Define your generation here. Generation What

كيف سيهبط الدولار إلى الـ10 جنيهات (4): الحل المُحكّمون في سوق حرة (التعويم الحالي)  

لنفترض أنه يمكن تحديد ما يسمى بالقيمة العادلة للجنيه مقابل الدولار. لنتجاوز كل التحفظات على نماذج رياضية مثل REER التي صممت على افتراض أنه يوجد في الواقع ما يسمى بمتغيرات مستقلة تؤثر تحركاتها على متغير تابع وفقط. لنتجاهل سذاجة مثل هذه النماذج الرياضية وعدم قدرتها على استيعاب التشابك الذي يحدث في الواقع بين المتغيرات، وأنه لا توجد متغيرات مستقلة بهذا الشكل إلا في الرياضيات التي تتبناها مؤسسات تتوافق مصالحها مع إنتاج قيم عادلة مبالغ فيها والتي تروجها على نطاق واسع فتصبح الرياضيات التي يستهلكها موظفو البنوك الراغبون في اعتلاء السلم الوظيفي أو طلبة الـMBA وغيرها من البرامج الدراسية التي تحاول إقناع مجموعة من الطموحين أنهم يستطيعون تلخيص العالم في مجموعة معادلات خطية.

سنتجاوز عن كل هذا وسنتبنى القيمة العادلة للجنيه مقابل الدولار التي أنتجها نموذج REER بحسابات بنك الاستثمار رينيسانس كابيتال (وهو مؤسسة تقرض الأموال للبلدان النامية) والتي  أعلنت عنها رويترز في مارس من العام الجاري: أن القيمة العادلة للجنيه مقابل الدولار هي 10.5. وليكن هذا صحيحًا،  عندما يرتفع الدولار بعد التعويم لمستوى أعلى من عشرة جنيهات بسبب سلوك مضاربي الضوضاء، عندما يحدث هذا، من هم المُحكّمون الذي تستطيع السوق الحرة إفرازهم عضويًا من أجل إلغاء أثر تجار الضوضاء؟ عندما يكون سعر الدولار 18 أو 16 من هم المُحكّمون الذين سيستغلون فرصة بيع الدولار بأعلى من قيمته العادلة بثمانية أو ستة جنيهات محققين أرباحًا طائلة دافعين السعر مجددًا تجاه قيمته العادلة؟ من؟

بخلاف البنوك التي دخلت حقبة التعويم جافة من الدولارات، هل هناك في سوق الصرف المصرية مؤسسات أخرى غير البنوك، مثل صناديق التحوط أو مؤسسات إدارة الاستثمار، تمتلك كميات كبيرة من الدولارات وتنتظر انتهاز فرص انحراف السعر عن القيمة العادلة لتحقيق أرباح من خلال بيع وشراء الدولار في السوق؟ في أسواق المال الأكثر نظامية وسيولة من سوق الصرف المصرية هناك بعض المؤسسات المالية التي تمتلك العملات لأغراض المتاجرة المالية فقط مثل Bridgewater Associates في الولايات المتحدة أو Man Group  في لندن التي تستحوذ على كميات ضخمة من العملات ومشتقاتها المالية للاستفادة من تداولها في الأسواق.  هل يوجد في مصر مثل هذه المؤسسات التي تمتلك الدولار وتستطيع القيام بوظيفة تحكيمية؟ بالطبع لا.

لنبتعد عن الاقتصاد المالي قليلًا ونفكر في الاقتصاد العيني. فكر في الفاعلين الاقتصاديين في مصر الذين تتضارب مصالحهم الاقتصادية بشكل مباشر مع ارتفاع الدولار مثل المستوردين أو مثلك انت باعتبارك تمثل المستهلكين. هل يوجد من بين هؤلاء الفاعلين الذين يضرهم ارتفاع الدولار من يملك دولارات تؤهله للقيام بوظيفة تحكيمية في سوق الصرف المصرية؟ هل هناك مؤسسات في مصر بخلاف البنوك تمتلك دولارات ومستعدة لاعتراض طريق مضاربي الضوضاء وإلغاء أثر تداولاتهم غير العقلانية بعد أن رفع المركزي يده عن السوق وفقدت البنوك قدرتها على جذب الأموال؟

