Define your generation here. Generation What

الزموا بيوتكم: خمسة عوامل جديدة في العصيان المدني السوداني

ثمة فكرة شائعة يعرفها مرتادو النوادي الرياضية بـ«التدرج في التحميل»، وهي إحدى المبادئ الأساسية في فسيولوجيا الجهد البدني Exercise Physiology والتي تقضي بأن يتدرج الرياضي في تمريناته على زيادة الأثقال على فترات زمنية متتابعة، مما يعطي فرصة لعضلاته للتكيّف الوظيفي، كي يعتاد الجسم على التدريب ويصبح أقدر على حمل أثقال أكبر. هذا المبدأ مستخدم على نحو ما في الاقتصاد، حيث تقرر الحكومات في فترات الانهيار الاقتصادي سحب يدها من السوق عبر رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية تدريجيًا وتقليص دور القطاع العام عبر سياسات الخصخصة حتى يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة وحش الأسعار المرتفعة، في الوقت الذي يتوقف فيه الدخل عن النمو أمام هذا الوحش المستفحل.

في اجتماعه مطلع نوفمبر الماضي صادق مجلس الوزراء السوداني على «حزمة السياسات الاقتصادية»، وهو المصطلح المنمق الذي يخفي مباشرة القول الصريح: خفض سعر العملة الوطنية وزيادة أسعار الكهرباء والمحروقات. الصدمة التي أحدثتها هذه الحزمة الجديدة المتكررة جاءت عبر ادعاء الحكومة بتعويم الجنيه السوداني. في الواقع فإن ما رمت إليه هذه الحزمة هو تقليل الفارق بين السعر الرسمي في بنك السودان المركزي للجنيه مقابل الدولار وبين سعره الفعلي في السوق السوداء، وهو ١٨ جنيهًا تقريبًا، الأمر الذي مثل قفزة صادمة، خصوصًا أن سعر الدولار في السوق البديلة يصل إلى ضعف مثيله في السوق الرسمي، ما جعل أسعار السلع تقفز إلى ١٠٠٪ في أفضل الأحوال.

ومع ميزان تجاري مختل وسوق تستورد غالبية السلع، خصوصًا الأساسية منها كالأدوية، أدت هذه السياسة إلى كارثة ليست اقتصادية فقط بل صحية أيضًا، وقعت بعد فترة وجيزة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي حقق بعض مطالبه بعد أن صار الأطباء عرضة للاشتباك مع المرضى وذويهم الذين يصلون دائمًا إلى مستشفيات خالية من المواد الطبية والأدوية.

لم يحقق الإضراب أي تغييرات جذرية في سياسات وزارة الصحة الرامية إلى خصخصة المستشفيات العامة، في بلد يمتلك وزير الصحة لعاصمتها مجموعة من المستشفيات والكليات الخاصة، في تضارب واضح للمصالح يعطي صورة عن مدى الفساد المستشري في الدولة، وتمارَس السياسات فيه بشكل عشوائي، فعندما تشيع الأنباء عن انتشار الكوليرا في شرق البلاد تمتنع وزارة الصحة عن الاعتراف بانتشار الوباء، فيما تقوم الأجهزة الأمنية بمصادرة رواية جابرييل جارثيا ماركيز «الحب في زمن الكوليرا»، من معرض الخرطوم للكتاب لحيلولة دون انتشار هذه «الشائعة»!

في الحالات السابقة كانت المعارضة السياسية تلجأ إلى الوسائل التقليدية التي اعتادها النظام وطوّر أدوات قمعها منذ وصول الجبهة الإسلامية للسلطة عبر انقلاب عسكري في ١٩٨٩؛ الاعتصامات، الإضرابات، الوقفات السلمية، التظاهرات الاحتجاجية، والمخاطبات الجماهيرية في الجامعات والأماكن العامة، أو عبر الوسائل العسكرية، مثل المحاولات الانقلابية والتمرد العسكري لقطاعات في الجيش أو المليشيات في جنوب وغرب البلاد، وهو ما كانت تتبعه حملة من الاعتقالات في صفوف النقابيين والسياسيين في أحزاب المعارضة والناشطين المدنيين أو القصف الجوي وحرق القرى في مناطق النزاع.

