Define your generation here. Generation What
الماء والخضرة والوجه الحسن.. وخمس روائح
 
 

لمدة ما يقرب من ساعتين قضيتها في قاعة السينما أشاهد فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن»، ليسري نصر الله، كانت هناك رائحة زاعقة تملأ أنفي، ولم تزل من رئتيّ طوال أيام شغلت فيها تفاصيل الفيلم بالي بشدة، الرائحة تعبر عن مزيج غريب يمثل «الزفارة» في أوضح حالاتها، ولا أقصد بالزفارة المعنى السيئ، لا أقصد زفارة السمك مثلًا، أو زفارة الكرشة، وإنما زفارة الطزاجة. مَن تناول كبد عجل أو جدْي بعد ذبحه مباشرة في العيد، عندما ينقله الجزار إليه ويحمله في يده وهو يشعر بسخونته ولزوجته، فيعطيه لسيدة البيت التي تشوّحه نصف تشويحة بزيت وملح وفلفل فقط، من ذاق وتحمل هذا الشعور المسيطر على الوجدان، يعرف ماذا أقصد بالزفارة هنا.

خلال 115 دقيقة هما زمن فيلم نصر الله الأخير مضت أحداث الفيلم التي تحكي واقعًا مصريًا معاصرًا مع شيء غاية في العجب، فلأول مرة في تاريخ السينما المصرية –وربما العالميةينقل فيلم أحداثًا معاصرة دون أن يظهر على الشاشة تليفون محمول واحد، ودون أن يظهر فيسبوك ولا واتساب، ولا ينقل شريط الصوت رنات من هنا وهناك، وتنبيهات من تطبيق س وتطبيق ص، ورسائل نصية تبرق، وحواسب لوحية وحواسب نقالة وأجهزة هواتف ذكية تلمع وتهتز على طاولات ومكاتب، وبين أيادي الأبطال المسحوبين كليًا أو جزئيًا في العالم الافتراضي.

حسنًا.. ظهر الموبايل مرة أو مرتين، لكن كان علي أن أبالغ بشكل ما لكي أوضح الفكرة: هذا فيلم مليء بالزفارة.

* * *

الفيلم يدور في جو ريفي تمامًا في مدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية وتقع أغلب أحداثه أثناء الإعداد لحفل زواج ريفي تقليدي، وأثناء الحفل نفسه، ويحكي قصة غاية في البساطة (تشكل الإطار)، لكن عبر تفاصيل شديدة التعقيد (أعتبرها هي العمل نفسه)، القصة يمكنني تلخيصها في سطرين أو ثلاثة:

هناك صراع بين عائلة باسم سمرة من الطباخين، وعائلة رجل الأعمال محمد فراج وزوجته صابرين. أخو باسم سمرة مطرب ناشئ يتزوج أخت محمد فراج عرفيًا، فيقتله الأخير، يحب باسم سمرة ليلى علوي (المدرسة العائدة من الخليج)، وينتقم لأخيه في نهاية الفيلم (بينما يصدح ميكس من الموسيقى الهندية مع كلمات مصرية بصوت الأخ المطرب القتيل في الخلفية).

أما التفاصيل، فلا تلخص شيئًا على الإطلاق لمن حكموا على الفيلم أنه عمل استهلاكي هابط ماركة «السبكي»، أما بالنسبة لي فكانت تعكس عمرًا كاملًا قضيته في ريف الدلتا.. واستدعت طزاجة الزفارة في خياشيمي أيامًا طويلة.

* * *

الرائحة الأولى: الرغبة

قضيت أول عشرين عامًا من حياتي بشكل شبه متواصل في قرية «شنتنا الحجر» المغروسة في عمق ريف الدلتا. أعلم جيدًا ماذا يعني الريف الذي قصد نصر الله تصوير فيلمه الأخير داخله. الريف المصري ليس فقط مكانا قديمًا مجاورًا للنيل يشتغل أهله بالزراعة، وإنما حالة إنسانية يمر بها المرء، فيظل داخلها طوال حياته، أو يخرج عن الشرنقة ويطير، فيصبح الريف بالنسبة له «طورًا» يمثل الحالة البدائية والأصلية والخشنة والتلقائية والوحشية.