لننظر لحائزي الدولارات في مصر من خلال ميزان المدفوعات مثلاً: المصدرون وقطاع السياحة ومتلقو التحويلات، هذه المصادر الثلاثة تمثل 80% من إجمالي الدولارات التي تدخل مصر. كم هي حصة الحكومة وقطاع الأعمال العام من الصادرات أو التحويلات أو السياحة؟ باعتبار أن الحكومة وقطاع الأعمال العام يمكن أن يقوما بدور تحكيمي في السوق، أو يفترض أن لا يكونوا مضاربي ضوضاء، وبالتالي فإن حصيلتهم الدولارية يمكن استخدامها لاعتراض مضاربي الضوضاء في الأسواق؛ التحويلات الرسمية مثلًا تبلغ نسبتها إلى إجمالي التحويلات على مدار العشر سنوات السابقة (باستثناء 2013-2014) 6%، ونصيب القطاع العام من الصادرات غير البترولية لا يتجاوز 5.5% من إجمالي هذه الصادرات. وكذلك الأمر بالنسبة للسياحة. يظهر بوضوح أن تداول الدولار بشكل مؤسسي صعب جدًا في مصر، فالأفراد -الأكثر قابلية للتحول لمضاربي ضوضاء- يملكون دولارات أكثر مما تملكه المؤسسات بتسعة أضعاف في أحسن الحالات. كيف سيحدث التحكيم في ظل بنية سوق كهذه؟ من يملك دولارات في سوق الصرف المصرية ومستعد لاعتراض طريق مضاربي الضوضاء عندما يتم تحرير سعر الصرف تماما؟  من؟

لأن السماء لا تمطر مُحكّمين فإن التعويم الحالي جاء بلا مُحكّمين، وبالتالي جاء بلا قدرة على ضبط الأسعار. جاء هذا التعويم بطموح غريب

ولأن السماء لا تمطر مُحكّمين فإن التعويم الحالي جاء بلا مُحكّمين، وبالتالي جاء بلا قدرة على ضبط الأسعار. جاء هذا التعويم بطموح غريب. يطمح المركزي المصري أن تستطيع البنوك زيادة حصيلتها الدولارية عن طريق تقمص دور السوق السوداء. فهو أطلق حريتها بشكل كامل -وهذا هو الفرق الوحيد بين التعويم الحالي وتعويم 2003 الذي لم تكن فيه البنوك بهذه الحرية- لمغازلة تجار الضوضاء عن طريق زيادة سعر شرائها للدولار إلى الحد الذي تقنع به تجار الضوضاء بالتنازل لها هي وليس للسوق السوداء. التعويم في هذه الحالة -التي ينقصها المحكمون- هو اعتراف بكل الأسعار غير العادلة التي أنتجها تجار الضوضاء في الأربع سنوات السابقة في السوق السوداء، وليس هذا فقط بل هو استسلام لآليات طلبهم وعرضهم (العرض الذي ينقص بزيادة الأسعار ويزيد مع انخفاضها).

