Define your generation here. Generation What

روافد المملوكية الجديدة

نشأت المملوكية القديمة تدريجيًا بطريق تراكم تداعيات لحظة البداية، وكانت هذه اللحظة – كما يعرف دارسو التاريخ – هي تزايد اعتماد خلفاء صلاح الدين الأيوبي في مصر والشام على «العبيد الشبان البيض» ليكونوا هم الجنود والأمراء في جيوشهم، وذلك بالطبع بعد إعتاقهم، عندما يتمون فترة التدريب العسكري.

وشيئًا فشيئًا سمح الملوك والسلاطين الايوبيون لكبار أمرائهم (الذين كانوا مماليك في الأصل) باقتناء عبيدهم، ومن ثم جنودهم الخصوصيين، بما أن الجميع سيكونون في خدمة الأهداف الحربية للملك أوالسلطان.

و في مرحلة لاحقة كان لابد لقوانين الاجتماع، بل وقوانين الطبيعة، أن تفعل فعلها، فأدى التراكم الكمي التدريجي إلى تحول نوعي، فانتقلت السلطة كلها إلى المماليك، وزالت الدولة الأيوبية، وما كانت قصة توران شاه، آخر السلاطين الأيوبيين في مصر، وزوجة أبيه شجر الدر، إلا مجرد مؤشر تفصيلي على هذا التحول النوعي لذلك التراكم الكمي.

بهذه الطريقة التي يطبِّق بها التاريخ قوانينه تتكون في مصر منذ بعض الوقت حالة مملوكية جديدة متكاملة الأركان، أي تتحول السمات المملوكية التي كانت محدودة ومتفاوتة في دولة ضباط يوليو 1952، من عهد إلى آخر، إلى ظاهرة متبلورة، تتجذّر في المجتمع، وفي النظام السياسي يومًا بعد يوم.

والحالة المملوكية تختلف عن الحالة الطبقية، لأن الأخيرة قوامها الأساسي العلاقة بالعناصر المادية للإنتاج الاقتصادي، أما الحالة الأولى، أي المملوكية، فقوامها احتكار السلطة السياسية والسلاح، وتأتي الثروة لاحقًا.

وتختلف المملوكية كذلك عن ظاهرة الفرسان الأوروبية في العصور الوسطى، رغم أن طبقة الفرسان كان قوامها السلاح أيضًا، إذ أن الفرسان الأوروبيين لم يكونوا يملكوا السلطة السياسية.

ومثلما لم يكن المماليك القدامى يخططون بوعي كما رأينا ليشكلوا «عصبية حاكمة» في بداية انقلابهم على الدولة الأيوبية في مصر، ودويلات الأيوبيين الأصغر في الشام، فإن التحول المملوكي الحادث في مصر في بضع السنوات الأخيرة، لا يجري وفق خطة واعية مقصودة لذاتها، وإنما هو التداعي الحتمي للتطورات، أو هو بعبارة أخرى دهاء التاريخ الذي يراكم الأخطاء التي تنتج نقيضها، أي «الصواب»، لكي تستمر جدليته، المسماة في علوم الاجتماع الحديثة بـ«الصراع»، والمسماة في كتب السلف عندنا بـ«سنة دفع الله الناس بعضهم ببعض».

لم يكن الجدل، أو الصراع الذي اندلع في مجلس النواب مؤخرًا مع وزارة الداخلية حول تركيبة الدفعة الجديدة من طلاب كلية الشرطة سوى مناسبة لتذكيرنا بأحد روافد تكوين المملوكية الجديدة، فمثلًا لم يتحرك النواب لتوجيه اللوم إلى الوزارة حول عدم شفافية قواعد القبول بالمطلق، ولكنهم اعترضوا فقط على تفوق نسبة أبناء ضباط الشرطة بين المقبولين في الكلية بوضوح صارخ على نسبة المقبولين من أبنائهم هم، أو أبناء ذويهم ومحاسيبهم، وكان رد بعض المتطوعين للدفاع عن وزارة الداخلية مضحكًا، إذا أنهم عددوا حالات لم يقبل فيها أبناء الضباط هذا العام في كلية الشرطة، وكأنهم بذلك حققوا العدالة، ثم وهذا هو الأهم كأن الشعب ليس طرفًا من قريب أو بعيد في هذه «الصفقة»،وهذه إحدى أخص خصائص المملوكية، بوصفها جماعة مملوكية مغلقة.

