Define your generation here. Generation What

الأساطير المؤسسة لقانون الإعلام

مر قانون الهيئات الإعلامية من مجلس النواب. ورأى المجلس في جلسته العامة أن يضفي عليه من لمساته، فوسّع من صلاحيات رئيس الجمهورية بأكثر مما جاء في المسودة التي أحالتها لجنة الثقافة والإعلام به، بحيث ألزم النقابات المهنية بترشيح ضعف العدد المطلوب منها تسميته، وتُترك لرئيس الجمهورية الكلمة الأخيرة في اختيار العدد المطلوب من بين الشخصيات المرشحة.

وهكذا على سبيل المثال، فان نقابة الصحفيين المطلوب منها تسمية عضوين في المجلس الأعلى للإعلام، أصبح عليها بعد تعديلات مجلس النواب في عمومه، أن تختار أربعة أسماء ترشحها لرئيس الجمهورية لكي يسمي هو العضوين من بين الأربعة.

والتغييرات التي طرأت على تشكيل الهيئات على مرحلتين؛ مرحلة لجنة الإعلام ثم مرحلة المجلس في جلسته العامة، هي لا شك الأهم على الإطلاق. لكن الضجيج الذي صاحب نقاشات وسجالات الأسبوع الماضي بين الأطراف المختلفة وهو ضجيج أغرقنا بالاتهامات العلنية بالعمالة في برامج التوك شو، والجدل حول توصية مجلس الدولة وما إذا كان القانون يمر كوحدة واحدة أم على جزأين – هذا الضجيج ساهم لحد كبير في صرف الأنظار عن هذه النقطة الجوهرية، كما ساهم في إضعاف اهتمام جموع الصحفيين والإعلاميين، لحد يقترب من اللامبالاة، بمشروع القانون.

النموذج الفرنسي

يعطي القانون، كما جرى إقراره، لرئيس الجمهورية الحق في تسمية رؤساء الهيئات العامة مباشرة. كما يعطيه الحق في تسمية عضوين من أعضاء المجلس الأعلى للإعلام، وثلاثة أعضاء في كل من الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، هذا هو التعديل الأول على المشروع الذي قدمته لجنة الخمسين. وبينما يصر «معظم» أعضاء لجنة الخمسين على أن لجنة الإعلام في مجلس النواب هي من عدلت المادة لإعطاء صلاحيات واسعة للرئيس، يصر أعضاء لجنة الإعلام على أن هذا هو النص كما وصلها من لجنة الخمسين دون تعديل.

وبإضافة التعديل الثاني الذي ذكرناه آنفًا، والذي أدخله مجلس النواب مجتمعًا، يتضح حجم المساحة المتروكة لرئيس الدولة في التشكيل.

وما يعنينا هنا هي «المعلومات» التي قدمت لتبرير التغيير، وأهمها على الإطلاق أن هذه السلطات الواسعة لرئاسة الدولة ليست بدعة وأنها مأخوذة من دول ديمقراطية، وتحديدًا فرنسا (كتصريحات رئيس لجنة الإعلام أسامة هيكل ونقيب الصحفيين السابق ضياء رشوان، خاصة في سجاله مع حافظ الميرازي على قناة دريم، وعبد المحسن سلامة في مناظرة الأربعاء). فكيف قُدّم هذا النموذج الفرنسي وكيف هو في الواقع؟ نستطيع الحديث هنا عن أربع نقاط:

  1. الأسوأ وليس الأفضل في أوروبا

جرت العادة عند سن القوانين الأخذ بالممارسات الأفضل Best practices تأسيسًا لتراكم الخبرات الإنسانية مع مراعاة الخصوصيات بالطبع. وقد واجه النموذج الفرنسي في تشكيل «المجلس الأعلى للإعلام السمعي البصري» CSA، والذي قيل إنه جرى الاقتداء به، الكثير من الانتقادات داخل فرنسا وفي أوروبا لدى تقييمه وفقًا لمعايير الاستقلالية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي. ونلاحظ أن المجلس الفرنسي خلافًا لنظيره المصري لا علاقة له لا بالصحافة المكتوبة ولا بالصحافة الرقمية ويقتصر عمله فقط على تنظيم محطات الإذاعة والتلفزيون. ويصف تقرير لجنة الخبراء الأوروبيين الصادر عام 2012، وهو أحد التقارير الهامة في تقييم الهيئات المنظمة الأوروبية، التعديلات التي أدخلها الرئيس السابق نيكولا سركوزي على عمل المجلس بأنها «جعلت المجلس الفرنسي الأقل تحقيقًا للمعايير الأوروبية لاستقلالية وسائل الإعلام على الإطلاق».

  1. سبعة أعضاء وليس تسعة

أوردت التصريحات المختلفة أن المجلس الفرنسي يضم تسعة أعضاء يختار رئيس الجمهورية رئيس المجلس ومعظم الأعضاء فيه (تراوحت التصريحات ما بين ثلاثة أعضاء كما هو في القانون المصري إلى كل الأعضاء). وهذه هي الأسطورة الثانية.

جرى هنا تجاهل ما طرأ على المجلس الفرنسي من تعديلات جوهرية جاءت تحديدًا لمعالجة الانتقادات الكثيرة الموجهة لهيمنة رئيس الدولة عليه.