لا تزال السوق المصرية -برغم التعويم-  ينقصها المحكمون، ينقصها عارضو دولار غير تجار الضوضاء، ينقصها عرض لا ينخفض مع زيادة الأسعار. التعويم الحالي ما هو إلا تغيير أنظمة الشراء في سوق الصرف الرسمية لتناسب آليات التفاوض مع تجار الضوضاء. يتجاهل المركزي المصري هذه المعاني ليكمل طموحه تجاه خطة التعويم، فهو يرى أن البنوك إذا نجحت في زيادة حصيلتها الدولارية عن طريق مغازلة تجار الضوضاء -وهذا غير مؤكد ويرتبط بشروط كثيرة سنتعرض لبعضها بعد قليل- إذا نجحت البنوك في هذا ستستطيع القيام بدور تحكيمي بعدها لأنها أصبحت تملك دولارات. (خطة ماكرة للانتقام: الاستيلاء على جزء من دولارات مضاربي الضوضاء عن طريق الاستسلام لهم ثم ضربهم بعدها بقوة بنفس دولارتهم التي تنازلوا عنها). هذه هي خطة المركزي المصري أو خطة التعويم الحالي لإعادة السيطرة على سعر الصرف. ولكن خطة التعويم هذه -بغض النظر عن آثارها الاجتماعية التي يعاني منها الجميع حاليًا- تتجاهل العدد الهائل من الشروط المطلوبة لنجاحها. هناك مجموعة ظروف إن لم تحدث مجتمعة ستفشل خطة التعويم الجهنمية هذه ونرجع لنفس الدائرة.

بشكل عام تفترض خطة التعويم هذه أن تنازل حائزي الدولار عن دولاراتهم للبنوك سيزيد بشكل سريع جدًا عندما يرتفع السعر الرسمي فوق سعر السوق الموازية. إن لم يحدث هذا، إذا تباطأ حائزو الدولار في التنازل عنه لأي سبب مثل «تحسبًا لصعود قادم»، إذا حدث هذا لن تستطيع البنوك تلبية احتياجات المستوردين المتراكمة عليها من حقبة ما قبل التعويم. وإن لم تستطع البنوك تلبية هذه الاحتياجات سيخرج جزء من طلبات المستوردين إلى السوق السوداء مجددًا وستشتعل المنافسة بين السوقين الرسمية والموازية مجددًا دافعة أسعار الدولار إلى مستويات قياسية لم نشهدها بعد. والأهم أن هذه المنافسة- إن حدثت- ستؤثر على نسب تنازل حائزي الدولار في البنوك فتقل قوتها التحكيمية مجددًا. وبالتالي فإن الشرط العام لنجاح هذا التعويم هو أن تزداد نسب تنازل حائزي الدولار بسرعة كافية لتغطية طلبات الاستيراد الجديدة والقديمة. وهذا شرط لا يمكن الرهان على تحققه بسهولة. لأنه مرتبط بمجموعة شروط أخرى، مثل أن طبيعة تجار الضوضاء -الذين لا يزالون مصدر العرض الوحيد في السوق برغم التعويم- ستتغير مع مستويات الأسعار الجديدة.

هل اقتنع تجار الضوضاء مسبقا بمستوى سعري معين في السوق السوداء وقرروا أنه مستوى عادل للتنازل عن دولاراتهم عنده؟ حركة الاسعار في السوق السوداء في الأربع سنوات الماضية تشي بأن هذه السوق تحتاج لرفع السعر بشكل متتالٍ حتى تحافظ على نسب التنازل عن الدولار ثابتة عند حد معين، وهذا بسبب طبيعة عرض مضاربي الضوضاء غير التقليدي الذي لا يزداد مع ارتفاع الأسعار بل يقل. مضاربو الضوضاء لا ينظرون لمستويات الأسعار، لا تبنى توقعاتهم على المستويات بل على الحركات السابقة والحالية، وبالتالي فإن آليات التنافس بين السوقين الرسمية والموازية القائمة على تحريك الأسعار لأعلى تجعل عرض مضاربي الضوضاء يقل بشكل عام أيًا كانت الفائزة من بين السوقين. طبيعة العرض المتنازع عليه في سوق الصرف المصرية لم تتغير حتى بعد قرار التعويم. هو عرض هش جدًا يمكن أن ينسحب في أي وقت ولأي سبب. وقرار التعويم الحالي يتجاهل عدم قدرة الجهاز المصرفي المصري على استيعاب هذه الهشاشة؛ يتجاهل أنه لكي يعتمد تجار الضوضاء مستويات أسعار الدولار الحالية كرقم مناسب للتخلي عن الدولار يجب أن تظل هذه المستويات السعرية ثابتة لوقت طويل حتى تصبح في نظرهم مستويات غير قابلة للزيادة مستقبلًا.

