Define your generation here. Generation What
رغم نفي السيسي.. الخلل الأمني متهم في تفجير «البطرسية»
 
 

لحظات تجمد فيها المشهد. دقائق عديدة انتظرتها أشلاء وجثامين الضحايا في انتظار الدخول المفاجئ للرئيس عبد الفتاح السيسي لينضم إلى جمع شارك فيه البابا ورئيس الحكومة وعدد من الوزراء، بفاصل جغرافي واسع عن أهالي وأصدقاء الراحلين.

مثل لحظة وصوله المفاجئة، أعلن السيسي فجأةً عن توصل قوات الأمن إلى هوية منفذ التفجير الانتحاري باستخدام حزام ناسف، محمود شفيق محمد مصطفى، وتوقيف أربعة بينهم سيدة.

انفعل الرئيس بعدها وقال: «أوعوا تقولوا تفجير الكنيسة خلل أمني».

وفي مصادفة لافتة، كانت صحيفة اليوم السابع، أصدرت في عددها ليوم أمس، والذي عُرض في الأسواق قبل أكثر من 12 ساعة من التفجير، عنوانًا عريضًا قال: «تقارير أمنية تكشف عن مخططات إرهابية لاستهداف الكنائس ومواقع الشرطة»، وأضاف: «إلا أن الضربات الأمنية الناجحة ساهمت بشكل كبير في إبطال هذه المخططات الإرهابية».

منذ وقوع الانفجار، وقبل انتهاء أعمال الفحص والتحقيق الأولية، خرج المسؤولون الأمنيون والخبراء الاستراتيجيون ليأكدوا ما قاله الرئيس وأمّن عليه البابا. «لا خلل أمني»، «ما حدث يحدث في أكثر دول العالم تقدمًا». لكن ثمّة من يرى أن الأمر يحتاج إلى أكثر من الانفعالات، والتحذيرات الرئاسية القاطعة.

كانت كلمات الشماس، تادرس زكي حنا، مثل جرس يقطع الصوت الجماعي بإبعاد أي انتقادات عن المنظومة الأمنية المختصة بتأمين الكنائس. تساءل حنا «كمية المتفجرات اللي دخلت دي إزاي تعدي على الأمن.. باعت لنا أمن يقعد على الباب يشرب شاي ويعاكس الستات وبس».

مساعد وزير الداخلية الأسبق، عبد اللطيف البديني، قال لـ«مدى مصر» إنه لا يرى أي تقصير لوزارة الداخلية في العملية، رغم الانتقادات المتعلقة بالأداء الأمني بشكل عام.

استطرد البديني: «في هذه الحادثة بالذات لا نستطيع إلقاء اللوم على وزارة الداخلية. الحراسة الشرطية لا تستطيع مطالبة رواد الكنيسة بفحص بطاقاتهم الشخصية، هذا الأمر أدى إلى مشاكل سابقة منذ سنوات طويلة. ومنذ زمن، هناك بروتوكول شبه رسمي بين وزارة الداخلية والكنيسة أن هذا الأمر من اختصاص الأمن الخاص بالكنيسة، والتعدي على هذا الاختصاص يحمّل الداخلية بالانتقادات من قبل المسؤولين الأعلى. وفي واقع الأمر فإن أمن الكنيسة لديه كل الإمكانيات المتاحة من أجل عمليات التأمين».

الباحث في علم الاجتماع والدراسات الأمنية، علي الرجّال، له موقف آخر، إذ يرى أننا أمام «فشل تام لكل المنظومة الأمنية، فضحته العملية».

وقال الرجّال إن «هناك عدة أمور يجب أن نأخذها في الحسبان. أولا: الحادث وقع في توقيت خاص، ذكرى المولد النبوي وبدء الأعياد المسيحية، هي مرحلة مرشحة لنشاط العمليات الإرهابية تستدعي وجود استنفار أمني. ثانيا: العملية لم تستهدف كنيسة في محافظة ما أو في منطقة نائية، هذه كنيسة ملاصقة للكاتدرائية نفسها. ثالثا: العملية تمت داخل الكنيسة. العبوة الناسفة انفجرت بالداخل، وليس أمامها أو في محيطها. هذه أمور تعني أن مبادئ التأمين الأساسية ليست موجودة. وهنا لن نتحدث حتى عن الضربات الاستباقية وضعف التحري والكشف.. فنحن بعيدين عن هذه الدرجة من التأمين».