كان الريف بالنسبة لي مغامرة. كانت القرية بشوارعها الملتفة، وطرقها الضيقة، وببيوتها المفتوحة، وحقولها الشاسعة، ومواطنيها الـ 20،000 الذي يعرفون بعضهم البعض بالاسم أحيانًا وبالفراسة أحيانًا أخرى، ونهارها المبكر الساطع، وليلها المبكر –أيضًاالغامض، كانت تمثل لي صندوق أحاجي لم أستطع حل ربع ألغازه حتى هذه اللحظة.

إحدى الأحاجي كانت العلاقات الجنسية.

في الريف لكل شخص رائحة نفاذة، تختزن في طبقات آثارًا عطرية من نشاطه اليومي، وعلى سبيل المثال قد تتكون تلك الطبقات من بعض أو كل ما يأتي: رائحة الحقل، وتراب الطريق، وعرق الحيوانات، عصارة أعواد البرسيم، دخان التنور، ماء الوضوء.. إلخ.

تظل تلك الروائح واضحة طوال اليوم، تعلق بالملابس، ولا يمكن للاستحمام أو غسل الملابس محوها كليًا، وبذلك تظل جزءًا من هوية كل شخص، وعلامة دالة عليه، بل والأهم، تصبح وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، فيمكنك عن طريقها أن تعرف ما نوعية الطعام الذي تناوله الشخص على الغذاء، وإذا كان قد حشَّ البرسيم اليوم أم لا، أو إذا كان قادمًا لتوه من الزريبة أم لا.

من الروائح التي تكاد تجزم أنك تشمها واضحة وصارخة رائحة الرغبة، خارجة من تحت جلابيب الرجال وعباءات النساء..

في «الماء والخضرة والوجه الحسن» تداعت نفس الرائحة إلى خياشيمي، رائحة الرغبة المنبعثة من باسم سمرة لدى مرآه لتلك الأنثى الهابطة من الخليج. الفكرة التي أثارته كونها ريفية سابقة من أهل القرية، انتقعت لأعوام طويلة في حمام من حليب الدعة الخليجية، فتساقطت عنها قشور البدائية الريفية، ولو بشكل مؤقت، وبانت ناعمة، جميلة، ترفل في ثياب أشبه بالأميرات، يهتز شعرها المكوي بعناية من تحت نصف طرحة، وتظهر تدويرات جسدها تحت ثيابها الحريرية.

نفس الرائحة انبعثت من ليلى علوي لدى مرآها شابًا يافعًا ريفيًا خشنًا، بشعره المجعد، وملامحه السمراء، وجلده الثخين، وتكوينه (بنائه) الفحل، ورائحة اللحم والثوم العالقة بثيابه، فانبعث حنينها الريفي الأول للصورة البدائية للرجل.

نفس الوضع مع أخيه أحمد داوود والذي يدور جزء كبير من الفيلم عن مغامرته أثناء حفل الزفاف، مع زوجة أخو العريس، التي تقضي نهارًا كاملًا بين محاولات الغزل الفجة للظفر والاختلاء به.

كان في شنتنا الحجر أبطال – أو أساطيرمعروفون بمغامراتهم الجنسية، وبسمعتهم كفحول لا تبارى. في المدرسة كان الأولاد يتبادلون سيرة شخص يدعى م. س. كان يصعد لمخادع المفتيات متسلقًا ذراع جراره الزراعي، ليجد الفتاة قد جهزت له عشاء مكونًا من بطة كاملة محمرة، يلتهمها كلها قبل مباشرة مهمته مع الفتاة.

كنا ننظر لـ«م. سبرهبة وهو قادم على الزراعية من بعيد ممتطيًا جراره الزراعي، والهواء ينفخ جلبابه ويطير خصلات شعره، ويتجاوزنا قبل أن تحجبه عاصفة ترابية يخلفها الجرار السريع وراءه، ولا تتبقى منه سوى خيالات جنسية تعصف بأذهاننا.