تتجاهل خطة التعويم الحالية أن هذا الوقت الطويل أبطأ من تدفق طلبات الاستيراد للجهاز المصرفي، وتتجاهل أن استجابة السوق السوداء لطلبات الاستيراد المطرودة من الجهاز المصرفي يمكن أن تشعل فتيل دائرة تنافس جديدة بين السوقين. تتجاهل هذه الخطة كمًا من الاحتمالات التي يصعب أن يرصدها عقل قبل حدوثها، والتي يمكن لحدث واحد منها فقط أن يعطل تدفق دولارات تجار الضوضاء داخل الجهاز المصرفي فتتعطل خطة التعويم برمتها. مثل كوب زجاجي هش يتحرك في مسارات عشوائية وتتحرك حوله كثير من الأجسام الصلبة في مسارات عشوائية أيضًا وبرغم أنه يصعب تحديد أي من هذه الأجسام الصلبة سيرتطم بالكوب أو بخطة التعويم أولًا ويحطمها أو في أي توقيت سيحدث هذا الارتطام، إلا أنه من السهل الرهان على أن هذا الكوب سينكسر أو ان هذه الخطة لن تستمر. ولكن هذا الرهان السهل ليس رهان المركزي المصري، فهو راهن أن هذه الهشاشة لن تنكسر وتجاهل كل احتمالات توقف هذه الخطة، والأهم من ذلك أن خطة التعويم الحالية وكذلك سياسات المركزي التي سبقتها –سياسات النصف مُحكّم– كل هذه السياسات تتجاهل الوجه الآخر لتجار الضوضاء: الوجه الذي لم يظهر كثيرًا في أزمة العملة الحالية. هذا الوجه الآخر لتجار الضوضاء هو مخرجنا الوحيد من هذه الأزمة -كما أفترض- وهو دليل أيضًا على أن التعويم الحالي لم يكن حتميًا.

تجار الضوضاء لهم اسم آخر في الأدبيات الاقتصادية الأكثر تطبيقية أو الأكثر اعتمادًا على نماذج رياضية لرصد أثرهم على أسعار السوق. تسميهم هذه الأدبيات تجار التغذية العكسية الموجبة لأن حركات بيعهم وشرائهم -كما تعرف- مرتبطة بحركات السعر بشكل موجب (عندما يزيد السعر يزيد الطلب، يقل السعر يقل الطلب). معظم الدراسات التطبيقية هذه، والتي درست أسواقًا مالية أكثر سيولة ونظامية وكفاءة من سوق الصرف المصرية، أثبتت أن تجار الضوضاء يستجيبون لهبوط الأسعار بشكل أعنف من استجابتهم لصعودها، أي أن عرضهم للدولار مثلًا يزيد بقوة عندما يتوقعون انخفاض سعره. هذه النسبة في زيادة عرضهم للدولار في حالة الخوف من انخفاضات مستقبلية تكون أكبر من نسبة الانخفاض في عرضهم عندما يطمعون في زيادات مستقبلية. وهذا هو الوجه الآخر لتجار الضوضاء الذي لم يتم استغلاله إلى الآن. نحن نختبر منذ أربع سنوات وجهًا واحدًا لتجار الضوضاء؛ نختبر انخفاضًا في عرض الدولار نتيجة توقعات بزيادة سعره مستقبلًا. وتستمر التوقعات تغذي نفسها بنفسها. ماذا لو حاول المركزي ولو لمرة في الأربع سنوات الماضية أن يعكس توقعات مضاربي الضوضاء؟ ماذا لو خلق المركزي توقعات بانخفاضات مستقبلية للدولار؟ ستزداد نسب عرضهم فيقل سعره فتزداد التوقعات بانخفاضات مستقبلية فيزداد عرضه فيقل سعره وتنقلب الدائرة التي نعاني منها منذ أربع سنوات. هذا هو الوجه الآخر لتجار الضوضاء الوجه الذي حاول طارق عامر أن يختبره في طلته الأولى -لو تذكرها– عندما خفض قيمة الدولار مقابل الجنيه، ولكن طلة عامر هذه كانت خالية من الجدية. فهو أعلن فقط عن تخفيض ولم يقم بزيادة ضخ الدولارات في السوق، أو بصيغة أدق لم يقم بمحاولة استيعاب جزء من طلب المستوردين عندما خفض سعر الدولار. هو خفضه فقط، فلم يحدث شيء. ليس بهذه الطريقة أنهى فاروق العقدة في 2005 مشكلته مع السوق السوداء. فالعقدة خفض سعر الدولار أقل كثيرًا من السوق السوداء وفي نفس الوقت قام بالبيع بكثافة عند هذه المستويات المنخفضة فانقلبت التوقعات.