وبعد أن كشف السيسي عن شخصية المتهم بالتفجير الانتحاري، أخبرت مصادر أمنية صحف عدة أن الشاب المتهم سبق وألقي القبض عليه عام 2014 بتهمة حيازة أسلحة وذخائر، قبل أن يُخلي سبيله بعد عام من الحبس الاحتياطي.

وأضافت المصادر الأمنية نفسها أن كاميرات المراقبة رصدت دخول الشاب بسرعة إلى الكنيسة من المدخل الخاص بالنساء، وأن الكاميرات رصدت تضخم الجاكيت الذي ارتداه الشاب.

وقالت المحامية ياسمين حسام الدين، التي تولت الدفاع عن المتهم بتنفيذ العملية الانتحارية، في قضيته السابقة، لـ«مدى مصر» إنه «تصادف وجوده أثناء مرور إحدى مظاهرات اﻹخوان هناك، فتم القبض عليه، ووجهت له النيابة العامة تهم التظاهر وحيازة سلاح وذخيرة، والانضمام لجماعة محظورة».

وبحسب ما قالت، فقد استبعدت النيابة بعد عام من القبض عليه تهم حيازة السلاح والذخيرة والانضمام لجماعة محظورة، وأبقت على تهمة التظاهر، ما أدى إلى تحول القضية من جناية إلى جنحة، قبل أن تقرر محكمة جنايات بندر الفيوم، برئاسة المستشار عاطف رزق، إخلاء سبيله في العام 2015.

هنا، يقول الرجال: «الكلام عن الانتحاري المحتمل أمر جنوني، ولا يعقل أن يقال في نفس مقام الكلام عن عدم وجود خلل أمني. نحن أمام حالة كاملة من الجنون والفشل الأمني الذريع. هذه الرواية، إن صحّت، فهي دليل واضح على فشل كامل المنظومة الأمنية. وهذا جلي في اتساع دائرة الاشتباه، ما تخطى قدرة المنظومة على الاستيعاب. نحن لدينا آلاف من المحبوسين احتياطيًا، ومن يستحقون بالفعل التوقيف والمراقبة والملاحقة تاهوا بين زحام المعتقلين. الأمر ليس مفهوم، لو في هذه الحالة ليس مسموحًا أن نتحدث عن الفشل الأمني، وتحلل المنظومة الأمنية، فعن ماذا يجب أن نتحدث؟ ومتى يأتي الوقت الصحيح لذلك؟».

الرجّال يجد أيضًا أن الخوف من التطرق لمسألة الخلل الأمني، يأتي متماشيًا مع طبيعة عمل النظام السياسي، فيقول: «النظام لا يستمد شرعيته إلا من خلال الترويج لحربه الأمنية والعسكرية مع الإرهاب، من الطبيعي ألا يحتمل الكلام عن الفشل الأمني، والإخفاق في هذه الحرب. لكن هذا لا يفرض على المجتمع كله الانصياع له، بل يزيد من إلحاح البحث عن إجابات لكل الأسئلة المطروحة، بالذات في الوقت الذي يروج فيه الكثيرون لضرورة عودة قانون الطوارئ».

وخلال الساعات التي أعقبت التفجير، سرعان ما خرجت نداءات، خاصةً من وسائل الإعلام المقربة من الدولة، تطالب بعودة العمل بقانون الطوارئ، وتعديل الدستور ليسمح بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.

يقول الرجّال: «لا أعلم ما هي الفكرة من قانون الطوارئ. السلطة بالفعل تعمل ضمن سياسات وقوانين تتيح لها إجراءات بوليسية أكثر من تلك التي يتيحها قانون الطوارئ».

اللواء البديني يتفق مع هذا الرأي، ويقول: «لا أرى داعيًا لا لتطبيق قانون طوارئ، ولا لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. يجب ألا نغفل صورتنا أمام المجتمع الدولي. ثم أن القضاء المدني لم يقصّر في قضايا الإرهاب، وكذلك لدينا قوانين عاملة تتيح لنا المواجهة الأمنية والقضائية مع المتورطين في عمليات الإرهاب، ومع التنظيمات الإرهابية وتمويلها، فما الحاجة لتعديل الدستور أو لسن قوانين إضافية. لا أرى أثر لذلك إلا مزيد من التعقيد في الصورة الأمنية، وهذا آخر ما نتمنى حدوثه».

