Define your generation here. Generation What

لماذا لا نرى المسيح بعيون النساء؟

أعاد الجدل الدائر بالأوساط القبطية حاليًا، حول ممارسة المرأة المسيحية لسر التناول المقدس أثناء فترة الدورة الشهرية أو عقب الولادة، طرح إشكاليات عديدة حول المرأة ورجال الدين المسيحي في مصر. فحين أصدر نيافة الأنبا بفنوتيوس مطران سملوط، كتاباً بعنوان «المرأة في المسيحية .. قضايا مثيرة للجدل» والذي قدم فيه بحثًا موثقًا عن عددٍ من القضايا الجدلية حول وضع المرأة في المسيحية، ومن بينها إشكالية ممارسة المرأة أثناء فترة الدورة الشهرية لسر التناول المقدس، وهو أحد طقوس العبادات المسيحية، قابله نيافة الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة، ببيان شديد اللهجة واصفًا الكتاب بالبدعة. الأمر الذي انتهي بإصدار بيان من سكرتارية المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكدت فيه على التمسك بالتقاليد الكنسية، وأشارت إلى أن ما يخالف ذلك هي أراء شخصية ولا تعبر عن رأى الكنيسة.

وتمثل هذه واحدة من إشكالياتٍ عديدة بات من الضروري إعادة طرحها والتعاطي معها في ضوء التطور الإنساني والعلمي الحديث، فلم يعد باستطاعة كثير من الإجابات المحفوظة والمتكررة أن تخمد فضول أجيال ما بعد الألفية الثانية. كما أن هنالك فارقًا كبيرًا بين الأمور الإيمانية الأساسية، كقضايا الألوهية وعقيدة الفداء والصلب التي تقوم بالأساس على الإيمان لا العقل، وبين الفهم والتفسيرات والممارسات والطقوس والتقاليد التي يمكن أن يؤخذ منها ويرد إليها، والتي من بينها بكل تأكيد إشكاليات خاصة بالمرأة. وكنت قد تناولت بعضًا من تلك الإشكاليات في مقالاتٍ سابقة، إلا أن الجدل هذه المرة أعاد لذاكرتي بعضًا من تساؤلات الطفولة التي ظلت تشغلني لفترة طويل، ومن خلالها اصطدمت بثقافة مجتمعية شديدة المحافظة، وبقصور شديد لمنظومة التعليم الكنسي في الإجابة على العديد من التساؤلات.

«هو ليه ربنا ماتولدش واحدة ست؟»

كان هذا السؤال أحد الأسئلة التي عانيت كثيرًا لفترة طويلة من حياتي حتى أصل لإجابة مقنعة لها، فبين إجابات تتسم بنعرة ذكورية، وأخرى لم تكن منطقية بالأساس، ظل الطفل بداخلي يبحث عن إجابة لتساؤله البسيط.

أثارت إجابات رجال دين وخدام على تساؤلي – الذي اعتبره بعضهم عجيبًا – فضولي حول مكانة المرأة في المسيحية إلى حدٍ كبير. ذات مرة أجابني أحد الخدام مستنكرًا: «يعني انت عاوز ربنا يبقي واحدة ست؟» فشعرت بأنني ارتكبت خطيئة، وسار التفكير المنطقي آنذاك لأن المرأة خُلقت في مكانة أدني من الرجل، وأني بسؤالي قد وضعت المسيح في تلك المكانة، ومن ثم وجبت التوبة. بينما أجابني أحد رجال الدين «يابنى ده سؤال ملوش إجابة محددة، ده اختيار ربنافأثارت إجابته مزيدًا من الفضول حول اختيار الله ومراده، إلى أن جاء أحد الخدام بإجابة كانت منطقية نوعًا ما، حين حدثني عن ظروف المجتمع اليهودي آنذاك ومكانة المرأة فيه وقدرتها على تعليم الجموع والتنقل والحركة، ما كان ليشكل عائقًا أمام السيد المسيح، وقد يحول دون تقبل رسالته التي كانت ثورية بالأساس بالنسبة للمجتمع اليهودي.

ورغم أنني توصلت لإجابة لهذا السؤال إلا أنه لم يكن التساؤل الوحيد الذي أثار ذهن الطفل، ثم المراهق بداخلي، فبجانب هذا السؤال تداخلت أسئلة أخرى متعددة، كإشكالية المساواة بين الرجل والمرأة وفي نفس الوقت كون الرجل رأسًا للمرأة، أو جدلية كهنوت المرأة، أو منعها من ممارسة بعض الأسرار المقدسة داخل الكنيسة كالتناول أثناء فترة الدورة الشهرية أو بعد الولادة، أو دخول الهيكل، ولماذا أبحث دائمًا عن إجابات تخص النساء لدي الرجال، بل وبعضهم رهبان لم يعرفوا نساءً قط؟ الأمر الذي ترتبت عليه إجابات تتنافي في غالب الأحيان مع المنطق الإنساني والمسيحي الذي عرفته منذ الصبا.

