفعل يعزف موسيقاه في أماكنٍ أخرى، لذا لم يكن استمراره في الحفلات الموسيقية في أفتر إيت يضيف جديدًا.

كريمة: هكذا كانت عروض الموسيقى الحية وقتها. كنا لنجد شبابًا وشاباتٍ، أو فرقةً من ثلاثة أو أربعة، يغنون بعض الأغاني المعروفة بالفعل في البارات مثلًا. وهكذا نشأ الموسيقيون «الأندرجراوند».

مها: صرنا نفقد هذه المساحات أكثر فأكثر، والأماكن والمسارح مثل أفتر إيت مهمة في استضافة هؤلاء الموسيقيين ودفعهم للأمام. أنا واثقة من أن «وسط البلد» كان بإمكانها تحقيق الشهرة على أيةِ حال، لكن مساحة مُتاحة لعزف الموسيقى وتقديم العروض الموسيقية بانتظام، وبناء قاعدة من جمهور المستمعين، لهي أمور هامة تفيد الفنان. إنه أمرٌ محبط أن نسمع عن إغلاق مساحاتٍ كهذه.

كريمة: لكن هناك أماكن أخرى تُفتَتَح. انظروا إلى «ذات تاب».

طارق: لابد أن تنظري إلى الوضع قبل خمسة عشر عامًا. بدأ «كايرو جاز كلوب» قبلنا بشهرينِ فقط.

كريمة: حتى ساقية الصاوي لم تكن قد بدأت بعد في ذلك الوقت. هناك أيضًا مقاه تفتح تقدم مساحات فنية، مثل «علبة ألوان» و«صوفي» في الزمالك، و«رووم» في جاردن سيتي. لكن المشكلة الكبيرة هي أن تفتح مكانًا كهذا برخصة لتقديم المشروبات الكحولية. وإذا كان بإمكان الأماكن الموجودة الآن أن تحصل على هذه الرخصة، لوجدت العشرات والعشرات من الأماكن تُفتَتَح لتفتح باب الفرص أمام الموسيقيين «الأندرجراوند». هؤلاء الموسيقيون يريدون أن يقولوا ما يريدون، ومن أجل توفير الحمايةِ لهم، لا يريدون الخوض في المسارات التجارية العادية للإنتاج، وبالطبع يرغبون في عرض موسيقاهم أمام الجمهور بشكل حي، ويحتاجون ذلك. لذا، فإذا كانوا يقدمون عروضهم مرتين أو ثلاث شهريًا، فبإمكانهم تأمين أفكارهم وكلماتهم وموسيقاهم.

الأمر كله هو أن بإمكانهم تقديم العروض الموسيقية في «ساقية الصاوي» مثلًا، لكن ذلك لن يتيح لهم فرصة النمو والانتشار أو حتى كسب الرزق. حين تقدم عرضًا فنيًا في مكانٍ صغير، فإنك بهذا تمارس الموسيقى وترتجل. وبدلًا من دفعِ المال أو استئجار ستوديو، فإنهم يحصلون على المال من عروضهم الموسيقية الأسبوعية.

طارق: أول حفلة لـ«وسط البلد» كانت في «ساقية الصاوي». أرسلوا لنا بريدًا إلكترونيًا في «أفتر إيت»، وصاروا مثالًا كبيرًا لفرقةٍ عُرِفَت وانتشرت من الفراغ.

تغيرت أفكار الجيل الأصغر حين بدأوا يسمعون الموسيقى «الأندرجراوند». حتى الأفراح تتحول إلى مساحات فنية. فجأة صارت حفلات الأفراح تدعو «وسط البلد» و«سلالم»، أو حتى «كراش بوم بانج». وقد ساعد «أفتر إيت» و«كايرو جاز كلوب» هذه الفِرَق في انتهاز مثل هذه الفرص. قبل ذلك كان هناك «جيشا»، الذي كان يمتلك مساحة «كايرو جاز كلوب» قبل أن يصبح «جاز كلوب» – من دون التوسعات الجديدة.

