Define your generation here. Generation What

كاسترو وميلتون فريدمان والثورة المصرية!

فتحت وفاة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو نقاشًا محتدمًا حول طبيعة نظامه، رأى البعض أنه يخص الماضي ولا علاقة له بالحاضر: «كاسترو مات هو ونظامه وعصره كله، فلمَ نشغل بالنا بقضايا انقضى وقتها ودفنتها تطورات الواقع الجسيمة؟»

لكني رأيت أن جانبًا من هذا النقاش يخص المستقبل لا الماضي. المسألة ليست الدفاع عن كاسترو أو الهجوم عليه، بل تمحيص وسائل تغيير عالمنا القائم على الظلم والقهر، وصياغة مضمون التغيير المنشود وحدوده. بالنسبة لي، فالحمية الزائدة في السجال حول كاسترو والثورة الكوبية كانت، بمعنى ما، انعكاسًا لحمية، مفهومة ومحمودة، خلقتها انتصارات وهزائم ثورتنا المصرية، التي تفرض علينا فرضًا تفكيك إشكاليات التغيير الثوري بهضم تجاربه الماضية والحاضرة.

ومن ثم فليس دوري هنا، في هذا المقال، نبش القبور أو توزيع صكوك البراءة والإدانة، وإنما أطمح إلى المساهمة في النقاش المحتدم الذي جرى برؤية تحليلية حول العلاقة بين الديمقراطية والتغيير الاجتماعي، ذلك أن كل من تجربة كاسترو/كوبا وثورة يناير/مصر انزلقتا، بطرق جد مختلفة، إلى افتعال تعارض بين هذين الأمرين، إلى حد أن الدولتية كانت عقيدة السلطة الثورية المنتصرة في كوبا، وخطرًا أساسيًا ساهم في هزيمة التجربة الثورية في مصر.

مأزق الثورة من أعلى

أظن أنه ليس خافيًا على أحد الفارق الجوهري بين الثورة الكوبية (١٩٥٩)، والثورات الروسية (١٩١٧) والألمانية (١٩١٨)، بل وحتى الإيرانية (١٩٧٩)، على سبيل المثال. الثورات الثلاث الأخيرة، على اختلاف طبائعها ومآلاتها، كانت في الجوهر مبادرات جماهيرية عظيمة تفاعلت معها القوى السياسية المنظمة، سواء كانت ثورية أو انتهازية أو رجعية، فانحرفت بها أو أدت إلى هزيمتها. أما الثورة الكوبية – ومثيلاتها كثير – فقد كانت مبادرة لعصبة من الثوريين لم يزد عددهم على ٣٠٠٠ وقت انتصار الثورة. ليس هذا فقط، بل إن الثورة الكوبية ومثيلاتها حرصت منذ اليوم الأول لتولي السلطة على تحجيم المشاركة الجماهيرية الفعالة في العملية الثورية وقصرها على مجرد التأييد والدعم وتنفيذ القرارات الثورية.

السؤال هنا هو: هل يمكننا أن نصف تغييرًا لم تشارك الجماهير في صنعه بمبادراتها المستقلة بأنه ثورة؟ إجابتي هي: نعم. لكني استدرك سريعًا وأقول إن هذا النوع من الثورات، وقد تعددت تجاربه في خمسينات وستينات القرن الماضي، له حدود لا يمكن أن يتخطاها، وذلك بسبب طبيعته الفوقية بالذات.

الثورات الفوقية من أعلى طبيعتها إشكالية. هي تقوم على مفارقة تصل إلى حد التناقض. فهي تفصل بين صانع التغيير (= الجماعة الثورية المخلصة) وصاحب المصلحة في التغيير (= الجماهير، أو بتعبير أدق القوى الاجتماعية المستغلة والمقهورة)، بل تشترط خمول صاحب المصلحة في التغيير في مقابل الطغيان الكامل للأقلية صانعة التغيير. هذه الإشكالية لها آثارها الموضوعية الحاسمة، بغض النظر عن إرادة أو مدى إخلاص القوى الثورية القائدة لعملية التغيير، وأهم هذه الآثار يتعلق بطبيعة السلطة/الدولة التي تفرزها عملية التغيير الثوري، أي بمضمونها الاجتماعي.

تغييب ملايين الناس صاحبة المصلحة عن مشهد صناعة التغيير وإدارته يدفع الأقلية الثورية المنتصرة، بالضرورة، إلى أحد بديلين أو إلى مزيج بينهما؛ إما إلى استخدام جهاز الدولة الموروث عن النظام السابق في إدارة عملية التغيير، أو إلى تفكيكه/تغييره جذريًا، ولكن لحساب خلق جهاز بيروقراطي دولتي جديد يقوم على إدارة التغيير. كلا الخيارين مر. مرارة الأول واضحة لا تحتاج إلى شرح. أما مرارة الثاني فتنبع من حقيقة أن خلق جهاز ضخم مفصول عن الجماهير وغير خاضع لرقابتها، حتى لو كانت قياداته ثورية، يؤدي بالضرورة إلى تكوين شبكة مصالح طبقية خاصة، أي إلى خلق طبقة سائدة جديدة سماها بعض المحللين والكتاب طبقة «البرجوازية البيروقراطية» وسماها البعض الآخر طبقة «رأسمالية الدولة البيروقراطية».