 ماذا لو خلق المركزي توقعات بانخفاضات مستقبلية للدولار؟

خفض العقدة سعر الدولار من 6.30 (في البنوك) و6.90 (في السوق السوداء) إلى 5.80 وكان هذا التخفيض في قيمة الدولار مصحوبًا ببيع فعلي من البنوك إلى الجمهور مثل المستوردين وهذا هو الأهم وهذا ما لم يفعله عامر في طلته الأولى. تخفيض العقدة هذا جعل عرض مضاربي الضوضاء في السوق الموازية يزداد فانخفضت الأسعار في السوق الموازية بعنف لدرجة أن الفجوة بين السوقين اختفت في أقل من شهرين وبدأت تنازلات العاملين بالخارج والمصدرين وغيرهم تتدفق للجهاز المصرفي مجددًا. يمكنك متابعة أثر هذه الحركة من أرقام الإنتربنك الدولاري الذي ازداد من 11.9 مليار دولار في 2004 إلى 105 مليار دولار في 2008. استمرت هذه الزيادات في الإنتربنك الدولاري مع استمرار سياسات تثبيت قيمة الجنيه مقابل الدولار، والأهم أنه مع استمرار سياسات تحكيم المركزي هذه، أو سياسات تثبيت سعر الصرف، كانت الاحتياطات النقدية تزداد بصورة عنيفة نتيجة وفرة الدولارات في البنوك وعدم ضغطها على احتياطات المركزي. انظر في الشكل التالي حركة الاحتياطيات النقدية الأجنبية وقارنها بحركة سعر الصرف وبسهولة ستلاحظ أنه في فترات التثبيت ترتفع الاحتياطات بعنف، على عكس ما يروجه دائمًا أنصار نظرية «خفض سعر الجنيه عشان السياحة والتصدير يزيدوا متستهلكش الاحتياطي في دعم الجنيه مقابل الدولار». انظر إلى الانخفاض في الاحتياطي النقدي الذي حدث في 2009، هذا الانخفاض الذي يبدو كأنه سفح بين قمة جبلين. هذا الانخفاض كان بسبب صدمة في الاقتصاد العيني متعلقة بالأزمة المالية العالمية 2008 حين انخفضت الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة بقيمة تزيد عن عشرة مليار جنيه عن السنة السابقة. كان يمكن للمركزي المصري في هذه السنة التخلي عن دوره التحكيمي خوفًا على احتياطاته من التآكل. كان يمكن أن يخفض سعر الجنيه مقابل الدولار ويتوقف عن ضخ دولارات في البنوك، ولكنه لم يفعل. ظل متمسكًا بسياسات تثبيت سعر الصرف فلم ينتبه مضاربو الضوضاء ولم تحدث أزمات عملة تغذي نفسها بنفسها. صعدت الاحتياطات النقدية ثانية بسرعة لأن المركزي لم يتبنّ سياسات تجفيف الدولارات من البنوك، السياسات التي تسمى حاليًا «الإصلاح الجريء». الفرق بين ما حدث للاحتياطات النقدية بسبب صدمة 2009 (الانخفاض ثم الصعود السريع) وما حدث للاحتياطات بسبب صدمة 2011 (الانخفاض ثم الانخفاض ثم الانخفاض)، هذا الفرق يتعلق جزء كبير منه بسياسات المركزي تجاه سعر الصرف؛ جزء كبير منه متعلق بتحفيز مضاربي الضوضاء ولفت انتباههم لتصعد أزمة تغذي نفسها بنفسها.

