Define your generation here. Generation What

قانون الجمعيات الأخير والحق في التنظيم

هناك أهمية خاصة للحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات لإتاحة التمتع الكامل بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث أن هناك أهمية كبرى لوجود جمعيات وأطر تنظيمية تدافع وتطالب بالحقوق وتقدّم الخدمات. كما أن الحق في حرية التجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات يشكلان عنصرين جوهريين من عناصر الديمقراطية، بما يتيح للأفراد فرصًا كبرى تمكنهم من التعبير عن آرائهم السياسية وغير السياسية.

يتصل الحق في حرية التجمع والتنظيم فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني بمراحل مختلفة من حياة المنظمات أو الجمعيات؛ وهي أساسًا القدرة على تكوين المنظمات والانضمام إليها، وقدرة المنظمات على العمل دون التدخل بشؤونها، بما في ذلك عدم التدخل التعسفي مع الأعضاء أو النشطاء المرتبطين بهذه المنظمات وتعريض حقوقهم للتهديد.

وبشكل عام، فهناك نظامان مطبقان على منظمات المجتمع المدني الراغبة في اكتساب شخصية اعتبارية؛ وهما ما يعرف بنظام «الإشعار» ونظام «التسجيل». تعتمد العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نظام «التسجيل»، إلا أنه رغم استكمال العديد من طلبات الجمعيات وموافقتها على جميع شروط التسجيل فإنه كثيرًا ما تُرفض هذه الطلبات. وفي بعض الحالات يكون الرفض قائمًا على أسباب أمنية غير محددة من جهة إدارية وبدون إمكانية استئناف القرار لدى جهات قضائية. ومن المثير للقلق أن هذه البلدان تحظر أنشطة المنظمات غير المسجلة أو من ينتمي لهذه المنظمات، وتفرض أحيانًا عقوبات شديدة في هذه الحالات. وبالتالي فلا يجد نشطاء المجتمع المدني بديلًا أمامهم سوى العمل بشكل غير قانوني، بحيث يعرضون أنفسهم ومؤسساتهم للخطر المستمر.

ولكن النظام الدستوري المصري الأخير قد جاء بإطلاق حق تكوين الجمعيات بموجب الإخطار.

الموقف الدولي:

لا يجعل القانون الدولي الحق في حرية التجمع حقًا مطلقًا، فالمادة 22 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية توضح أن القيود المسموح بها يجب أن «ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم». وعليه، فمن غير المسموح فرض أي من هذه القيود إلا إذا تحققت هذه الشروط مجتمعة . وتوضح اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والمشرفة على تطبيق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأنه متى فُرضت أية قيود فعلى الدول تقديم الدليل على ضرورتها، كما لا يتعين سوى اتخاذ التدابير المتناسبة مع السعي إلى تحقيق الأهداف المشروعة، بغية ضمان حماية الحقوق المنصوص عليها في العهد بشكل مستمر وفعال. ولا يجوز في أي حال فرض القيود أو التذرع بها على نحو يضر بجوهر تلك الحقوق.

وقد جاء في قرار مجلس حقوق الإنسان المنبثق عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 21 / 16 بتاريخ 27 / 9 / 2012 ما نصه «وإذ يسلم [مجلس حقوق الإنسان] بأهمية حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، فضلًا عن أهمية المجتمع المدني للحوكمة الرشيدة، بما في ذلك من خلال الشفافية والمساءلة التي لا غنى عنها لبناء مجتمعات يعمها السلام والرخاء والديمقراطيةفإنه يشدد على أن احترام الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات فيما يتعلق بالمجتمع المدني، يسهم في مواجهة وحل التحديات والمسائل التي تهم المجتمع، مثل البيئة والتنمية المستدامة ومنع الجريمة والإتجار بالبشر وتمكين المرأة والعدالة الاجتماعية وحماية المستهلك، وإعمال حقوق الإنسان كافة».

ورغم كون حق تكوين الجمعيات حقًا دستوريًا، وكما جاء بنص المادة 75 من الدستور المصري الأخير من أن «للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار وتمارس نشاطها بحرية، ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل في شئونها»، إلا أن هذا القانون جاء مفرغًا لها الحق من مضمونه ومبقيًا فقط على الإطار الشكلي وسالبًا الصلاحية الدستورية منذ لحظة البداية، وهي لحظة الترخيص المؤسسة للجمعيات أو الكيانات الأهلية، ومرجئًا هذا الترخيص ومحملًا بشروط أخرى تابعة للجنة مستحدثة لهذا القانون.

وبصيغة إجمالية فإن المواثيق والفقه الدوليين قد أوليا حرية التنظيم السياسي والاجتماعي عناية فائقة، تأكيدًا على صونها لكونها من أهم جوانب المجتمعات الديمقراطية، سواء كانت قائمة بذاتها أو مرتبطة ومتداخلة مع غيرها من الحقوق، مثل حرية التعبير والمشاركة السياسية والحق في التجمع السلمي.