الحقيقة أنني لا ألوم وزارة الداخلية ولا ضباط الشرطة، من باب عموم البلاء، فما دامت الدبلوماسية توريثًا، وكذلك مناصب التدريس في الجامعات، ووظائف البنوك والقضاء، بل وحتى مقاعد البرلمان إلخ، فلماذا نضع الداخلية والشرطة وحدهما في وجه المدفع؟

وهنا لابد أن يكون واضحًا أن هذه الجهات غير المسلحة هي الزوائد المدنية الضرورية للمملوكية، فقد كان لجهاز الحكم المملوكي القديم أدواته المدنية أيضًا، ولكن المعول عليه هو مصدر القوة السياسية الأصلي للنظام.

ثم أن انتقاد الداخلية أو غيرها من الجهات التي سبقت الإشارة إليها لن يقدم ولن يؤخر، لأن انتقاد توريث الوظائف والامتيازات مستمر منذ تسعينيات القرن الماضي على الأقل دون طائل، بل وجدنا من يتحدى ويصف تعيين الأبناء في القضاء بأنه «زحف مقدس» يتعين استمراره، ويتعهد باستمراره، ثم يحصل بعد ذلك على منصب وزاري. ووجدنا قطاعًا في المجتمع، وليس في الحكومة فقط، يحبذ عدم تعيين ابن الزبال في القضاء، وابن الخفير في السلك التجاري، ما يعني أن الظاهرة أوسع كثيرًا من وزارة الداخلية، بل ومن الحكومة نفسها، دون التماس أية أعذار لموقف الحكومة، فهي أولًا وأخيرًا المسؤولة عن استمرار هذه الدائرة الخبيثة، أو كسرها.

لكن القبول في كلية الشرطة، وغيرها من الكليات المشابهة، وتوريث الوظائف في المؤسسات المهمة، ليس إلا رافدًا واحدًا من روافد المملوكية الجديدة، فماذا عن الروافد الأخرى؟

إن المملوكية في التحليل الأخير تعني احتكار السلطة ثم الثروة في جماعة مغلقة تتجدد ذاتيًا، وتستند إلى القوة في الاحتفاظ بهذا الامتياز، مضافًا إليها غلالة من الشرعية، وكانت هذه الشرعية في حالة المملوكية القديمة هي الدفاع عن الإسلام ضد الاحتلال الصليبي والغزوة التتارية، وقد كان ذلك فعلًا هو الحال في عصور المماليك العظام الأوائل قطز وبيبرس وقلاوون الذين اختلف عنهم من جاؤوا بعدهم، تمامًا مثلما كان جمال عبد الناصر مختلفًا عن أنور السادات، الذي بدوره كان مختلفًا عن حسني مبارك، الذي قد يختلف السيسي عنه أو لا يختلف، فيما يتعلق بالانحيازات الاجتماعية والاستقلال الوطني ودرجة التمكين للمملوكية.

أما مسحة الشرعية التي غلفت ولا تزال تغلّف دولة يوليو 1952، فهي الشعار الفضفاض للوطنية المصرية، مختلطة أحيانًا بالقومية العربية، أو بدونها.

نعود إلى الروافد الأخرى للمملوكية الجديدة:

خذوا مثلًا الواقعة الأحدث من خناقة النواب مع وزارة الداخلية، أي واقعة إلغاء الرسوم الجمركية بغتة على الدواجن المجمدة المستوردة لمدة ستة أشهر، وبأثر رجعي من تاريخ معين، ثم إلغاء الإلغاء في مشهد واضح الارتباك وبالغ الريبة، وبما أن كثيرين تحدثوا، ولم يتركوا مزيدًا لأحد ليتحدث في دوافع هذا القرار، والجهات التي أمْلته، والمستفيدين منه، وحتى في بعض الآثار الإيجابية له، فإن ذلك كله لا يستوقفنا الآن، وإنما ما يستوقفنا هو دلالة هذه الواقعة في سياق تكون المملوكية الجديدة، فهي في التحليل الأخير هبة أنعم بها ولي النعم على المصطفين من رعاياه.

وهكذا فإن الرافد الثاني الأعظم من روافد المملوكية الجديدة هو الثروة بإرادة صاحب السلطة، لا بالجهد ولا بالمنافسة، ولا بإضافة مورد جديد للثروة الوطنية، على أن تنحصر هذه «الامتيازات» في كتلة السلطة أو حواشيها.

إن سياسة «الإنعام» الجديدة أخذت أشكالًا حديثة أيضًا، فبعد أن كان ولي النعم المملوكي، يُقطع هذا الأمير أو ذاك خراج منطقة أو إقليم، أو مكوس جمرك، أو سوق، أو يعطي غلات موسم «طعمة» لرجل أفلس من رجاله، فإن هذا بعينه يحدث الآن، في صورة قروض بنكية بتوصية سياسية، أو مساحة أراض شاسعة من أراضي الدولة، أو بيع شركة عامة بأقل كثيرًا من قيمتها الحقيقية لرجل أعمال، أو ترسية عطاء أو مناقصة على غيره بالأمر المباشر، أو إعفاء جمركي مؤقت كما رأينا توًا إلخ.