احتياطي النقد الأجنبي

إليك هذه الفقرة من التقرير السنوي للبنك المركزي المصري سنة 2005-2006، وبالمناسبة طارق عامر كان نائبًا لمحافظ البنك المركزي في هذه الأثناء، وبالمناسبة أيضًا هذه الفترة لم تكن فترة ارتداد عن سياسات السوق الحر بل كانت تشهد موجات من خصخصة البنوك العامة مثل بنك الإسكندرية وغيره من شركات القطاع العام، ولكن التحول الذي حدث في هذه الفترة تجاه سياسات سعر الصرف كان نابعًا من انتظار نجاح سياسات المركزي كنصف مُحكّم لثلاث سنوات وانتظار نجاح سياسات التعويم لأكثر من سنة، ومع ذلك بقيت نسب تنازل حائزي الدولار كما هي معدومة، فكان لابد لأحد أن ينقلب على هذه السياسات ويتدخل في السوق. إليك نص الفقرة من تقرير المركزي:

«كما اتجه البنك المركزي لاتباع سياسة أكثر مرونة مع شركات الصرافة وتوقف عن اتخاذ إجراءات إغلاق بعض الشركات، وكذلك [وهو الأهم] قام بتكثيف التعاون والتنسيق مع الجهاز المصرفي لتلبية الطلبات المعلقة لدى البنوك لفتح الاعتمادات [يقصد تمويل الاستيراد] وتوفير جزء كبير من طلب الأفراد على النقد الأجنبي لأغراض السياحة والسياحة الدينية والعلاج والتعليم بالخارج. وقد ساهمت السياسة التي اتبعها المركزي في تشجيع الأفراد على التنازل عن النقد الأجنبي. وقد ساهمت هذه السياسات والإجراءات في حدوث تحول جذري في توقعات المتعاملين في السوق تجاه الدولار، مما أدى إلى زيادة المعروض من النقد الأجنبي وتمكين البنوك من تلبية احتياجات عملائها. وهو ما ساهم في القضاء على السوق الموازية للنقد الأجنبي نهائيًا».  

ما فعله العقدة في 2005، والذي أعتقد أنه الإجراء الذي سيُتّخذ عاجلًا أو آجلًا (ونتمنى أن يكون عاجلًا لأن خمس سنوات من الصعود المستمر للدولار والهبوط المستمر لمستوى معيشتنا تكفي)، ما فعله العقدة هو أنه وفّر عرض دولار غير معتمد على تدفقات تجار الضوضاء للسوق المصرية. وفّر عرضًا لا يشبه في طبيعته عرض تجار الضوضاء، بل يعترض طريقهم في الأسواق ويعكس توقعاتهم، فانقلب سلوكهم. ارتدّ العقدة مجددًا لحقبة المركزي كمحكم (وبالمناسبة فسياسة المركزي هذه في زيادة ضخ دولارات ورفع سعر الجنيه في 2005 كانت في ظل احتياطي نقدي بلغ 17 مليار دولار، أي أن المركزي قام بضخ دولارات في ظل احتياطاته النقدية المتدنية فتحسنت هذه الاحتياطيات وليس العكس)، ارتدّ للدور الذي يحاول المركزي المصري أن يهرب منه منذ 2012 وإلى الآن، الدور الذي اختبرنا كل الارتفاعات في قيمة الدولار وكل السياسات العقيمة ومنها التعويم الحالي حتى يستطيع المركزي الاستمرار في التملص منه. هذا الدور هو قيام المركزي المصري بمهام مُحكّم في سوق الصرف المصرية خصوصًا في أوقات الازمات. القيام بعرض الدولار عند المستويات السعرية المحددة في سوق الصرف الرسمية حتى لو على حساب احتياطاته النقدية مؤقتًا أو على حساب زيادة الاقتراض.