هذه المرة كان جهاز الأمن والمخابرات الوطني الجهاز السيادي والتنفيذي في آن واحد معًا جاهزًا بشكل مسبق قبل إعلان مجلس الوزراء، وقام بحملة متوقعة من الاعتقالات لناشطين معروفين سبق له اعتقالهم في مناسبات سابقة. لكن المفاجأة التي وقعت أفشلت الحملة الأمنية الاستباقية، فبدلًا من الاحتجاج المباشر قرر السودانيون إخلاء العاصمة، وبدلًا من تكرر سيناريو سبتمبر ٢٠١٣ حين خرج الآلاف من الشباب للتظاهر في الشوارع ضد إعلان الحكومة لرفع الدعم عن السلع الأساسية، وهي الحملة التي وُئدت بعد مقتل أكثر من ٢٠٠ متظاهر في شوارع الخرطوم، قرر سكان الخرطوم عدم الخروج من بيوتهم.

العصيان المدني الذي استمر من ٢٦ وحتى ٢٨ نوفمبر مثّل نقطة تحول في الحراك الاجتماعي ضد السلطة الحاكمة في السودان. حيث استخدم المشاركون أدوات جديدة ومختلفة تبدت فيها الكثير من علامات النضج التي افتقدت إليها الموجات الاحتجاجية السابقة منذ انتخابات ٢٠١٠، التي سبقت استفتاء انفصال الجنوب واحتفاظ عمر البشير بالسلطة، مرورًا بالمحاولات الفاشلة للشباب السوداني لمواكبة الربيع العربي في ٢٠١١ و٢٠١٢، وبالطبع انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣ التي كانت الأكبر والأكثر دموية، فما الذي تغير في نوفمبر ٢٠١٦؟

١الدعوة: من أنتم؟

خلال محادثة مع والدي في أول أيام العصيان سألني بريبة: «من دعا للعصيان؟ زمان كانت النقابات والأحزاب ولكن هذه المرة الجهة الداعية غير معروفة». والدي نموذج للشيوعي السوداني التقليدي، المرتاب دومًا من كل من هو ليس عضوًا في الحزب. في وسط سياسي تشيع فيه نظريات المؤامرة والتخوين واتهام الخصوم السياسيين بالأمنجية والتحالف مع النظام، لم يستطع الكثيرون من جيل والديّ تحديد مصدر الدعوة للعصيان، وبالتالي لم يكوّنوا رأيًا واضحًا تجاهه، فالدعوة إليه كُتبت ونُشرت عبر موقع فيسبوك وتوزعتْ في شقيقه الأصغر الأثير لدى السودانيين: واتسآب.

لم تكن الدعوة صادرة عن أحزب المعارضة التقليدية ولا الحركات المسلحة بكل تجسيداتها ومجسماتها العديدة؛ قوى الإجماع الوطني، نداء السودان، الجبهة الثورية، الفجر الجديد…إلخ. لم يكن هنالك أي عنوان أو اسم أو شعار صيغ بشكل أدبي ليحمل في خطابه النخبوي مدلولًا سياسيًا وطنيًا. كل ما هنالك كان وسم [هاش تاج] من النوع الذي دُرج على استخدامه في موقع تويتر واستعير لاحقًا في فيسبوك لتوحيد وربط المنشورات المتعلقة بالموضوع «#العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر».

لم يكن هذا الأمر جديدًا، فقد كانت حركات التغيير الاجتماعي السلمية غير الأيديولوجية من قبيل «التغيير الآن»، و«قرفنا»، هي المنوط بها القيام بذلك في السنوات الست الماضية. حيث أسهمت بشكل فاعل في خلق زخم مواكب للتطورات السياسية، باستقطاب العديد من السياسيين الأصغر سنًا من مختلف الانتماءات والطلاب للانخراط في العمل الجماهيري بعيدًا عن منظومة المعارضة التقليدية غير المتاحة لهم من جيل «القيادات التاريخية» في الأحزاب. لكن الجديد هنا هو أن هؤلاء أيضًا لم يكونوا من الداعين. لكن ولخبرتهم في الوسائل الجديدة، فقد انضموا للدعوة إلى الحشد وانساقوا مع التيار دون السقوط في مهاترات من قبيل «من صاحب الدعوة الأولى للعصيان؟» فالإنترنت بقدرته الواسعة على الانتشار مثّل الوسيط الأمثل لهذا الحراك المتسم بالأناركية والمفتقد تمامًا لمركزية القرار.

٢المطالب: لا شيء!