قبل عام 2013، كان عدد أعضاء المجلس الفرنسي تسعة بالفعل. يتولى رئيس الجمهورية تعيين ثلاثة منهم بما فيهم رئيس المجلس، ويسمي كل من مجلس النواب (الجمعية الوطنية) ومجلس الشيوخ ثلاثة.

لكن الأمر تغير جذريًا مع تولي الاشتراكيين الحكم في 2013، وكان تغيير القانون لإنهاء سيطرة السلطة التنفيذية أحد الوعود الانتخابية في معركة الرئاسة .

ونص القانون الجديد في فرنسا على تقليص عدد الأعضاء الذين يختارهم رئيس الجمهورية من ثلاثة إلى عضو واحد فقط، كما اشترط موافقة كبيرة في مجلسي النواب والشيوخ على المرشحين الآخرين، لضمان أن تكون للمعارضة فرصة للتصويت عليهم.

وبذا، يكون القانون المصري قد توقف عند المرحلة الأكثر تعرضًا للانتقاد للنموذج الفرنسي.

3. المجلس سياسي لا تنفيذي

خلط القانون المصري بين صفتين ووظيفتين للهيئات؛ الهيئة التي تضع السياسات وتتشكل من أصحاب المهنة، وتلك الفنية وتتشكل من الفنيين، حيث جمع بين الأعضاء من الشخصيات العامة وأصحاب المهنة، وبين الفنيين كممثل وزارة المالية والهيئة القومية للاتصالات المختصة بتوزيع الترددات وهكذا. وهو ما رفع نسبة تمثيل المؤسسات في مقابل أصحاب المهنة.

وبالنظر إلى تركيبة المجلس الفرنسي (وغيره من المجالس) نجد أنها تفصل بوضوح بين من يضع السياسات، وبالتالي تتيح التمثيل الملائم لأصحاب المهنة والخبرة، وبين الفنيين الذين تحيلهم إلى اللجان المختصة. فالمجلس الفرنسي كله مشكل من أصحاب المهنة.

4. التلفزيون العام

وهي الأسطورة الرابعة، وتختص بحالة التلفزيون المملوك للدولة، على اعتبار أن الهيئة المنظمة الفرنسية، مرة أخرى، لا علاقة لها لا بالصحافة المكتوبة ولا بالصحافة الإلكترونية (كلتاهما منظمتان بالقانون فقط)، كما لا تمتلك الدولة صحفًا.

القناة الأولى الأهم في التلفزيون الفرنسي بيعت للقطاع الخاص، ولم يبق لتلفزيون الخدمة العامة إلا القنوات الأضعف. ومع دخول البث التلفزيوني الرقمي – الديجتالشهدت فرنسا انطلاق عدد كبير من القنوات المتخصصة، خاصة الإخبارية، وكلها قنوات خاصة. فإذا لم يكن تلفزيون الخدمة العامة ضعيفًا (ويعتبره الكثيرون كذلك) فهو على الأقل في منافسة كبيرة مع القنوات الخاصة. ويلاحظ أن ملكية القنوات مفتوحة للشركات ورجال الصناعة الكبار، حيث لا يشترط عدم استثمار مالكي القنوات التلفزيونية في صناعات أخرى، وذلك على العكس من النظام البريطاني مثلًا الذي يمنع الجمع بين امتلاك وسائل الإعلام والأنشطة الاستثمارية الأخرى، منعًا لشبهة استغلال الوسيلة لخدمة المصالح التجارية لصاحب القناة أو الوسيلة.

ويبقى أن نذكر ما فعله الرئيس الفرنسي ساركوزي بالتلفزيون العام، فأفقده جزءًا كبيرًا من إيراداته، عندما أصدر قرارًا بمنع الإعلانات على شاشات التلفزيون العام في الفترة المسائية والسهرة، وهى الفترة الإعلانية الأهم. وكانت الحجة التي ساقها في ذلك الحين أن في ذلك حماية للأسرة، بينما قال معارضوه إن القرار كان مجاملة لأحد أصدقائه من مالكي القنوات الخاصة التي استفادت من القرار بعد أن تحولت الإعلانات إليها.

رغم أساطيره تلك، لا يمكن الحديث عن النموذج الفرنسي بمعزل عن حيوية المجال العام في فرنسا. وهو ما يجعل الكثير من المعادلات، بما فيها الإعلام، قائمة على توازنات دقيقة. هناك الدور الذي تلعبه النقابات، حيث يستطيع الصحفي الانضمام لأي من النقابات المتعددة إن أراد، وهو غير ملزم بالانضمام إلى نقابة الصحفيين (الأضعف على الإطلاق)، والنقابات مسيسة، وانتماءاتها السياسية، سواء لليمين أو لليسار، معلنة.

كما أن هناك أيضًا الدور الذي يلعبه الإعلام ذاته والناخب في مساءلة المسؤولين. وما فعله ساركوزي أثناء حكمه، بما في ذلك تغييره للقوانين لإحكام قبضته على الإعلام المملوك للدولة، هو ما دفع ثمنه عندما أراد إعادة ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، فلم يحصل إلا على نسبة ضئيلة للغاية من أصوات حزبه جعلته يعلن اعتزاله العمل السياسي نهائيًا.

اعلان
 
 
نجلاء العمري