أيًا ما كانت التسمية فالمعنى واضح؛ عدم تمكين الجماهير، كفاعل مستقل ومهيمن، في عملية صناعة التغيير، وفي إدارة الدولة التي أفرزها التغيير، يؤدي إلى إعادة إنتاج الطبقية بشكل جديد، شرس وشديد السلطوية. كذلك، الفصل بين أهداف التغيير ووسائله عبث، على الأقل إذا كان مفهومك للتغيير هو تحطيم أسس الاستغلال وليس تحسين شروطه الاقتصادية (مؤقتًا). هذا كله لا يتناقض مع الاعتراف أن الثورات من أعلى، والدولتية الاقتصادية والسياسية الناجمة عنها، كانت، في مرحلة ما من التاريخ، أداة ناجحة لتحقيق الأهداف «الوطنية» التي لم تعد الثورات البرجوازية التقليدية قادرة على تحقيقها، مثل الاستقلال الوطني والنمو السريع، وذلك في ظل نموذج تنموي مزيته الكبرى كانت قدرته على المراكمة السريعة لرأس المال بالتوازي مع تحسين ملحوظ في مؤشرات توزيع الدخل.

الدولتية والنيوليبرالية

لا أشك أن صورًا زاهية، لكن زائفة، لمثل هذا النموذج التنموي مرت في خيال كثير من المثقفين اليساريين والقوميين المصريين وهم يهللون لانقلاب منتصف ٢٠١٣. بل لا أشك أن صورًا زاهية شبيهة، تدور حول استقلال القرار الوطني وإنجاز مشروع تنموي حقيقي، مرت في أدمغة شباب «وطني» أيد السيسي وتحمس لحكمة في أول أيامه، قبل أن تنكشف الحقائق المريرة مع الأيام.

في نظري ليس كافيًا تبدد الأوهام حول حقيقة دولتية السيسي اليمينية، مقارنة بدولتية كاسترو الوطنية المعادية للإمبريالية. أظن أننا نحتاج، فضلًا عن التمييز الواجب والمستحق بين الدولتية اليمينية والدولتية الوطنية، إلى التخلص من إرث الدولتية بالكامل. فصحيح أن هناك دولتية أفضل نوعيًا من دولتية. لكن صحيح كذلك أن حتى الدولتية الوطنية، كفكرة وأيديولوجيا، تقف اليوم كحجر عثرة أمام الإمكانات التاريخية للتحرر الجذري.

التخلص من إرث الدولتية شرط تأسيس لمشروع تحرري ديمقراطي جذري مفتوح الأفق على تغيير اجتماعي عميق ممكن في مستقبل ما. هو شرط تأسيس ليس فقط بسبب الحدود الكامنة في طبيعة الدولتية التي تضعها في تعارض مع متطلبات التحرر الجذري العميق، وإنما كذلك بسبب التعفن النهائي للدولتية، أي بسبب استحالة امتزاجها بالوطنية التحررية في عصرنا الراهن، وتدهورها الكامل إلى مجرد غطاء للصوصية تفتقر إلى الحد الأدنى من الرشادة والكفاءة.

هنا أحب أن أشير إلى مسألة هامة، وهي ما يمكن أن نلاحظه من خلط لدى بعض الثوريين المصريين بين معاداة الدولتية وتبني النيوليبرالية. معاداة الدولتية من منظور ثوري تعني معاداة أعمق للنيوليبرالية وليس العكس. المشروع التحرري الديمقراطي الجذري هدفه التغيير من أسفل، أي إخضاع الدولة والسوق معًا، للسيطرة الجماعية الديمقراطية للملايين في كل حي وموقع عمل. ولذا فالمسألة الجوهرية في مشروع كهذا هي تمكين المقهورين ليصبحوا هم موضوع التغيير وهدفه وأداته على حساب حيتان رأس المال وغيلان الدولة. ميلتون فريدمان بالقطع ليس بديلًا لفيدل كاسترو، ولسنا مضطرين لاختيار فيدل كاسترو للنجاة من ميلتون فريدمان.

الطريق طويل، لكن لا الدولتية، ولا بالقطع النيوليبرالية، سيجعلانه أقصر. وإذا كنا عن حق واقعيين، فعلينا أن نطلب ما يبدو مستحيلًا: التحرر الشامل لمصلحة الناس وبيد الناس!

اعلان