الموقف الدستوري المصري:

أخذ المشرع الدستوري المصري في الإصدار الدستوري الأخير لسنة 2014 بنظام «الإخطار»، وذلك في المادة رقم 75 ن، وهو ما يعني أن التقدم بالإخطار للجهات الإدارية يعني قيد وقبول إشهار الجمعية أو الكيان، وقد حرصت ذات المادة على منع الجهات الإدارية من التدخل في عمل الكيانات الخاضعة لقانون الجمعيات صراحة، واتفق الفقه الدستوري على أنه لا يجوز للمشرع حين تنظيمه لأمر من أمور الحقوق والحريات بشكل عام أن ينتقص منها أو يحدّها أو يقيدها بقيد يفرغ ذلك الحق من مضمونه، وأنه إذا ما أحال المشرع الدستوري إلى القانون أمر تنظيم ذلك الحق، فإن ذلك لا يعني سوى تحديد إطار ممارسة الحق فقط بمراعاة الأسس الدستورية دونما تجاوز.

وقد جاء في ذلك المعنى حكم المحكمة الدستورية رقم 27 لسنة 16 قضائية، والمنشور في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 33 بتاريخ 17 / 8 / 1995 بقولها «وحيث أن هذا الحق، وسواء كان حقًا أصيلًا أو تابعًا، أكثر ما يكون اتصالًا بحرية عرض الآراء وتداولها، كلما أقام أشخاص يؤيدون موقفًا أو اتجاهًا معينًا أو تجمعًا معينًا يحتويهم ويوظفون فيه خبراتهم ويطرحون آمالهم، ويعرضون فيه كذلك لمصاعبهم ويتناولون بالحوار ما يؤرقهم، فلا يجوز إثقاله بالقيود التي تفرغه من محتواه

وكما جاء في حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 153 لسنة 21 قضائية فـ«يبين من جميع ما تقدم أن حق المواطنين في تأليف الجمعيات الأهلية، وما يستصحبه لزومًا مما سلف بيانه من حقوقهم وحرياتهم العامة الأخرى، هي جميعًا أصول دستورية ثابتة، يباشرها الفرد متآلفة فيما بينها، ومتداخلة مع بعضها البعض، تتساند معًا، ويعضد كل منها الآخر في نسيج متكامل يحتل من الوثائق الدستورية مكانًا سامقًا».

وقد فوجئ المجتمع المصري بمشروع قانون الجمعيات الذي أقره البرلمان على عجالة، رغم عدم طرحه للنقاش أصلًا. وقدم المشروع نواب «ائتلاف دعم مصر» المحسوب على أجهزة رسمية، واستغل غالبيته النيابية لتمريره، رغم طلب الحكومة إمهالها لدراسته. ومن المُقرر التصويت نهائيًا على المشروع بعد مراجعة صياغته في مجلس الدولة.

وقد جاء ذلك القانون بالعديد من القيود التي تصل إلى درجة مصادرة الحق ذاته، وجعل الأمر لا يخرج عن فكاك الموافقات الحكومية والخضوع للجنة المشكَّلة، وهو ما يعني مصادرة النشاط الحقوقي والعمل داخل منظومة رسمية، بغض الطرف عما جاء به من عيوب بخصوص التأسيس على نحو مخالف للدستور الحالي، والتضييق في أمور التمويلات أو التبرعات، أو فتح فروع أو مقار جديدة أو التعامل مع مؤسسات حقوقية أجنبية، كل ذلك بخلاف العقوبات السالبة للحرية التي جاء النص عليها بذلك المشروع.

إن فرص درء المخاطر المحدقة بالعمل الأهلي أو قطع الطريق على بعضها، يقتضي التمسك الصارم، أكثر من أي وقت مضى، بالأسس والمبادئ التي تكفل حرية العمل الأهلي واستقلاليته، والتمسك بالمعايير الدولية المتعارف عليها في المجتمعات الديمقراطية، لضمان حرية تكوين الجمعيات، وهو ما يقتضي بالدرجة الأولى فضح الفلسفة والأسس التي يقوم عليها القانون برمته. كما أن التخلي عن المعايير الدولية لحرية التعبير والحق في التجمع وفي تكوين منظمات غير حكومية، لا يفيد إلا في المساهمة في تعبيد الطريق أمام مشروع قانون لخنق المجتمع المدني. والمستفيد الوحيد من حسن النوايا والطوايا في هذه المناسبات، هم من أنهوا مشروعهم لخنق منظمات المجتمع المدني.