في فيلم نصر الله، تستطيع استشعار أريحية يتعامل بها أبطال العمل مع الغريزة الجنسية. ارجع لمشهد السيدة التي دعاها الطباخ الكبير علاء زينهم إلى زيارته في «الفندق» ليعطيها برطماني «كُنْبوت» بدلًا من ذلك الذي ضبطها تسرقه في الفرح من أجل ابنها «نفسه أوي في الكُنْبوت»، وكيف تقبل أن تمنحه اقترابًا جنسيًا مقابل الخدمة التي أسداها إليها. انظر للغتها وهي تسأله: «إحنا هانعمل إيه دلوقتي يا سي فلان؟» وليس «إنت هاتعمل إيه دلوقتي يا فلان؟»

في الريف هناك تساهل كبير في العلاقات الجنسية، وفي الحدود بين الأفراد بشكل عام. الأورا Aura حول الأفراد في الريف أضيق بكثير من هالة الأورا في المدينة. شاهدت بعيني زوجة تجلس ملتصقة بأخي زوجها في مجلس أسرى عام. الرجال والنساء يجلسون متلاصقين في الحافلات بأريحية تامة.

لم أسمع عن تحرش في القرية تلك الأيام، لكني سمعت عن الأب الذي جلب شرائط البورن من الخارج وكان حريصًا على مشاهدتها مع أبنائه، وعن الفتاة التي كانت تستخدم «قلاحة» الذرة الطرية كـ «ديلدو» للاستمتاع مع حبيبها، وعن عشرات المثليين، وعلاقات زنى المحارم.

الرائحة الثانية: الموت

أخذنا نصر الله من أيادينا لموقع حفل الزفاف، بيت العائلة الكبير حيث ستُعد الوليمة، وسيقام مسرح كبير للكوشة والفرقة الغنائية والراقصة، وستنصب الكهارب الملونة الساطعة. في بداية الطريق للحفل لم ينس نصر الله أن يمر بنا أولًا على مسجد ملاصق لمدخل الحفل مباشرة، وعلى جانب المسجد يقبع نعش خشبي كبير ملون من النوع المستند على أربعة قوائم خشبية عالية.

لا أستطيع نسيان رائحة هذا النعش، الذي حملتُه وسرت بجواره مئات المرات خلال مئات الجنازات التي حضرتها في شنتنا الحجر ومشيت بجوارها، ورائحة الموتى داخل النعش، رائحة ماء الغسل، وقماش الكفن، ولفائف القطن، والطيب –الغالي منه والرخيص، شممتها كلهاوالرائحة النفاذة للجثة نفسها.

عندما رأيت النعش على شاشة السينما فهمت أنه سيكون هناك موت بعد الحفل؛ صيرورة الحياة والموت، والدائرة المغلقة اللانهائية. لذلك لم أندهش عندما مات علاء زينهم فجر اليوم التالي مباشرة.

أيضا داخلتني رائحة الصواني التي تبدأ في الورود على بيت المتوفي بعد ساعة أو ساعتين على الأقصى، تستغرقهما نسوة الجيران في إعداد صنوف الطيور والطواجن والطبيخ، يحملنها على رؤوسهن في صوان مغطاة بمفارش زاهية تحتوي بجوار تلك الأصناف قلل المياه المثلجة وأرغفة الخبز الفلاحي الكبير، متجهات إلى بيت المتوفي في مشاركة تكافلية للتهوين على أهل الميت، ولمساعدتهم في استضافة المعزين وباقي أهل الميت القادمين من أمكان بعيدة. هذه العادة التكافلية البديعة مستمرة حتى الآن في الريف بجانب إبداعات تشاركية أخرى مثل نقطة العريس، وصواني الصباحية، وصندوق العائلة، إلخ.