انتفاء المركزية في الحشد للعصيان كان عيبًا وميزة في الوقت ذاته. العيب هو غياب مصدر ذي أهلية في العمل السياسي يمتلك قدرًا من المصداقية للاستقطاب، وقادر على تنظيم هذا الحشد عبر جسم موّحد يتألف من شبكة من الأعضاء مخوّلة بتنفيذ قرارات محددة لتحقيق أهداف العمل التنظيمي. أما الميزة فهي أن غياب كل هذه العوامل التنظيمية شكل مانعًا أمام أجهزة الأمن من الإمساك بالمحركين الفعليين لهذه الموجة، التي كانت في لا مركزيتها أقرب لشبح ضبابي لا يمكن الإمساك به، شيء أقرب لهيكلية التنظيمات الإرهابية.

في الموجات الاحتجاجية السابقة كانت استراتيجية جهاز الأمن منصبة على توسيع دائرة اعتقالات الناشطين المعروفين، أو أولئك المحركين للتظاهرات في الأحياء، وبعد أن تمتلئ السجون بالناشطين يتوقف الدينامو المنظم للتظاهرات، فتفقد فعاليتها وتهتز ثقة المحتجين في قدراتهم عبر وسائل التعذيب والإرهاب الممارسة مع المعتقلين، فتفقد الموجة زخمها وتتوقف المظاهرات تدريجيًا، وبعد أشهر من انتهاء الموجة يفرج النظام عن المعتقلين بدون أحكام قضائية كون عمل جهاز الأمن والمخابرات يقع خارج دائرة النظام القضائي ليصبحوا مجموعة من الشباب المنهكين نفسيًا وجسديًا من أثر التعذيب والاعتقال، وغير مؤهلين للعمل بفعالية في الموجات اللاحقة ومصابين بالإحباط الكامل من فشل قيام الثورة.

في العصيان المدني لم يكن لهؤلاء الناشطين وجود فعلي. ظهر بعضهم لاحقًا في صور وفيديوهات مسجلة، وهم يحشدون الناس عبر مخاطبات في المواصلات العامة. لكن اعتقال بعضهم لم يشكل ضربة لموجة الاحتجاج، لأن الأمر ببساطة لم يكن دعوةً للخروج في مظاهرات، بل على العكس كان دعوة لعدم القيام بشيء سوى البقاء بالمنزل وعدم الخروج للعمل أو الدراسة، ومع وجود شريحة هائلة من الخريجين والعاطلين عن العمل، كانت الدعوة للقيام بعمل مماثل أمرًا سهل الحدوث. على الجانب الآخر لم تنتشر بيانات كثيرة من مجموعات سياسية محددة تضع خارطة لما يجب القيام به. منشورات وصور عبر فيسبوك بشعار واحد بسيط: «العصيان المدني ٢٧ نوفمبر»، بمطلب واحد محدد، وهو البقاء في البيت لثلاثة أيام فقط. لا وجود لنداءات باستقالة الحكومة أو إسقاط النظام. بل القيام بعمل سلبي يبرز مدى السخط والسأم لدى الحشود التي حققت انتصارها، لا باصطفافها والخروج إلى الشارع بل على العكس، بغيابها.

٣المشاركة الواسعة

بدأ العصيان المدني يوم الأحد، أول أيام الأسبوع المتسم دائماً بالازدحام المروري في مدن العاصمة الثلاث؛ الخرطوم، بحري، أم درمان. اختفى الاكتظاظ المعتاد في مواقف الحافلات والميادين الرئيسية، وسارت الحافلات بمقاعد فارغة على غير العادة في الشوارع، في حين خلت الطرقات من المارة وانحسرت حركة المرور إلى النصف. انتشرت الصور لشوارع الخرطوم الرئيسية وهي خالية أو خفيفة الحركة؛ شارع الجمهورية، شارع الجامعة، والسوق العربي في المركز التجاري للمدينة حيث تنتشر المقرات الحكومية والوزارات، وارتفعت نسبة الغياب في المدارس والجامعات لنسب تسببت في توقف العمل في تلك المؤسسات. إضافة إلى إغلاق المحلات والمتاجر لأبوابها. هذه المشاركة الواسعة أربكت أجهزة الدولة وحققت الغرض الأساسي للعصيان المدني، تأكيد حالة السخط العام من أداء الحكومة.