كما أن منظمات المجتمع المدني لا تبدأ من فراغ، فعبر سنوات طويلة من العمل المتواصل في مواجهة القيود القانونية على العمل الأهلي، نجحت هذه المنظمات في بلورة الأسس والمبادئ التي تؤمن استقلالية العمل الأهلي وديمقراطيته، ولديها من الدراسات القانونية ما يكفي، فضلًا عن مشروع قانون بديل للجمعيات الأهلية سبق أن تبناه بعض أعضاء البرلمان. وأي نظام قانوني يتدخل للحد أو لمصادرة أو للتضييق على حرية التنظيم والحق في تكوين الجمعيات، وما يرتبط إجمالًا بالحق في التجمع من حقوق، أو يفرض قيوداً على التمتع بهذه المجموعة من الحقوق الأساسية، يعكس البنية الاستبدادية للنظام السياسي، ومدى تغوّله على حقوق الإنسان وعدم احترامه لها، كما أن أي نظام سياسي يحول بين المواطنين وحقهم في المشاركة تنظيمًا من خلال جمعيات أو مؤسسات أو أي أشكال تنظيمية قد تساعد على إدارة دفة البلاد من خلال خلق توازنات في مناطق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنه بذلك لا يسعى سوى لخنق المجال العام برمته، وإقصاء الأفراد عن المشاركة في شؤون بلادهم، ولا يقدر أحكام الدستور الذي يعد الإطار العام لكل أمور البلاد بما فيها الحكم والسلطات.

ومن زاوية أصولية تشريعية فإن هذا القانون، وإن صدر على صورته التي وافق عليها البرلمان، أرى أنه قد أصابه في مجمله عوار من أوجه العوار التي تقتل القانون، وهو عيب الانحراف بالسلطة التشريعية، أو ما يطلق عليه «الانحراف بالتشريع»، ويكمن هذا في التشريعات التي لا تهدف إلى تحقيق المصلحة العليا للمواطنين، ولا أهم من الحفاظ على حقوقهم وحرياتهم مما يعتبر أو يعبر عنه بـ«المصلحة»، وكون هذا التشريع قد صدر منحازًا إلى جانب السلطة ومضيقًا على ممارسة ذلك الحق، حيث أن ذلك القانون من ناحية مبدئية قد جاوز الغرض الذي من أجله قد صنع وهو تنظيم الحق وليس مصادرته.

وقد كان الأمل معقودًا على مجلس الدولة، ممثلًا في قسم الفتوى والتشريع في القانون الذي أحاله البرلمان إليه، ليلقي الضوء على ما به من عيوب تصل إلى درجة مصادرة الحق، والبعد كل البعد عما جاء في الدستور المصري وأحكام المحكمة الدستورية في هذا الشأن، إضافة إلى ما سلف بيانه من الإطار الدولي الحاكم لهذا الموضوع، ولكن مجلس الدولة أعاد القانون إلى البرلمان مذيلًا بمجموعة من الملاحظات، والتي لم ترق في مجملها إلى طموحات العاملين في هذا الحقل على الأقل، ولا تتناسب مع قيمة هذا الحق، وتوافقه مع ما هو مستقر في المجتمع الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ولا يمكننا في هذا المقام إهدار أو إهمال دور القضاء الإداري في موضوع الحقوق والحريات، فله العديد من السوابق القضائية التي تمثل مبادئ قضائية تُحتذى في هذا الأمر، وقد قالت محكمة القضاء الإداري في أحد أحكامها التي عبرت فيها بحق عن حقيقة دور مؤسسات المجتمع المدني:

«إن منظمات المجتمع المدني والجمعيات والمؤسسات الأهلية، هي واسطة العقد بين الفرد والدولة، وعن طريقها ومن خلالها تتم تربية المواطنين على الممارسة الديمقراطية والتوافق مع إطارها وإدراك مناهجها واستيعاب طبيعتها، مما مفاده إدراك المواطن لضرورة إسهامه في شؤون وطنه والتحامه مع آماله والتشكي من آلامه، كما أن إسهام المواطن في العمل الوطني لا يكون فحسب عن طريق التعبير باختيار ممثل له في المجلس النيابي أو المجالس المحلية، وإنما يكون أيضًا عن طريق الإسهام في الأعمال المتعلقة بتنمية المجتمع الذي يعيش فيه ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وأداة ذلك ووسيلته هي تكوين الجمعيات الأهلية التي تعد الواجهة الأخرى لتحقيق الديمقراطية».

ولم تتبق لنا سوى الخطوة الأخيرة المعقودة على رئيس الدولة في حقه الدستوري في الاعتراض على القانون وعدم إصداره، مطالبًا بتصويبه وإعادة طرحه للنقاش مرة جديدة، ومن هنا يكون العبء الملقى على عاتق البرلمان خطيرًا، لكونه قد صوّت بالموافقة على قانون به من المثالب ما يخرجه عن نطاق جادة الصواب، وعليه ممارسة دوره بشكل حقيقي وفعال لخدمة المجتمع.

اعلان
 
 
طارق عبد العال