تمر على بيت المتوفي، فتهب عليك روائح مختلطة؛ روائح ماء الغسل، والمسك والبخور، مختلطة برائحة الطبيخ واللحم، ورائحة أجساد الرجال والنساء المتوافدين على بيت المتوفي للعزاء والمساعدة. ثم تتوجه إلى المسجد لصلاة ركعتين وانتظار قدوم الجنازة (الجثمان بعد التجهيز) والاستماع لشيخ قدم للمسجد على عجل لتقديم خدمة تشاركية أخرى، فيشغل الحاضرين بالحديث عن الموت والدعاء للمتوفى حتى يحضر الجثمان. تشم المزيد من رائحة البخور، والمزيد من رائحة ماء يغسل الأحياء هذه المرة ويتقاطر على حصير المسجد، فتكون له رائحة معتقة تلتصق بجبهتك وراحتيك أثناء السجود وتبقى معك لفترة.

الرائحة الثالثة: اللحم

بمجرد أن يجتذبه حسنها، يصرح باسم سمرة لقريبته إنعام سالوسة بمشاعره قائلًا: «أما أنا شوفت حتة واحدة يا عمة.. قمرترد عليه بثقة العارفين المطمئنين: «البت موزة بصحيح

و«الموزة» في قطعيات اللحم تؤخذ أساسا من الفخذة الخلفية من الذبيحة أو الساق الأمامية، وتحتوي على لحم بنسبة كبيرة مع نسبة أقل من الدهون، تلتف حول العظم وتمثل واحدة من أشهى قطعيات اللحم على الإطلاق، وتشتهر بأكلها مشوية أو محمرة مع الفتة.

وقد اشتهرت الإشارة إلى الفتاة المثيرة بالـ «مُزّة»، وهي تحريف مختصر للكلمة الأصلية «موزة»، وفيها تشييء للمرأة أو الفتاة، حيث تنزع عنها الصفة الإنسانية وتختزلها في قطعة لحم شهية. في طفولتي لم تكن «موزة» قد انتشرت بعد، وكنت أسمع رفاقي الأكبر مني سنًا يشيرون إلى الفتيات اللواتي يثرن خيالاتهم بلفظة «مكنة» –ماكينةوفيها انتزاع أكبر لصفة الكائن الحي من الفتاة، وتحويلها إلى شئ ميكانيكي وظيفي تمامًا، على أمل أن يرضي شهوة جائعة بشكل آلي لا يكل ولا يتوقف.

فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» مليء لآخره بمشاهد اللحم، وتقطيع اللحم، وشي اللحم، وتحمير اللحم، وسلق اللحم، وفري اللحم، وحشو اللحم، من أجل حفل الزفاف، ومن أجل حفل الصلح بين العائلتين المتخاصمتين في نهاية الفيلم، حيث تأمر سيدة عائلة أبو رية – المتنازعة مع عائلة الطباخبذبح وطبخ ما يقدر بـ 100 ألف جنيه من العجول اللحيمة.

في سنواتي الأولى في الريف كان اللحم شحيحًا، وفي ما عدا عيد الأضحى، كان الجزارون يذبحون العجول ويعلقونها في دكاكينهم يوم الخميس فقط، وكانت لها رائحة طازجة تصل إلينا داخل المدارس والبيوت، وكانت أكلة اللحم مقدسة يوم الخميس، وكأنها تمنح آكليها قوة أسطورية خفية لا غنى عنها.

وخلال باقي الأسبوع كان الناس يعتمدون في الأغلب على الطيور التي يربونها في منازلهم ويطهونها في أوان ضخمة تكفي أفراد العائلات الكبري –كانت العائلة تعيش في بيت كبير يضم في المتوسط عشرين فردًا، واختلف الحال الآن حيث تفرق أفراد العائلة في الشقق السكنية الأسمنتية، بدلًا من بيت العائلة الفلاحي الكبير الجامع. كنت أحيانًا أتناول الغداء في البيت الفلاحي الخاص بعمي مع أولاد عمي، تثير شهيتي رائحة مرق الإوز، وأذوب مستمتعًا بطعم القلقاس مع الأرز المعمر الخارج لتوه من الفرن الذي يعمل بالحطب. يرفع ابن عمي الأزهري عقيرته صائحًا من فرط المتعة: «يا أيها الناس.. كلوا قلقاس