مها: الكحوليات في أماكن الحفلات الموسيقية تساعد الناس على الاندماج مع الموسيقى. هذا أيضًا ما ألاحظه في الحفلات التي تُقام في الأماكن التي تقدم المشروبات الكحولية، لأنها مساحات اجتماعية، ولا يذهب الجمهور إلى هناك فقط للاستماع للموسيقى. غالبًا ما يرتادون هذه الأماكن للاختلاط ببعضهم وخلق الصداقات. أحيانًا ما يحدث ذلك حتى في الصف الأمامي على حافة المسرح، تحت أعين الموسيقيين. هل كان الأمر دائمًا هكذا؟

كريمة: أنا لا أفعل ذلك ولا أتحمله. ليس ضروريًا. في مصر، من أجل أن يستمع الناس بانتباهٍ للموسيقى، لابد أن يوضع ذلك في الاعتبار أثناء الإعداد للحفل، سواء برفع المسرح، أو بالفصل بين الجمهور والمسرح نفسه، فبمجرد أن يختلط المسرح بساحة الرقص يصير الأمر أصعب.

طارق: في «أفتر إيت»، كنا نعتمد لعدةِ سنواتٍ سياسة معينة في الحفلات التي نقيمها قبل منتصف الليل. تبدأ الفرقة عرضها في الثامنة وتنتهي في العاشرة مساءً. طبقنا هذا النظام في الموسيقى التي تحتاج انتباهًا أكثر في الاستماع إليها. وبمجرد أن تبدأ الفرقة عرضها الموسيقي، لا يُسمح للناس بالتحرك حولها سواء فريق العمل أو الضيوف. لم يكن مسموحًا أيضًا بالمكالمات الهاتفية أثناء الحفل، ويجلس الناس في أماكنهم، بل ويأتون أصلًا، قبل بدء الحفل. كان الناس يأتون بغرض الاستماع للموسيقى، ثم يعودون إلى منازلهم بعد ذلك، رغم أن فئتهم العمرية كانت مختلفة في ذلك الوقت.

مها: لنتحدث الآن عن إغلاق «أفتر إيت». على حدِ علمي، هناك مالكٌ جديد للمبنى كله، أليس كذلك؟

طارق: إنه لا يملك المبنى كله، فقط «أفتر إيت» و«مسرح قصر النيل» و«أرابيسك» (الذي يحمل الآن اسم «زجزاج»).

كريمة: يريد الرجل أن يجدد العقد. ربما يريد أن يفعل شيئًا بذلك لم نتحدث معه في الأمر، وطارق يشعر بالتعب والملل.

مها: يمكنني تخيل ذلك. 15 عامًا من الحياة الليلية.

طارق: إنني أبحث عن شيءٍ بسيط. و15 عامًا أكثر من كافية. يمكن لشابٍ أن يستكمل المسيرة بمفهومٍ جديد، ويمكننا أن نذهب إلى هناك ونرحل وقتما نشاء.

مها: هناك خسارةٌ رمزية في ذلك، ليس فقط خسارة المكان أو المساحة أو أيٍ من هذا القبيل، بل شعورٌ أكبر بالفقدان.

كريمة: أحب الفكرة نفسها، لكنها بالنسبةِ لي أكثر من مجرد عمل؛ إنها شغف. لسوءِ الحظِ، لم أبدأ هذا العمل معه من البداية، فقد أتيت حين كان بالفعل يهمد ويملّ ويواجه الكثير من المشاكل، بالأخص في التعامل مع الحكومة. لكن بالنسبةِ لي، الأمر كله هو أنني أحب الناس الذين يرتادون المكان، بالأخص أولئك الذين يأتون أيام الثلاثاء والأحد فئران وسط البلد وهذه المساحة هي التي أحبوها. إنهم لا ينفقون الكثير من المال، ونحن لا نهتم بذلك. هذا ما يجعلنا نتخلى عن فكرة الإنفاق على المكان، لكننا نحب هذا المكان، نحبه بهذا الشكل. ولهذا سأفتقده بحق، سأفتقد هذا الحشد. فرقةٌ صغيرة تأتي لتغتنم الفرصة، ثم تجدين أنهم ناجحون بالفعل. هذا ليس مجرد عمل.

روان: تشعرين أنكِ جزءٌ من شيءٍ أكبر.

كريمة: أشعر أن عملي له معنى. إنه ليس مجرد مقهى أو مطعم يجلب مالًا.

مها: فيما يتعلق بالمال، حتى حين نقيم حفلاتنا، التعامل مع المتطلبات المالية غير المنطقية لنقابة الموسيقيين لا يُصدق.