أسهم عاملان أساسيان في نجاح هذا الاختراق؛ الأول هو ضآلة نسبة الخطر في عمليات العصيان، فالخروج إلى المظاهرات يحتاج إلى مقدار كبير من الشجاعة مقارنة بالمخاطر المحتملة، مثل الاعتقال، الإصابات الناتجة عن الاشتباك مع الشرطة، أو حتى الموت بالرصاص الحي، وهي أمور متكررة في كل الموجات السابقة. انخفضت الخطورة هذه المرة لتتقلص إلى خسائر معقولة تتلخص في العقاب الإداري الذي يصحب الغياب عن العمل أو الخسارة التجارية الناجمة في كل الأحوال جراء الكساد، فبالنسبة إلى مواطن غير قادر على تحمّل أجرة المواصلات الزائدة أو البنزين مع العجز التام عن شراء الأدوية في بلد يعج بالمرضى من مختلف الأوبئة والأمراض المزمنة، يجد المواطن نفسه في وضع «ليس لديّ ما أخسره».

العامل الثاني هو انتفاء الخبرة لدى قطاع واسع من المواطنين حول ماهية العصيان المدني، فآخر ثورتين حققتا نتائج ناجحة بإسقاط النظام العسكري في السودان كانتا في الستينات والثمانينات. أي أننا هنا أمام أجيال جديدة لم يسبق لها القيام بعمل مماثل. خصوصًا أن كل الذاكرة الجمعية لسودانيي الخرطوم تتلخص في المظاهرات والإضرابات، فعندما اتصلتُ بخالتي في صباح أول أيام الاعتصام سألتها عما فعلته مع ابنتيها اللتين تدرسان في المرحلة الابتدائية، فأجابتني بارتياح أنها غيّبتهما عن المدرسة لخوفها من «الاعتصام». هذه السلبية التي تتسم بها الأمهات غالبًا في المشاركة السياسية، والناجمة عن الخوف على حياة الأبناء، كانت عاملًا غير مقصود في نجاح العصيان المدني القائم أساسًا على فكرة العمل السلبي: لا تخرج من البيت!

٤الأصالة والتجديد: لايف دا شنو؟

ما قالته خالتي في الهاتف لم يكن اعتقادًا مقتصرًا على ربات المنازل، وإنما تجاوزهن إلى الكثير من رجال الأمن الذين لم يكونوا أيضًا على دراية بمفهوم العصيان المدني. في إحدى صفحات حركة «قرفنا» نشر أحد مناصري النظام صورة لجنود بالزي العسكري وهم يحفرون قبورًا في إحدى المقابر مع نصيحة «إلى كل أم سودانية» تُهدَّد فيها الأمهات بأنهن إن لم يقمن بمنع أبناءهن من المشاركة في «العصيان» الذي تقف خلفه الحركة الشعبية الحركة المسلحة الأكبر التي تقاتل النظام في غرب وجنوب شرق البلاد فإن المقابر جاهزة لجثث أبنائهن. على صفاقة هذا التهديد ووحشيته إلا أن جانبًا مضحكًا تمثل في عجز قطاع كبير من المنتسبين للنظام عن فهم ماهية العصيان المدني، وبالتالي اكتسب الحراك الجماهيري نقطة تفوق، بامتلاكه أداة جديدة ومفاجئة لكل استعدادات النظام اللوجستية، وفي مشهد بائس وقفت عشرات السيارات المصفحة وناقلات الجند في شوارع فارغة من المارة لا تجد من تعتقله أو تطارده.

هذا التجديد كان نتيجة لدخول جيل جديد من الشباب الساخطين على الوضع العام، ممن نشأوا بعد طفرة وسائل الاتصال الحديثة وتعاملوا مع المكتسبات التكنولوجية لثورة المعلوماتية والوسائط المتعددة بوصفها من البديهيات المسلم بها، وهو الجيل نفسه الذي طالما اتُهم بافتقاره للوعي السياسي، لنشأته بينما كان النظام الحالي قد وصل بالفعل إلى السلطة، وبالتالي تربى وحصل على التعليم في مناهج وضعها النظام، متعرضًا بشكل كامل لكل بروباجاندا الإسلام السياسي التي تحّرم الخروج على الحاكم.

حطّمت فعالية مواليد التسعينات والألفينيات الصورة النمطية لجيل «ثورة الإنقاذ» الذي لم يعاصر أي رئيس للسودان غير عمر البشير، وأزاح بهذا قطاعًا كبيرًا من جيل الثمانينات الذي شكل النواة الأساسية لكل الموجات الاحتجاجية السابقة ممن اكتسبوا شيئاً من الميراث الثوري والنوستالجيا لجيل انتفاضة أبريل ١٩٨٥ التي أسقطت نظام الرئيس جعفر نميري، واتسم كثيرٌ منهم بخلل محوري في الموجات التي تلت العام ٢٠١٠، تمثل في الانجرار وراء «سلسلة أحجار الدومينو المتساقطة» التي اتسم بها الربيع العربي على مستوى التكتيكات والأدبيات. يُسقط التونسيون بن علي في يناير ويخرج المصريون في الخامس والعشرين من الشهر نفسه فتنطلق الدعوات في الخرطوم في اليوم الثلاثين.