الرائحة الرابعة: الصليب

في شتاء عام 1996 مرت قرية شنتنا الحجر بحدث ضخم، ربما كان أوسع أثرًا من زلزال 1991 الذي هز القرية وترك فيها عدة مبان ومدارس متصدعة. تصاعدت شائعات بأن أشخاصًا مسيحيين شاهدوا السيدة العذراء تظهر فوق قبة الكنيسة العتيقة التي تقع شمال القرية. وكذلك تصاعد الجدل في مدرستنا الثانوية –كنت في الفصل الأول الثانوي وقتها أو الثانيبأن الأمر لا يخرج عن كونه لعبة بأقلام الليزر التي رسمت شكل حمامة على قبة الكنيسة. كانت أقلام الليزر صيحة مستوردة وقتها، وكان القلم باهظ الثمن للغاية، ولم نشاهد مثله قط في أيدي أي شخص. كان الليزر بالنسبة لنا أسطورة، ومع كل الضجة حول أحد زويل وأبحاثه حول الفيمتو ثانية التي استخدم فيها تكنولوجيا الليزر التي كنا نقرأ عنها في الجرائد وقتها، كان الليزر بالنسبة لنا معجزة علمية مثلما كان ظهور العذراء معجزة دينية.

تحولت قريتنا فجأة لثكنة عسكرية مع ورود وفود بالآلاف من كل حدب وصوب من مصر وخارجها، وحتى من أوروبا والولايات المتحدة؛ سيارات فخمة تتهادي قادمة من مدخل القرية التي أحكم الأمن قبضته عليها، تمر من جانب المقابر التي تشغل مدخل القرية وتعبر نصف كيلومتر من الطريق الممهد، قبل أن يتركها أصحابها بجانب الطريق ويترجلون ليسيروا لما يقرب من نصف كيلومتر آخر حتى موقع الكنيسة التي تشغل مكانًا هامًا في قلب «حارة المسيحيين». كانت السيدات والرجال بملابسهم الفخمة، والفتيات والشباب بطلاتهم النظيفة المتألقة وهم يرتدون ثيابًا على أحدث خطوط الموضة، بمثابة «فرجة» رائعة لنا، كنا نتسابق –المسلمين قبل المسيحيينلإرشادهم لمكان الكنيسة. وكان الكثير من فلاحي شنتنا المسلمين يرابطون أمام حارة الكنيسة يبيعون للزوار المياه والعصير والمأكولات الخفيفة. تجد الفلاح يرص بضاعته على عربة الحقل ويبيع، وآخرين أجروا حجرات منازلهم للراغبين في المبيت، والبعض الآخر كان يتيح لحجاج العذراء الدخول لحمام منزله بدون مقابل أو بمقابل مادي زهيد.

هذا المشهد التكافلي المليء بالتسامح ترك أثرًا عميقًا في روحي. كنا نعلم أننا جميعًا نحتفل بسماحة الدين، بغض النظر عن ظهور العذراء من عدمه، وكنا كمسلمين نتمنى من أعماق قلوبنا لو أنها ظهرت، كنا في حاجة لمعجزة حقيقية تثبت إيماننا الذي كان يتشكل في ذاك الوقت.

في «الماء والخضرة والوجه الحسن» يلعب العطار المسيحي مرقص –صبري عبد المنعمدورًا رئيسيًا، فهو صديق عائلة الطباخ ويشاركهم صنعتهم في إخراج الطعام الشهي، وعندما توفى علاء زينهم –يحي الطباخكان قد ترك وصيته عند هذا الرجل الذي استأمنه عليها، ونقل لأهله رسالته من خلالها، بأن يجتمعوا في يوم أربعينه في حقل واسع مليء بالخضرة والبهجة، ويطبخوا طعامًا ويأكلوه سويًا ويضحكوا ويتذكروا لحظاتهم السعيدة معه.