لو أردنا الحديث عن قدرة المركزي المصري الحالية أو قدرته فيما قبل التعويم الحالي على التحكيم في ظل احتياطات النقد الأجنبي المنهارة هذه؛ لو أردنا حساب تكلفة التحكيم كميًا لابد أولًا من تحويل لفظ «مُحكّم» إلى إجراءات فعلية في سوق الصرف المصرية. يمكن القول بأن جوهر التحكيم في سوق الصرف المصرية هو الاستمرار في فتح اعتمادات مستندية للمستوردين بنفس نسب فتحها في الأوقات العادية، وهي ليست 100% من إجمالي الواردات على كل حال، ولكنها أيضا ليست أقل من 5% وهي غالبًا نسبة تمويل الجهاز المصرفي للواردات السنة الماضية. فبند الالتزامات العرضية في تقرير المركزي المصري لم يتجاوز 4.6 مليار دولار السنة الماضية لكل البنوك مجتمعة، وهذا المبلغ الصغير لا يذهب لتمويل الاستيراد فقط بل للتصدير وخطابات الضمان أيضًا.

لو كان المركزي المصري يمتلك تصورًا -وهو على الأرجح لا يمتلك- عن الحد الأدنى من اعتمادات الاستيراد التي يجب فتحها داخل الجهاز المصرفي أو عدم طردها خارجه حتى لا تكون نواة طلب استثنائي في السوق السوداء تشعل دوائر المضاربات السابق ذكرها؛ لو نظر المركزي للواردات باعتبارها طلبًا لا يمكن التملص منه نهائيًا ولا يمكن تقليصه على المدى القصير لأنه مرتبط بحجم ما ننتجه داخل مصر؛ لو أدرك ان هذا التملص من تمويل الواردات لن يقلل حجم استيرادنا ولن يكون مفيدًا للاحتياطيات النقدية الأجنبية لأن  تجار الضوضاء لو استيقظوا سيمنعون تدفقات الدولار من الدخول للجهاز المصرفي ومنه إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي؛ لو تخلى المركزي عن إنكاره لهذه الحقائق الجلية لتغيرت الصورة التي نعيشها الآن كثيرًا. تخيل أننا نقوم بتوجيه الأسئلة الأربع القادمة لإدارة المركزي المصري وتخيل أيضًا أنهم سيجبيون بصدق عنها. لو كانت إدارة المركزي تستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، أو أي منها بـ«نعم» أو أي شيء غير «لا»، لكنا تجنبنا جزءً كبيرًا من انهيار الجنيه مقابل الدولار أو لكان المركزي والجهاز المصرفي سيستطيع السيطرة على أسعار الجنيه مقابل الدولار وإنهاء الأزمة الحالية.

 تخيل أننا نقوم بتوجيه الأسئلة الأربع القادمة لإدارة المركزي المصري وتخيل أيضًا أنهم سيجيبون بصدق عنها

أولًا- أنتم تؤمنون بأن رفع سعر الدولار أو التملص من تمويل الواردات أو فرض قيود جمركية عليها يمكن أن يخفض حجمها الإجمالي. فهل انخفض حجم الواردات المصرية في أي سنة خلال العشرين سنة الأخيرة بنسبة تفوق 10% عن السنة السابقة، برغم أن هذه السنوات العشرين شهدت انهيارًا في قيمة الجنيه مقابل الدولار بأكثر من 500%؟ (بياناتهم تؤكد أن الإجابة لا).

ثانيًا- أنتم لم تستطيعوا تقليص الواردات على المدى القصير ولكنكم تتملصون منها فقط حفاظًا على الاحتياطي النقدي، فهل ما وفرتموه من دولارات بتملصكم من تمويل الواردات من 2013 إلى الآن يفوق أو حتى يساوي حجم الدولارات التي خسرها الجهاز المصرفي نتيجة هروب تجار الضوضاء منه بسبب سياسات تملصكم من تمويل الواردات؟ هل ما وفرتموه خلال الأربع سنوات يساوي نصف الدولارات التي فرّت من الجهاز المصرفي في سنة واحدة؟ (أتيحوا لنا بيانات تقول إن الإجابة ليست لا).