هل حققت الدولة نجاحًا في المعركة مع الإرهاب؟

خلال الجنازة، قال السيسي أيضًا، إن الدولة المصرية حققت نجاحًا كبيرًا في مواجهة اﻹرهاب في سيناء، لكن تقارير مختلفة تشير إلى ارتفاع في معدل الهجمات اﻹرهابية من سيناء وانخفاض في عمليات مكافحتها.

وأضاف السيسي: «أنتم متعرفوش حجم النجاح اللي احنا محققينه.. حتى في مواجهة اﻹرهاب.. متعرفوش حجم النجاح اللي متحقق في سينا.. حجم كبير أوي ونجاح كبير أوي»، مشيرًا إلى أن الشعب لا يعرف عن هذه النجاحات ﻷن «فيه كلام كتير احنا مبنقولوش»، على حد تعبيره.

وعلى الرغم من حديث السيسي عن نجاحات كبيرة في مكافحة اﻹرهاب في سيناء، إلا أن تقارير مراقبة الوضع اﻷمني في مصر، والتي تصدرها مؤسسة التحرير لسياسات الشرق اﻷوسط في واشنطن، تروي واقعًا مختلفًا.

طبقًا لتقرير الوضع اﻷمني للربع الثاني من العام الحالي، ارتفع معدل الهجمات اﻹرهابية بين شهري أبريل ويونيو ليبلغ عددها 228 مقابل 211 في الربع اﻷول من العام الحالي و119 في الربع اﻷخير من عام 2015. واستحوذت سيناء على عدد 195 هجمة بنسبة 86% من مجموع الهجمات.

كما أشار مؤشر اﻹرهاب العالمي لعام 2016 إلى أن اﻹرهاب في مصر ارتفع في عام 2015 لأعلى معدل له منذ العام 2000. وارتفع معدل القتلى في 2015 بنسبة 260% مقارنة بعام 2014.

آخر هذه العمليات جاءت أثناء حديث السيسي اليوم، حيث قُتل مجندين وأصيب 3 آخرين من بينهم ضابط من قوات أمن شمال سيناء في انفجار عبوة ناسفة خلال حملة مداهمات بمنطقة جنوب الشيخ زويد اليوم، طبقًا لما نقلته صحيفة المصري اليوم.

وفي المقابل، شهدت عمليات مكافحة اﻹرهاب انخفاضًا ملحوظًا، حيث انخفضت العمليات في الربع اﻷول من العام الجاري إلى 88 عملية مقابل 127 عملية في الربع اﻷخير من العام الماضي، و 141 عملية في الربع الثالث من العام ذاته. واعتبر التقرير أن هذا «يمثل انخفاضًا هامًا في حرب مصر على اﻹرهاب، والتي بلغت أوجها في الربع الثاني من العام الماضي لتبلغ 798 عملية تم التبليغ عنها».

وأوضح التقرير أن انخفاض التقارير عن عمليات مكافحة اﻹرهاب يتواءم مع انخفاض في عدد التقارير التي يعلنها المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة ووزارة الداخلية المصرية عبر صفحاتهما على شبكات التواصل الاجتماعي «والتي اعتادت اﻹعلان عن مداهمات واعتقالات ونشاطات عسكرية قبل أن تنخفض هذه التقارير بشكل مفاجئ بعد سبتمبر 2015». وطبقًا ﻹحصاء التقرير، نشرت صفحة المتحدث العسكري المصري تقارير حول سبع عمليات لمكافحة اﻹرهاب فقط خلال الربع الثاني من العام الجاري. ولم تنشر صفحة وزارة الداخلية أي تقارير عن عمليات لمكافحة اﻹرهاب خلال الربع ذاته مقابل 481 تقريرًا خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

وعلى الرغم من انخفاض التقارير المعلنة، استمر عدد القتلى الناجم عن عمليات مكافحة اﻹرهاب دون انخفاض، وهو ما عزاه التقرير إلى استمرار عملية حق الشهيد في سيناء، والتي بدأت من يوليو 2015 وتستمر حتى اﻵن. وتسببت العملية في مقتل 2529 مشتبهًا بهم، منهم 801 خلال الربع الثاني من العام الحالي.

اعلان