هذه العلاقة المتينة ليست غريبة إطلاقًا، وإنما واقع معاش لمسته بنفسي في قريتي، حيث الروابط الاجتماعية أعمق وأمتن من مثيلتها في الحضر.

كنت أقف مع زملائي على ناصية حارة المسيحيين، نرمق الصلبان الخشبية المعطرة في أيادي البشر وحول رقابهم، ولا نشم غير روائح عطرية مختلطة، منها ما هو قادم من الحجاج أنفسهم، ومنها ما هو أكثر قوة ونفاذًا، قادمًا من محل عطارة قريب، مشابه لذلك الذي شاهدته في الفيلم.

الرائحة الخامسة: الثروة/ السلطة

في سن السابعة وعيت على أول قصر يُبنى على حدود قريتنا، فيلا عملاقة مكونة من أربعة طوابق بحمام سباحة ضخم وأسوار عالية، تبدو كمركبة فضاء هبطت للتو. كنت أمر أمامها فأجدها البيت الوحيد في القرية الذي لا تنبعث منه رائحة على الإطلاق. وفي سن السابعة عشر كنت أقف مع أقاربي في صف أمام الترب نتلقى العزاء في أحد الأقارب، وكان من ضمن المعزين عضو مجلس شعب ثري ونافذ من أهل القرية، صافحني واحتضنني في مجاملة فجة، ورغم اقتراب المسافة بين أنفي وبينه، كان أيضًا الرجل الوحيد في هذه القرية التي لا تنبعث منه أي رائحة على الإطلاق.

بالمثل كان رجل الأعمال فريد أبو ريةمحمد فراجفي الفيلم. تشعر أنه مسخ لا طعم ولا لون له، وإنما مجرد تابع لزوجته أم رقية –صابرينالتي تأمر في حفل الصلح الكبير الذي أعدته ودعت إليه المحافظ ومدير الأمن، بلف أصابع الكفتة في ورق فويل وتغليفها بالسلوفان، لتكتم أي رائحة شهية قد تنبعث، أيضًا بتأثير سلطتها ونفوذها.

يُعامَل ذوو السلطة والثروة في القرية ككائنات غريبة دخيلة، يرحب بهم الناس بحذر ويجاملونهم مجاملات سريعة، يخشون تقلب مزاجهم الذي تحركه المصالح النفعية، وليس الروابط القروية الراسخة. يتعاملون معهم كـ«ريح» تأتي وتمضى دون أن تترك أثرًا ولا «رائحة».

كانت هناك قصة أسطورية شائعة في قريتنا، عن أحد الأولياء الصالحين –حفيد شيخ مهم اسمه سيدي الحفني له مسجد كبير في وسط القرية ومقام كبير في المقابرقبض مأمور القسم عليه بشكل كيدي. وعندما ركب ممثل السلطة سيارة الشرطة لاصطحاب الشيخ إلى نقطة القرية، رفضت السيارة الدوران وتصاعد منها دخان كثيف. وعندما نزل الشيخ منها دارت، وركب مرة أخرى فتوقفت، وسط ضحكات وتهليلات أطفال وشباب القرية. كان ذلك تدريبًا مبكرًا لنا على تحدي السلطة المركزية، وتأكيدًا لقوة المجتمع التقليدي بتقاليده وروابطه الراسخة.

* * *

فيلم مليء بالزفارة، لا يحتوي سمارت فونز!

فهمتم الآن؟

فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» يشكل لمحة Snapshot نصف واقعية ونصف سريالية للمجتمع التقليدي المصري، يروي وقائع حدثت في 2016 لكنها صالحة لأن تحدث في أي وقت خلال العشرين سنة الماضية. فيلم يثير حنينًا قويًا، وينكأ افتقادًا حقيقيًا لذلك المجتمع المترابط المتسامح الفطري المليء بالماء والخضرة والجمال وبالبهجة.. والممتلئ بالروائح.

اعلان