Define your generation here. Generation What
دراسة: «الخدمة المدنية» أبقى على التفاوت الكبير في أجور العاملين بالدولة
 
 

قالت دراسة صدرت، اليوم الأربعاء، إن سياسات الأجور الحكومية بعد صدور قانون الخدمة المدنية انحازت لنظيراتها السابقة للقانون، بالرغم من الخطاب الإصلاحي الذي تقدمه الحكومة.

وقالت الدراسة الصادرة عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن بعض القطاعات تتمتع بمعدلات متميزة في نمو الأجور مقابل نمو ضعيف في قطاعات ترتبط بالتنمية، «مثل رواتب العاملين في الجهاز الإداري لوزارة الزراعة».

وأوضحت الدراسة، التي جاءت بعنوان «تحولات سياسات الأجور الحكومية من الناصرية للخدمة المدنية»، أن بعض الفئات التي لا تخضع من الأصل لقانون الخدمة المدنية لا زالت تتمتع بمعدلات نمو قوية في ميزانيات أجورها، مقابل نمو ضعيف لإجمالي ميزانية الأجور الحكومية، «الأمر الذي يثير الشكوك حول مدى عدالة سياسات كبح نمو ميزانية الأجور، حيث يتركز كبح الإنفاق على القطاعات الإدارية التي تخضع للقانون».

ولا يخضع غير المدنيين عمومًا لهذا القانون، كما لا يشمل القانون العاملين بكادرات خاصة مثل أعضاء هيئات التدريس والقضاة، والعاملين في الهيئات العامة التي تخضع للائحة خاصة مثل هيئة قناة السويس وهيئة السكة الحديد وهيئتي النقل العام بالقاهرة والأسكندرية واتحاد الإذاعة والتليفزيون.

وقالت الدراسة إن سياسات كبح نمو الأجور الحكومية هذه تأتي في ظل عدم قدرة الدولة على فرض حد أقصى للأجور المرتفعة في القطاع الحكومي، بعد ما تم استثناء قطاعات تتسم بارتفاع أجورها التزامًا بدعوى الالتزام بالدستور الذي قصر الخضوع للحد الأقصى للأجور على كيانات معينة في الدولة، تبعًا لفتوى من قسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة.

واستندت الدراسة في نتائجها إلى تحليل بيانات الأجور في موازنة عام 2016/2017 من ناحية، واستعراض أوضاع قطاع من الموظفين وتطور مفردات أجورهم قبل وبعد القانون من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق، أظهرت الدراسة أن النفقات المرتبطة بالأمن والقضاء تأتي ضمن أبرز اهتمامات الدولة في الإنفاق على الأجور في عام 2016/2017، حيث يحظى قطاع «النظام العام وشؤون السلامة»، تبعا للتصنيف الوظيفي في الموازنة العامة، بأكبر معدل في زيادة الأجور.

ويضم هذا القطاع وزارات الداخلية والعدل ومصلحة السجون والمحكمة الدستورية وهيئة قضايا الدولة ودار الإفتاء وصندوق تطوير نظام الأحوال المدنية والهيئة العامة لصندوق أبنية دور المحاكم والشهر العقاري، وهي القطاعات التي زادت أجورها بنحو خمسة مليارات جنيه، في الوقت الذي سجل فيه النمو في أجور العاملين في قطاع التعليم نصف هذه الزيادة تقريبًا بنحو 2.4 مليار.

وأوضحت الدراسة تفاوت شديد في نمو أجور عدد من القطاعات في العام المالي الحالي: 12.3% نموًا في أجور العاملين في الضرائب والجمارك، 2.3% نموًا في أجور العاملين في الزراعة والصيد، 4.6% نموًا في أجور العاملين في الصحة،2.9% نموًا في أجور العاملين في التعليم المدرسي والجامعي، 23.8% نموًا في أجور العاملين في القضاء، 9.1% نموًا في أجور العاملين في الشرطة.

المصدر: دراسة تحولات الأجور الحكومية من الناصرية إلى الخدمة المدنية

وأظهرت الدراسة كيف احتفظ قطاعي الشرطة والقضاء بأوضاع متميزة على صعيد الأجور على نحو لم يتأثر بصدور قانون الخدمة المدنية.

فقد خصصت الدولة للشرطة بعد الثورة أكثر من زيادة في بدل الخطر، من ضمنها منح الضباط في 2012 بدل خطر بنسبة 30% من الأجر الأساسي، وبدل 20% للعاملين المدنيين في وزارة الداخلية، وفقًا للدراسة.

«وفي 2014 تمت زيادة بدل الخطر للعاملين المدنيين بوزارة الداخلية بنسبة 20% من الأجر الأساسي»، حسبما أضافت الدراسة، التي أشارت إلى صدور تعديلات واسعة في القانون المنظم لقطاع الشرطة شملت نظام الرواتب في العام 2012 على يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم وقتها.

وترى الدراسة أن القضاة يتمتعون بوضع استثنائي من الأساس، يجعل مستويات رواتبهم أعلى نسبيًا من باقي العاملين في الجهاز الحكومي، حيث يصل دخل القاضي حديث التعيين إلى حوالي 9000 جنيه شهريًا، وتساهم المكافآت الموسمية بشكل كبير في دخول القضاة، وفي كثير من الأحيان تقوم كل جهة قضائية بإعادة توزيع فوائضها المالية في صورة مكافآت على العاملين بها.

واستعرضت الدراسة أوضاع عدد من قطاعات الدولة عبر دراسات حالة العاملين بها، واستنتجت منها تفاوتًا واضحًا في نمو الأجور. فمثلًا نمت أجور العاملين في مصلحة الضرائب العامة بنسبة 15.6%، بينما تراجعت أجور العاملين في هيئة النقل العام في الأسكندرية بنسبة 1.3%، وكذلك أجور العاملين في مديرية القوى العاملة بالجيزة الذين تراجعت أجورهم بنسبة 8.5%.