كهنوت المرأة

«إحنا بنبوس أيد أبونا، هروح أبوس أيد واحدة ست؟»، «الست طبيعتها لا تتناسب مع الكهنوت، يعني ينفع تتغيب عن القداس بسبب الحمل ولا الرضاعة أو لو جاتلها الدورة الشهرية؟»

عبارات لوثت مسامعي كطفل وظللت أتساءل طوال الوقت ما المشكلة في تقبيل يد المرأة؟ ولماذا تشكّل الدورة الشهرية أو الحمل والإرضاع عائقًا أمامها؟ أليست المرأة مخلوقة من قبل الله كالرجل؟ ورغم أنني لم أتوصل لإجابة منطقية حتى الآن، إلا أنني في معرض بحثي المستمر عن إجابات تيقنت من تأثير محددات الثقافة والبيئة والنشأة، ومن ثم النظرة إلى المرأة، على الأمر برمته. ويبدو أن أغلب رجال الدين المسيحيين في مصر، وبخاصة في الكنائس التقليدية كالأرثوذكسية والكاثوليكية، لا يعتقدون بجواز تقلد المرأة لدرجات كهنوتية. ويعزو بعضهم تلك الرؤية لورود آيات برسائل بولس الرسول حول وضع المرأة في الكنيسة الأولي، حيث قام بعضهم بتفسيرها على نحوٍ يقطع بتحريم كهنوت المرأة. فيما عزا البعض الآخر كالقمص عبد المسيح البسيط، مدير معهد دراسات الكتاب المقدس، ذلك للتقليد الكنسي لا للنص الديني، الذي خرج في ظروف اجتماعية وتاريخية خاصة.

وبعيدًا عن الجدل العقائدي، فإن إثارة قضية كهنوت المرأة كشفت النقاب عن كمّ مخيف من النعرات الرجعية لدي قطاع ليس بقليل من أفراد مسيحيين أو رجال دين، كنيافة الأنبا كيرلس أسقف نجع حمادي، الذي لم يستح أن يردد بعض العبارات الرجعية في مداخلاته التلفزيونية أمام ملايين المشاهدين.

الخلاصة

تحتاج كثير من القضايا والأمور الجدلية في المسيحية لإعادة النظر، وتأتي في مقدمتها بعض الأمور المتعلقة بالمرأة، وأعتقد أنه بات واضحًا أن أحد الأسباب الرئيسية لاستمرارنا في طرح إشكالية «تناول المرأة الحائض» في عام 2016، هو افتقار التراث والتقليد المسيحي لرؤية نسوية، وليس المقصود النظرية السياسية، بل غياب المساهمات التفسيرية للكتاب المقدس والتأملات الروحية واللاهوتية في كثير من الأمور المكتوبة، أو غير المكتوبة، من قِبل نساء. فإن كانت الكنائس التقليدية حتى الآن لا تعترف بكهنوت المرأة، فهذا لا يمنعها من الدراسة والبحث والتأمل في مقاصد الله ورسالته التي وجهها للبشرية جمعاء، لا للرجال وحدهم. وإن كانت التفاسير والتأملات الروحية واللاهوتية تستلزم درجات معينة من التعبد والنسك والقامات الروحية، فمصر تعج بأديرة الراهبات التي قد تشكل إسهاماتها إثراءً كبيرًا للتعليم الكنسي. كما أنه من المنطقي أن المرأة تعلم عن جسدها – على الأقل – أفضل مما نعلم نحن الذكور، فلم يشعر أحدنا بآلام الدورة الشهرية أو يختبر آلام الحمل والولادة، أو يختبر الرابطة الفريدة بين الأم وطفلها، وكذلك هي أجدر منا على التأمل في مقاصد الله الذي خلقها بهذا التكوين الفسيولوجي ووهبها القدرة على الحمل وجعل لها الدورة الشهرية.

لذلك أرى أنه من المنطقي أن يُفتح الباب لكي نرى الله بعيون النساء، فمن الجائز أن يحملن إجابات نعجز عن الوصول إليها وفهمها كذكور. كذلك تحتاج الكنيسة لطرح إشكالية تأثر التعليم الكنسي بالثقافات المحلية في كثير من المحافظات والقرى، فمن الواضح مؤخرًا تأثر قطاع ليس بقليل من المسيحيين بثقافات وعادات مجتمعية بالأساس، تُعتبر بمرور الزمن جزءًا من التعاليم الكنيسة.

اعلان