كريمة: نحن لا نكترث بما إذا كانت منطقية أم لا، رغم أنها ليست منطقية بالفعل. لو أنهم يتقاضون نسبةً مما تحصل عليه الفرقة، لكان ذلك كافيًا، لكن لا تطلبوا مني أن أدفع أكثر مما ستحققه الليلة كلها.

مها: هذا ما يردع الناس عن فتح هذا النوع من الأماكن.

كريمة: ما يثير الدهشة أن مدينة مثل القاهرة، بتعداد سكاني لا يقل عن 15 مليون نسمة، لديها فقط خمسة أو ستة من هذه الأماكن! نحتاج المئات منها كي تكون لدينا حركة فعلية، وكي لا نتعلق فقط بطبقةٍ معينة. يمكنكِ أن تجدي الموسيقى في الأفلام، وفي البارات الشعبية في الأحياء الأفقر تجدين الموسيقى والرقص. لا يرتبط الأمر بالضرورة بالخمور. وإذا نظرتِ إلى من يديرون مقاهي الفن، ستجدين أنهم يواجهون مشاكل مشابهة مع نقابة الموسيقيين.

طارق: فكرت في البداية في فتح بار، وكنت أعيش وقتها بين بيروت والقاهرة. في بيروت، إذا قررتِ الخروج، ستواجهين مشكلة؛ هناك فقط عشرون مكانًا يمكن أن تذهبي إليهم، والمشكلة تكمن في الاختيار. حين أتيت إلى هنا، أتممت عملًا جيدًا وقررت أن آخذ زوجتي للاحتفال. تجولنا في الزمالك والمهندسين، ولم نجد أي مكان، وانتهى بنا الحال إلى العودة إلى المنزل. لذا فكرت؛ لماذا لا أبدأ شيئًا هنا؟ أردت في الأصل أن أفتح بارًا. وحين عدت مرة أخرى لبيروت، أخبرني صديقٌ أن هناك عشرين بارًا في شارعٍ واحد، وهو شارع الجميزة. كانت كلها بارات جميلة، والعاملون فيها كانوا جميعًا لطفاء، والناس أيضًا كذلك. أما هنا، هناك فقط المشاكل والتهديدات واحدة تلو الأخرى.

روان: بعيدًا عن التعامل مع الحكومة، الذي نعلم جميعًا أنه كارثةٌ في حد ذاته، ما التحديات الأخرى أمام إدارة بار أو ساحة موسيقية؟ هل كان من الصعب في هذه النقطة إيجاد الزبائن والعازفين الجدد؟

طارق: الجانب الأصعب، إذا كنتِ تريدين الحفاظ على مستوى خدمة الزبائن وجودتها، هو أنكِ لابد أن تتواجدين هناك يوميًا حتى الخامسة فجرًا. لابد أن تكوني جزءًا من كل التفاصيل والقرارات. بالنسبة للمشاكل الحكومية، فأخيرًا أرسينا نظامًا للتعامل معها، وشكلٌ من أشكال التعامل قد أُرسيَ بالفعل. أما بقية المشاكل، فعليكِ تدبير أمرها.

مها: لابد أنكم تضررتم أثناء الثورة. لابد أنكم أغلقتم المكان لبعض الوقت.

كريمة: طارق كان في ميدان التحرير، لذا لم يهمه الأمر. بعد انتفاضة ال18 يومًا في 2011، لم يعد أحدٌ يريد الذهاب مرة أخرى لوسط البلد. وقد استغرق الأمر عامين على الأقل لعودة العمل إلى ما كان عليه.

طارق: في اليوم الثامن عشر، أقمنا حفلة هائلة في «أفتر إيت». العاملون لم يكونوا هناك، والمفتاح كان معي. فتحنا البار بالمجان، ولم يتبق منه شيء. ومن يعيشون في الجوار جلبوا زجاجاتهم معهم من البيت.

مها: أحببت تلك الأماكن التي خاطرت وظلت مفتوحة أثناء حظر التجول.

