Define your generation here. Generation What
ممنوع حضور الأهل والأحباء.. الجنازة عسكرية
 
 
صورة: Heba Afify
 

عندما تفقد عزيز؛ أب، أم، أخ، أخت، ابن، ابنه، أو غيرهم من المقربين، تكتسب لحظات الوداع الأخير أهمية خاصة لديك، إنه المشوار الأخير مع عزيزك إلى مثواه الأخير، حيث ستلقي عليه هناك النظرة الأخيرة، لتعود بدونه إلى الأبد. لذا يحرص من تعز عليهم أن يكونوا إلى جوارك في تلك اللحظات العصيبة لمواساتك وتخفيف الحزن عنك، ذلك هو الأصل في الجنائز، ويتعاظم هذا المعنى ويتخذ أبعادًا أخرى، كالتعبير عن التضامن العام أو الغضب أو الاحتجاج، عندما تفقد عزيزك في فاجعة كتلك التي شهدتها الكنيسة البطرسية الأحد الماضي. كيف ستشعر عندما يمنعك أحدهم، أيًا كان، من هذا الوداع الأخير؟

«الإنسان ليس بالبكاء والصراخ والصوت، ولكن الألم في القلب، حوّل ألمك ودموعك ومشاعرك، حوّلها لصلاة وارفعها في صلوات مقبولة أمام الله (…) وأرجو في الخطوة القادمة، وهي الانتقال إلى موضع النصب التذكاري بمدينة نصر أن نحافظ على النظام ونحافظ على كرامة هؤلاء الذين انتقلوا ونحافظ على الهدوء والسلام، لا تنسوا أن كل هذا منقول على الهواء لجميع العالم ويجب أن تظهر صورتنا، صورة الإنسان المؤمن الذي يرفع قلبه إلى الله بالصلاة وهو متعزي بكلمات الله وفرح بأن هؤلاء سبقونا إلى السماء».

بهذه الكلمات حاول البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في نهاية عظته بعد قداس ضحايا انفجار الكنيسة البطرسية، أمس الإثنين، إثناء الجموع المحتشدة عن الوداع الأخير، حفاظًا على «الهدوء والسلام».  

كانت الكنيسة قد أعلنت مسبقًا أن حضور القداس سيكون مقصورًا على حائزي الدعوات التي وزعتها على أهالي الضحايا وبعض المقربين منهم، ما حال دون مشاركة المئات في القداس بكنيسة السيدة العذراء والقديس أثناسيوس بمدينة نصر، فتجمعوا خارج الكنيسة تحاصرهم قوات الأمن، رافعين أياديهم إلى السماء بهتاف «يا رب».

اشتعل الغضب في صدور المحتشدين أمام الكنيسة، فدخلوا في مشادات كلامية مع القوات التي تحاصرهم، البعض أصر على حضور القداس، والبعض الآخر وجه اللوم لوزارة الداخلية على تقصيرها، فرد عليهم الأمن بالعصى والقبض على عدد منهم، تم إخلاء سبيلهم لاحقًا، بحسب المحامي الحقوقي، سامح سمير.

يقول الناشط في الدفاع عن حقوق الأقباط، باتريك جورج زكي، لـ«مدى مصر»، إن قوات الأمن قد سحلت أحد المتواجدين بعد اندلاع الاشتباك قبل أن تقبض على عدد بين ١٥ و٢٠ متظاهرًا، مشيرًا إلى أن غضب الجماهير من استبعادهم من حضور القداس كان قد بدأ يوم الأحد، عندما أعلنت الكنيسة أن الحضور سيكون بالدعوات.

يضيف زكي: «عمرها ما حصلت قبل كده إن حضور أي حاجة في الكنيسة يكون بالدعوات إلا قداس العيد، فكرة إن العزى يكون بدعوات، ده أصلاً حاجة حقيرة جدًا، فيه قرايب ماعرفوش يحضروا».

ويرى زكي أن إبعاد المراسم عن موقع الحادث وعن الكاتدرائية، التي عادة ما تكون موقع لتجمع المسيحيين بعد أي حدث كبير بصفتها المقر الرئيسي للكنيسة القبطية، كان غريبًا ومخالف للعرف، ويعتقد أنه كان مقصودًا في محاولة لإبعاد ذكرى الفاجعة عن أذهان المشاركين بالعزاء.