وكانت الحكومة قد بررت تجميد الأجور المتغيرة في قانون الخدمة المدنية بتقريب الفوارق في دخول الموظفين وإعادة هيكلة سياسة الأجور على أسس أكثر عدالة، كما تقول الدراسة، التي تنقل عن وزير التخطيط أشرف العربي قوله إن أي حوافز جديدة سيتم إقرارها بعد القانون ستمنح على أساس مساهمة الجهة في الإيرادات العامة أو الخبرات الوظيفية النادرة أو العمل في المناطق النائية.

«لكن الحكومة لم تفصح بشكل مفصل عن الفئات التي تحصل على تلك الحوافز المرتفعة، وإن كانت ستخضع لقانون الخدمة المدنية أم أنه لا ينطبق عليها، وهل سيتم فعلا إقرار نظام أجور متغيرة جديدة لها بحوافز أقل أم أن نفوذها سيساعدها على الضغط من جديد للحصول على معاملة أجرية متميزة، كما تقول الدراسة، مضيفة: «ما تؤكده تصريحات وزير التخطيط التي أشرنا لها هو أن سياسة الأجور الجديدة ستكون منحازة، مثل سابقتها للجهات المولدة للإيرادات العامة والتي لا تقدم خدمة مباشرة للمواطنين».

وتنقل الدراسة في هذا السياق عن مستشار وزير التخطيط، طارق الحصري، تصريحاته التي أشار فيها إلى استمرار المعاملة المالية المتميزة للجهات المولدة للإيرادات السيادية، مبررًا ذلك بأن تلك الجهات اكتسبت هذه الوضعية ولا تستطيع الحكومة انتزاعها منها.

وتستخلص الدراسة، التي تتبعت سياسات الأجور منذ 1952 وحتى إقرار قانون الخدمة المدنية، إن العناصر المؤثرة في سياسات توزيع الأجور في مصر، هي تمتع الجهات المولدة للإيرادات للدولة، ومن أبرزها الضرائب، بنظام حوافز متميز للغاية في مقابل العاملين في جهات ذات طابع بيروقراطي مثل المديريات التابعة للوزارات، وخضوع العاملين لدى الدولة لتشريعات متعددة، وهو ما يؤدي لتمتع بعض القطاعات بمعاملة متميزة فيما يتعلق بالأجور من خلال تشريعات أخرى غير القانون الحاكم للعاملين المدنيين لدى الدولة، والقدرة التي اكتسبتها جهات تتسم بكثافة العمالة مثل المعلمين أو القدرة العالية على التنظيم مثل الأطباء في الحصول على حوافز مميزة في الأجور.

وترى الدراسة أن الواقع العملي يشير إلى أن «سياسة الأجور تحت حكم مبارك كانت امتدادًا لسياسات الأجور المستمرة منذ ثورة يوليو والقائمة على قوة نفوذ الموظفين، وليست قيمة الخدمة المقدمة من قبلهم»، مضيفًا: «قرار تحديد ميزانية الأجور ظل لأكثر من خمسة عقود من حكم دولة يوليو تحدده السياسة وليس الاقتصاد».

ورصدت الدراسة، على سبيل المثال، تراجع الدولة عام 1964 عن محاولات تنظيم الإنفاق على موظفي الدولة «بطريقة موضوعية» عبر إصدار قانون رقم 46، وهو تراجع تم حينما ألحقت بهذا القانون تشريعات استثنائية، من ضمنها القانون رقم 14 الذي يسمح بتعيين خريجي الجامعات والأزهر والمعاهد العليا في الوظائف الخالية بالدولة خلال عامين من تخرجهم دون إجراء امتحان التوظف.

وكان من المقرر أن يمتد العمل بقانون رقم 14 لمدة سنتين قبل أن يتقرر مد العمل به لسنتين أخريين، وتوسيع نطاق العمل به ليشمل حاملي مؤهلات الثانوية الفنية أو المهنية، ثم يمد العمل به مجددًا في 1968 وحتى 1972، وصولًا لصدور تشريع في العام 1973 لتقنين تعيين الخريجين دون اختبار.

وترى الدراسة أن تعيين الخريجين على هذا النحو كان يعكس نمط من السياسات التي تستهدف كسب الولاء السياسي.

وفيما حاول الرئيس الراحل أنور السادات «ترشيد» الإنفاق على الأجور الحكومية عبر إصدار قانون جديد عام 1978 لهذا الغرض، إلا أنه لم يستطع وقف التزام الدولة بتعيين الخريجين، كما تقول الدراسة، التي تكشف كيف جرى التوسع لاحقًا في عهد مبارك في الإنفاق على الأجور الحكومية لأسباب سياسية، بالرغم من الإبقاء على نفس التشريع قائمًا، عبر إصدار تشريعات موازية على رأسها العلاوة الخاصة بدءًا من العام 1987.

وتتميز تلك العلاوة بأن قيمتها النقدية كان يتم ضمها للأجر الأساسي بعد خمس سنوات من إصدارها، ما يؤدي لزيادة كل الحوافز والعلاوات والبدلات والمكافآت التي تُمنح كنسبة أو كعدد أيام من الأجر الأساسي.

وبالرغم من تراجع القيمة الحقيقية لأجور ومستويات معيشة الموظفين بسبب سياسات مبارك، إلا أن سياسات الأجور التي اتبعها ضمنت له مستوى من الاستقرار السياسي امتد لفترة طويلة، بحسب الدراسة.

اعلان
 
 
بيسان كساب