كريمة: أثناء الحظر، كان الناس يتذمرون لنا. كانوا يريدوننا أن نفتح، لذا وافق طارق، لكن بشرط أن يأتون وينصرفون في الخامسةِ فجرًا. فعلنا ذلك مرةً أو مرتين، حتى أتى شخصٌ ما، أعطى للنادل بقشيشًا جيدًا وانصرف مبكرًا. خرج من المكان حوالي الساعة الثالثة فجرًا، ليجد الدبابات والجيش أمامه يسألونه من أين أتى. أخبرهم أنه قادمٌ من «أفتر إيت»، فاقتحم الجيش المكان وأخذ العاملين فيه واحتجزهم حتى الصباح.

روان: في 2014 أعدتم تصميم المكان. ما الذي جعلكم تفعلون ذلك؟

كريمة: في 2013 ضجر طارق من المكان وسأم منه. بالطبع لم يكن الناس يرغبون في الخروج إلى وسط البلد أصلًا، باستثناء المجموعات اليسارية التي كانت هناك على أيةِ حال. بدأ العاملون في إدخال أي شخص. لم أهتم بالطبقة التي ينتمون لها، لكنني كنت أهتم بتصرفاتهم. لا أريد أن يأتي شخصٌ ليتحرش بالنساء أو يسكر ويبدأ في العراك، فذلك سوف يضر بسمعة المكان. كانت الفرق تقدم عروضها الموسيقية في هذه الغرفة الصغيرة، وقد كرهوا ذلك حقًا، فقد كانت ضيقة جدًا. لابد أن يشعر الفنان بالارتياح، لذا قررنا أن ننقل المسرح إلى ساحة الرقص. وقد جعل ذلك الناس يشعرون بأننا لا نزال موجودين.

مها: هل هناك أية حكايات أسطورية لـ«أفتر إيت»؟

طارق: الكثيرون من آباء أصدقائي وقعوا في الحب في «أفتر إيت». والكثيرون من الأزواج العجائز كانوا يأتون للاحتفال بذكرى زواجهم ويشتكون من الضجيج.

مها: أردت أن أعرف رأيكما، باعتبار أنكما تديران مساحة فنية في وسط البلد لزمنٍ طويل، حول تدخل شركة الإسماعيلية للاستثمار العقاري في المنطقة بشرائها الكثير من العقارات. من جانب، هم يشجعون المساحات الفنية بالإيجارات المدعومة والمهرجانات مثل «ديكاف». لكننا نعلم أن هدفهم النهائي هو تحويل وسط البلد إلى منطقةٍ تشبه «شتايجنبرجر» (صاحب منتجعٍ بالغردقة وفندقٍ جديد بجوار أفتر إيت). هذا ما يوجعني حزنًا. أريد أن أرى ترميمًا وتحسينًا، وليس تطويرًا يغيِّر المعالم يصب في صالح الأغنياء وعجزًا عن تحمل التكاليف.

كريمة: لم أكوِّن رأيًا في ذلك بعد، فما مِن اتهامٍ ملموسٍ في الأمر. حتى الآن لم يستحوذوا على مكانٍ قديم ويجعلوه مثل «ستارباكس»، لذا لا يمكنني أن أقف ضد ما يفعلون الآن. على العكس، إنهم يبذلون جهدًا كبيرًا حتى الآن في الترميم. لا أعتقد أنهم يريدون إحداث تغييرٍ كبير، إذ يكمن وقار وسط البلد في الحفاظ عليها وليس تغييرها. لكنها ستتحول إلى منطقةٍ للمستثمرين الكبار، فالمشاريع والأماكن الصغيرة ستُغلق ويُطرد أصحابها، وسترتفع الأسعار بشكلٍ كبير. هذه هي المشكلة.

روان: لن يغيروا مكانًا مثل مقهى ريش أو جروبي، لأن قيمة العقار نفسه تكمن فيهم. فهم يذهبون إلى العملاء ذوي القدرة الاقتصادية العالية والنوستالجيا. الضحايا سيكونون الميكانيكيين المجاورين لتاون هاوس، أو محلات الملابس الداخلية في قصر النيل، أو محلات الكيّ في الشوارع الجانبية.

كريمة: مثل شارع 9 بالمعادي. هذا ما حدث هناك؛ أُغلِقَت كل المحال الصغيرة، ولا يمكنك هنا إلقاء اللوم على أصحاب العقارات الذين فشلوا في تحصيل دخلٍ بسبب قوانين الإيجار القديم.

اعلان
 
 
روان الشيمي