استمرت محاولات إبعاد جموع المعزين عن فعاليات الجنازة بإلغاء طقس «زف الجثامين» من الكنيسة، وهو الطقس المتبع في حالات مشابهة، حيث خرجت الجثامين من الكنيسة داخل سيارات الإسعاف تحاوطها قوات الأمن المركزي وسيارت الجيش وقيادات من الشرطة والقوات المسلحة.

عقب خروج النعوش من الكنيسة، سارع المحتشدون على أطراف الحواجز الأمنية المدعومة بمدرعات يعتليها رجال أمن مدججين بالسلاح، في محاولة للحاق بمسيرة الجنازة. وبعد أن تجمع المئات منهم ظهرت دبابة ومعها قوة أمنية لتسد الطريق أمامهم في أحد الشوارع الجانبية وتمنعهم من التقدم بالضرب بالهراوات، ثم تم إغلاق الشارع بكردون أمني.

وقف المعزون في مواجهة الدبابة يهتفون «بالروح بالدم نفديك يا صليب»، ثم اضطروا للعودة أدراجهم، وبدأوا في المناورة عبر شوارع جانبية كان معظمها مغلق بحواجز أمنية، حتى نجحوا أخيرًا في اللحاق بركب الجنازة.

رافق المئات عربات الإسعاف التي تحمل جثامين الضحايا في مسيرتها لمنصة النصب التذكاري، مرددين ترانيم مسيحية وهتافات ضد الإرهاب. في لحظة امتعض أحد اللواءات من الهتافات بالرغم من غياب أي انتقاد مباشر للدولة، فاقتحم الجموع صائحًا: «يعني ينفع كده؟ ينفع كده؟»، قبل أن يعنف أحد المصورين ويطلب منه التوقف عن التصوير.

كانت مسيرة النعوش من الكنيسة إلى قرب المنصة هي الخطوات الوحيدة التي سُمح فيها للجموع والأهالي بالمشاركة في الجنازة، وسرعان ما تم استبعادهم قبل الوصول للنصب التذكاري.

في شارع يوسف عباس القريب من المنصة، سدت قوات الأمن الطريق على الجموع التي هتفت غاضبة: «افتح يا سيسي». وفي مناورة للتخلص من الجموع، قامت سيارات الإسعاف بالالتفاف في حركة مفاجئة والإسراع في الاتجاه المعاكس، بينما ألقى البعض بأنفسهم أمام السيارات في محاولة فاشلة لإيقافها، انطلق البعض الآخر ركضًا في محاولة مستميتة للحاق بالسيارات، قبل أن يفقدوا الأمل ويتوقفوا، ليظهر انكسارهم وحسرتهم في بكاء وسقوط البعض على الأرض والصراخ الهستيري من البعض الآخر.

بعد نجاح قوات الأمن في منع الجموع من التقدم، أقيمت الجنازة مقتصرة على القيادات السياسية والكنسية، وواحد فقط من ذوي كل ضحية.

أكرم إسماعيل، الناشط اليساري، الذي كان ضمن المحتشدين أمام الكنيسة، يقول لـ«مدى مصر» إن قيادة الدولة كانت مصممة على جعل الجنازة عسكرية فقط، وليست شعبية، بسبب الأخطار التي يتضمنها ظهور جموع المعزين في قلب المشهد، في ظل الاحتقان الذي تبع الحادث من احتمالات لوجود هتافات ضد الأمن والدولة واحتمالات للتصعيد، مشيرًا إلى أن «الهم الأول للدولة كان التغطية على الإحراج الذي سببه الحادث بمشهد عسكري لامع».

يضيف إسماعيل: «القيادة ذات الإنجازات الحقيقية يلتف حولها الناس، لكنه (السيسي) غير قادر على ذلك، فتحامى في العساكر والقيادات القبطية، حتى ولو كان الثمن أن يضرب أهالي الضحايا بالعصى».

رغم أن إسماعيل يرى إقامة جنازة عسكرية لضحايا أقباط كتطور مهم بالنسبة للمجتمع القبطي وأسعدت القيادات القبطية، إلا أن طريقة التعاطي الحصرية مع الجنازة قد زاد من غضب قطاع كبير من جموع المسيحيين، «هو فعلاً بيقدم حاجة كبيرة للمسيحيين بتحصل لأول مرة بتنظيم جنازة عسكرية، لكنها مجاملة بطعم الاحتقار»، على حد قوله.

اعلان
 
 
هبة عفيفي