حجمت هذه المحاكاة التي سهلتها وسائل التواصل الاجتماعي الخارقة للحدود من قدرة الشباب السوداني بشكل ما على استخدام الخيال الخاص بهم، ووضعتهم في صورة المقلدين لدول الجوار العربي، وكأنما افتقد السودان لأسبابه الموضوعية للانتفاضة ضد نظام يسيطر على مقدرات البلاد ويشعل الحرب الأهلية فيها لثلاثة عقود. على العكس هذه المرة، انطلقت دعوات مماثلة في مصر بعد نجاح العصيان السوداني، ومثّل السودانيون نموذجًا يحتذى به لأول مرة منذ الثمانينات.

هذا الخيال هو نفسه ما افتقده النظام، ففي أحد الفيديوهات المنتشرة قام طالب سوداني من أبناء المغتربين يدعى محمود صادق بتسجيل فيديو حيّ عبر تطبيق فيسبوك بينما كان يسير أمام جامعة العلوم الطبية المملوكة لوزير الصحة بولاية الخرطوم د. مأمون حميدة وأوقفته سيارة لرجال أمن في الزي المدني وطاردوه أثناء التسجيل. ظهر أحد هؤلاء الجنود لأقل من ثانيتين وهو يسأل الطالب المنفعل: ماذا تفعل؟ فأجابه بالعربية التي لم يكن يتحدث بها في أول الفيديو: ده لايف! فسأله رجل الأمن قبل أن ينتهي الفيديو بالقبض على محمود : لايف دا شنو؟!

٥ العامل النسائي: مهيرة

العامل الأخطر بالنسبة لي في هذا العصيان المدني والأكثر خرقًا للمألوف كان المشاركة الأنثوية الفاعلة والواسعة بشكل فاق المشاركة الذكورية المعتادة. لم يتمثل ذلك فقط في المشاركة بالعصيان ولكن في الدعوة إليه، فوجود المرأة في العمل العام ليس بالأمر الجديد في السودان الذي كان رائدًا في تعليم البنات منذ أوائل القرن العشرين، وكانت المرأة فيه شريكًا أساسيًا في المطالبة بالاستقلال عن بريطانيا ومصر في الخمسينات، وتواجدت عبر الحقب السياسية المختلفة خصوصًا في اليسار عبر الاتحاد النسائي بقيادة الناشطة الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم ضد الأنظمة العسكرية المتلاحقة. لكن العمل النسوي انحسر في السنوات الأخيرة مع عملية النكوص المجتمعي عبر الذكورية التي تتسم بها الأنظمة الإسلامية للنضال فقط في قطاع حقوق المرأة. بحيث نشطت النسويات أكثر في الأحداث التي مست المرأة بالذات، كحادثة اغتصاب أفراد من الأجهزة الأمنية للفنانة التشكيلية صفية اسحق، فيما انتشرت مبادرات مثل «لا لقهر النساء» المناهضة بالأساس لقانون النظام العام سيء الصيت، والذي يضم في طياته قيودًا غير محددة على زي المرأة المحتشم، ويفرض الحجاب في الأماكن العامة، خصوصًا في القضية المشهورة بـ«محاكمة البنطلون» والتي انطلقت بعد اعتقال الصحفية لبنى أحمد حسين من قبل الشرطة لارتداءها بنطلونًا قماشيًا واسعًا أثناء وجودها في مطعم.

هذه المرة كان النشاط الأنثوي كبيرًا في قضية غير مطلبية بل شاملة، ولكن حتى الدعوة كانت من أجسام من خارج منظمات المجتمع المدني النسوية، بل من موقع فيسبوك. حيث انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعات مغلقة تضم عضوات بأعداد كبيرة متخصصة في مواضيع اجتماعية ونسائية بحتة، كمجموعة «مهيرة» المتسمة بقدر من الخطاب السياسي والمجتمعي.