من التاريخ القريب، كلنا نتذكر كم بنكًا تجاريًا في مصر، كان على وشك الإفلاس بسبب القروض السيئة أو السياسية، وكيف أنقذ هذا البنك من الميزانية العامة، ولعل بعضنا لم ينس الراحل محمد أبو الفتوح رئيس بنك القاهرة الذي توفي مسجونًا بسبب منحه قروضًا لرجل أعمال، أو بالأحرى رجل استيراد شاب كان نجمًا من نجوم الحزب الوطني لحسني مبارك ونجله جمال، بتعليمات شفوية من صاحب سلطة، ثم هرب رجل الاستيراد، بأرباحه وقروضه.

هذه القصة تكررت كثيرًا بالطبع، ولكن ما دفعني لذكرها دون غيرها، هو ما أخبرني به أستاذ كيمياء عمل فترة قصيرة مع الرجل الهارب، ومن ثم فهو شاهد عيان ، وقال إن طابقًا في أحد المقرات الكبيرة لإحدى شركات الشاب الهارب، كان مظلمًا بصفة يومية إلا عدة أيام في أواخر كل شهر، أو أوائل الشهر الجديد، فاستفز هذا المنظر فضوله، وسأل زملاءه دون مجيب: لماذا يبقى هذا الطابق مظلمًا؟ أليس جزءًا من الشركة؟ ولكثرة إلحاحه وجد من ينصحه بالكف عن السؤال لأن هذا الطابق مخصص لأبناء مسؤولين كبار جدًا مقيدين كموظفين وخبراء في الشركة، لكنهم لا يأتون إلا في نهاية أو بداية كل شهر لتسوية حساباتهم، وكان ذلك أحد وسائل الرجل في الرشوة السياسية للنفاد إلى الأموال العامة.

يطلق علم السياسة الحديث على هذه الظاهرة اسم «رأسمالية المحاسيب»، ولكنها في سياق التاريخ المصري، بعثٌ للمملوكية القديمة، التي حاول الشعب القضاء عليها، مرة بالثورة العرابية، وثالثة بثورة 1919 ، ورابعة في العهد الأول لدولة ضباط يوليو من خلال مبدأ تكافؤ الفرص، وتذويب الفوارق بين الطبقات، رغم أن هذا العهد الأول لدولة يوليو هو أيضًا الذي غرس بذور عودة المملوكية، على نحو ما شرحناه في «مدى مصر» في مقالات سابقة، لتنمو في العهود التالية أشجارًا ضخمة وموحشة، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، و طبعًا كانت ثورة يناير 2011 هي أحدث وأهم موجة تاريخية، ضد هذا التراث المملوكي في التاريخ المصري، ورغم تفوق الموجة المملوكية المضادة حاليًا، فإن قوانين التاريخ تعمل ضدها، وإن طال المدى.

يتصل بهذا الرافد الاقتصادي السياسي للمملوكية الجديدة في مصر، أو يصب فيه رافد الفساد المالي والإداري، وتطبيقاته عديدة، فالتهرب الضريبي والجمركي أحدها، وفساد المحليات من هذه التطبيقات أيضًا، وتغيير القواعد كذلك، وعقود الإذعان تدخل في الباب نفسه إلخ.

***

السؤال الذي أود أن أختم به هذه السطور: هل «الوطنية» التي قلنا إن دولة يوليو 1952 تتخذها أساسًا لشرعيتها – مثلما اتخذ المماليك القدامى حماية الإسلام أساسًا لشرعيتهم – تقتضي التسليم لرجل أعمال فاسد قريب من السلطة بالاستيلاء على أموال المودعين، والهرب بها؟ وإذا قلنا إن التحول الديمقراطي ضروري لمحاسبة هؤلاء، ومنع تفشي ظاهرتهم، ومنع ترسخ المملوكية الجديدة، لأن جوهر الديمقراطية هو الرقابة والتوازن، و حرمة المال العام، ورشادة إنفاقه، فهل نصبح غير وطنيين؟

ألم يحاولوا أكثر من مرة في الماضي إلغاء مكتب تنسيق القبول بالجامعات، وهو على ما فيه من عيوب آخر بقايا حقوق عامة الشعب، وليس طبقاته الفقيرة فحسب؟ فإذا ظلت المملوكية الجديدة قادرة على فرض أسلوبها وقيمها، إلى متى ستترك أبناء غيرها يتعلمون في الجامعات!؟

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد