يرقدون عادة حول الكهف

معرض: صالة عرض تاون هاوس، القاهرة
الكتاب: بذور من حديقة الحيوان
المصورة الفنانة: براوني دان
ترجمة: نصر عبد الرحمن
استعراض من: روني كلوس

حدائق الحيوان أماكن ساحرة، مُحملة بذكريات الطفولة السعيدة، ولكن حيت تذهب إليها عندما تكبُر، يمكن أن تُحرك فيك مشاعر مُتناقضة بشأن الهوية. في مشروعها الجديد، قدمت الفنانة، أيرلندية المولد، برايوني دان عملية استكشاف بصري تخيلية لواحدة من حدائق الحيوان تلك؛ وهي حديقة حيوان الجيزة العريقة، التي تقع قرب ضفاف نهر النيل.

افتُتحت الحديقة الأصلية عام 1891، وتم تصميمها في عهد الخديوي إسماعيل باستخدام نباتات وحيوانات من الهند وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. وهو ما رصده مشروع التصوير الذي قدمته دان في تاون هاوس مطلع الشهر الماضي، بالإضافة لكتاب جميل أصدرته الفنانة، وعُرض في صالة العرض.

قدم المعرض مجموعة من الصور الملونة والأبيض والأسود، بأشكال وأحجام مختلفة، ظهرت فيها مناظر مختلفة من حدائق النباتات في حديقة الحيوانات بالجيزة. كان من بينها صور صغيرة مربعة الشكل لبذور نباتات رائعة، تم تصويرها على خلفيات سوداء، والتي تظهر تطور الحديقة. هذه المجموعة المُتجانسة من الصور شبه الأرشيفية، التي قدمت وجوه الحديقة المختلفة، تنوعت في جودتها، وفي زوايا الالتقاط، وفي الإيقاع. بتأثير بصري يجعلك في النهاية تشعر أن مجموعة من المؤلفين اجتمعوا لإنجاز هذا المشروع.

وإلى جانب الصور المُعلقة على الحوائط، كان هناك بذور نباتات كبيرة ، وملونة، ومثيرة للدهشة. بذور حقيقة، لكن الفنانة لوّنتها ووضعتها بشكل مستقل على أعمدة عرض بيضاء، وكأننا في متحف. هذه البذور هي نفسها التي تظهر في الصور على الحوائط.

تضمن المعرض كذلك فيلمًا مصنوعًا من لقطات قديمة وأخرى حديثة لوحيد القرن الشمالي الأبيض ذو الطابع الأسطوري، قامت الفنانة بتصويره في محمية طبيعية في كينيا. بالإضافة للقطات تاريخية تتضمن مشاهد من قناة السويس التي سهلت نقل البذور والنباتات إلى حديقة الجيزة، وأماكن أخرى من المُستعمرات البريطانية.

تم وضع كتاب دان «بذور من حديقة الحيوان» قرب المكان الذي وضعت فيه البذور في المعرض، كطريقة مختلفة في عرض هذا المشروع الحميم. جمع الكتاب الأصلي مجموعة متنوعة من الصور بطريقة مختلفة من أجل التركيز على العلاقات بين الصور. وقدم كذلك المزيد عن سياق الصور عن طريق حوار بين أحد الصحفيين وبين مصور يستعرض مشروع التصوير الذي تقدمه دان في شكل سؤال وجواب.

وفر المعرض ثلاث عناصر للزائر: صور فوتوغرافية، وبذور صغيرة على أعمدة عرض، وعرض فيلم. ورغم تفاعل العناصر الثلاثة بطريقة مثيرة للاهتمام، لكن الأكثر تميزًا كانت هي العلاقة بين الصور المُعلقة على الحائط وبين البذور الموضوعة على الأعمدة. هذه الثنائية نادرة في معارض التصوير الفوتوغرافي، كما يبدو أن التفاعل بين العنصرين يطرح سؤالًا حول طريقة العرض. كيف لنا أن نفهم دور البذور وصور البذور وهما مُتاحان معًا؟

يعلي التصوير في معظمه من قيمة التجربة، وقدرة المصور على التواجد وتسجيل ما يشهده. على العكس، توفر أعمال دان مواجهة ما بين الشيء نفسه وصورته. في الحياة الواقعية، تبدو البذور التي لوّنتها الفنانة بيدها أقل غموضًا لأن بصماتها واضحة عليها. ومن ناحية أخرى، تقوّم الصور المُعالجة بإضاءة الأستوديو البذور، وترتقي بها من خلال عملية التصوير الفوتوغرافي.

الصور الأخرى لحديقة حيوان الجيزة هي مشاهد مفتوحة للمساحات والأنشطة. اكتست الحديقة بطابع المجد الغابر، إلا أنها بدت وكأنها تغالب الحياة بطريقتها. الإحساس البصري للصور لا يبدو متزمتًا، إذ ينحرف المنظور دون إظهار العديد من خطوط الأفق لكي يخبرك أنك تحدق في صور لحديقة حيوان الجيزة. هناك حرية في مُعالجة الصورة نتيجة المزج بين الأشكال والألوان، والكاميرات، ونوعية الأفلام لتخبرنا عن طبيعة الحياة في الحديقة. وهناك ميل لتناول المشاهد بصريًا بطريقة أكثر مرونة وخيالية لتقديم التجربة. الكثير من التصوير الفوتوغرافي الحديث مهووس بأسلوب التقديم بمجموعة لغات بصرية. ثقافة الصورة، خاصة عند الهواة، تحاول جذب الانتباه عن طريق اتباع مجموعة من قواعد التركيب والتقاليد المهنية. يمكن لبرامج الكمبيوتر الآن تعديل تركيب الصورة باستخدام تطبيق لا يتكلف سوى 2 دولار أمريكي، حيث يغذي التصوير الفوتوغرافي مشهد النيوليبرالية الجديدة. هناك ميزة في استخدام دان للتصوير الفوتوغرافي كوسيط لكي يذكرنا بالتنوع والغموض الموجود في الكاميرا، وثراء الحوار بين الصور، والأشياء، والفيلم عند تقديمهم في عمل فني واحد.

ينبع الشكلان اللذان ظهر بهما هذا المشروع، الكتاب والمعرض، من اللحظة التي اكتشفت فيها الفنانة سقوط البذور أثناء إحدى زياراتها العادية لحديقة حيوان الجيزة. استعارة البذور، وما تتضمنه من تعبير عن الشفرة الوراثية للحياة ذاتها، تتوازى مع طريقة الفنانة ورؤيتها الفريدة. ينبع الفن، مثل الإمكانيات الكامنة داخل البذرة، من الخيال، ويستدعي ذكرياتنا بطريقة شخصية. يقدم المشروع طريقة أخرى للنظر عبر الكاميرا، ولتأطير حقيقة فوق الواقعية لطبيعة حديقة الحيوان.

قال الفنان إد روشا مقولة شهيرة ذات مرة: الفنان السيئ يجعلك تقول «واو!، ما هذا؟»، بينما يجعلك الفن الجيد تقول «ما هذا؟، واو!». تكمن الميزة الخفية لمشروع دان في عدم التصريح.. في رغبتها بعدم تحقيق التأثير المباشر وفق قواعد فن التصوير الفوتوغرافي الصريحة، ولكن في محاولتها خلق حالة من السكون التأملي.

Read in English
 
 
اعلان
 
 
 
 
More from Panorama