ولكن النشاط الأبرز في هذا العصيان جاء من مجموعة «فسخ وجلخ» التي يشير اسمها إلى عمليات تبيض البشرة عبر مستحضرات التجميل، إحدى أكثر الظواهر انتشارًا لدى المرأة السودانية التي تعيش في مجتمع يرى في البشرة البيضاء وحدها مؤشرًا للجمال. لم يكن هنالك أي سبب منطقي يدفع المرء للتوقع بأن مجموعة تواصل اجتماعي، تهدف لاستعراض أحدث صرعات الموضة والتباهي بالكريمات المبيّضة للبشرة ومستحضرات التجميل ومقتصرة فقط على النساء، قد تمتلك أداة للحشد السياسي. هذا العامل كان العدد، فعضوات هذه المجموعة وحدها من النساء السودانيات فقن المائتين ألف امرأة من مختلف الأعمار، وهو عدد نادر في وسائل التواصل الاجتماعي السودانية، بالنسبة لمجموعة سرية واحدة، فما أن أعلنت الحكومة عن رفع زيادة الأسعار وخفض قيمة الجنيه والتأثير الفادح لذلك على أسعار الأدوية حتى انتشر الإعلان عن العصيان المدني عبر هذه المجموعات المهتمة بالكماليات، في انقلاب تام على أدوات العمل الجماهيري في مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يقتصر الأمر في ذلك على الدعوة، فالجيل الجديد الذي أشرت إليه في النقطة السابقة لم يكتف بالدعوة إلى العصيان، وإنما خرجت في يوم الخميس السابق لأسبوع الاعتصام عشرات الطالبات من المرحلة الثانوية والمرحلة الأساسية في شارع المدارس بالخرطوم بحري في تظاهرات مباغتة وضعت الشرطة في موقف حرج أمام محتجات، لسن فقط من الإناث بل من الأحداث ممن هن دون السن القانونية. وهو ما طرح العديد من التساؤلات عن أخلاقية الحشد بين صغيرات السن، وتعريضهن لخطر الاصطدام مع الشرطة، رغم أن هذه التظاهرات كانت عفوية تمامًا ولم تجر الدعوة إليها من أي فصيل مدني، وحتى عندما خرجت مسيرة سلمية في أم درمان خلال أيام العصيان المدني كانت كل المعتقلات من الناشطات.

استمر الاختراق خلال العصيان المدني، فبعد أنباء اعتقال الطالب محمد صادق الذي ساعده خيار النشر التلقائي للفيدوهات الحية، استطاعت بعض مستخدمات فيسبوك التعرف على ضابط الأمن مرتضى باشري والحصول على عنوانه من لقطة screen shot للفيديو المنشور أثناء اعتقاله، وذلك عبر مجموعة “منبرشات” والتي كانت أيضًا إحدى وسائل الحشد النسائي، وهي للمفارقة مجموعة ينحسر نشاطها في النميمة وإنزال المشتركات لصور رجال يرغبن في التعرف على هويتهن أو التشهير بهن لقيامهم بالتحرش الجنسي.

خلاصة:

يمكن الجزم وبعد انتهاء أيام الاعتصام المدني الثلاثة، بأنه وعلى الرغم من عدم تحقيق الاعتصام لأي مطالب جذرية تغير من قرارات الحكومة، إلا أنه استطاع إعادة ثقة المجتمع المدني في نفسه وإعادة الاعتبار لما يمكن أن تحققه الجماهير المناهضة للسلطة الحاكمة في السودان بعد سلسلة من الموجات الاحتجاجية الموؤودة، التي لطالما عززت ثقة النظام في أدواته ودفعت صانعي القرار فيه إلى الاستمرار في نفس السياسات التي تقع عواقبها على المواطن السوداني وحده.

لم يسقط النظام، ولم تستقل الحكومة. لكن الحراك المجتمعي في السودان انتصر في جولة أعادت الاعتبار إلى فعالية الحشد الجماهيري الفعّال، ما أدى إلى انطلاق الدعوة مجددًا للعصيان المدني في ١٩ ديسمبر المقبل ذكرى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان عام ١٩٥٥ مع تعدد مجموعات التنسيق للعصيان في وسائل التواصل وانتشار ظاهرة الدعوة للعصيان في التاريخ المحدد عبر الكتابة في أوراق العملة. ليحقق العصيان المدني بذلك مكسبًا في مسيرة التراكم وتحقيق الزخم المنشود لأي انتفاضة شعبية مقبلة لا ندري بعد كيف سيطور النظام آلياتٍ جديدة لمجابهتها وما سيسفر عنه ذلك في المستقبل القريب.

اعلان
 
 
حسام هلالي