ثالثًا- بعيدًا عن أخطاء الماضي: هل تملكون حاليًا أي دراسة أو حتى تصور مبدئي عن النسبة الواجب استيعابها من الواردات داخل الجهاز المصرفي حتى لا تشتعل دوائر المضاربات على العملة مجددًا؟

رابعًا- هل كان من المستحيل توفير دولارات لتمويل هذه النسبة خلال الأربع سنوات السابقة فيما قبل التعويم؟ أو هل تضمنون ان التعويم بصورته الحالية سيوفر هذه النسبة بدون تدخلكم؟

بخصوص السؤال الرابع، لو نظرت لتدفقات الدولار في ميزان المدفوعات المصري بعدما وضعت العدسات المكبرة التي تظهر أثر تجار الضوضاء على دخول هذه الإيرادات للجهاز المصرفي ومنها الى الاحتياطي النقدي الأجنبي، لو نظرت لكل بنود تدفقات الدولار بهذه العدسة، ستجد أن المركزي المصري لا يملك السيطرة إلا على بند واحد من بنود تدفقات الدولار بعد أن حال تجار الضوضاء بينه وبين بنود التصدير والسياحة والتحويلات. لن يجد المركزي إلا بند الاقتراض وتسهيلات الموردين ليزيد من احتياطياته. هذا يفسر بشكل ما فخ الديون الذي وقعنا فيه حاليًا. تمتلك الإدارة الاقتصادية المصرية إيرادات دولار شديدة التقلب وبها عجز في المجمل وهذه الإيرادات بكل قصورها هذا لا تصل أصلًا إلى الجهاز المصرفي أو الاحتياطي النقدي نتيجة ضوضاء سعر الصرف، فيتجه المركزي للاقتراض بدلًا من محاولة إعادة تدفق الإيرادات القليلة الموجودة إلى الجهاز المصرفي.

 اشترط صندوق النقد الدولي أن تقترض مصر ستة مليارات دولار من جهات أخرى غيره حتى تستطيع اقتراض 12 مليار دولار منه. هذه المليارات الثمانية عشرة من الدولارات- ورجوعًا إلى السؤال الرابع، أو الدولارات التي يحتاجها المركزي للقيام بدوره التحكيمي وإعادة تدفق الدولارات داخل الجهاز المصرفي ومنها إلى احتياطياته بشكل دائم- الـ18 مليار دولار من القروض المرتبطة بالصندوق تكفي لاستيعاب ما يقارب 70% من مدفوعات واردات مصر كاملة دون استثناء لأي بند من بنود الواردات لسنة 2015-2016 لمدة نصف سنة مالية. وإذا استثنينا تمويل السلع الاستثمارية لمدة نصف سنة مالية فقط وحافظنا على كل أنواع الواردات ستكفي هذه الـ18 مليار لتغطية 81% من الاستيراد لمدة نصف سنة كاملة. وهذه المدة (ستة أشهر) وهذه النسبة (%70) هي مدة ونسبة أكبر بكثير من التي يحتاجها المركزي لقتل طلب السوق السوداء أو لعكس توقعات مضاربي الضوضاء بشكل جذري. ولكن هذه الأموال المقترضة لا يمكن استغلالها بهذا الشكل، لأن شرطًا أساسيًا للحصول على هذه الأموال هو ألا تستخدم بهذا الشكل الذي يبدو فيه المركزي مُحكّمًا أو متدخلًا في النشاط الاقتصادي.

يتصور صندوق النقد، وبالطبع يصدق المركزي المصري على هذا التصور، أنه يمكن للمركزي المصري أن ينسحب بساطة من دوره كداعم لسعر الجنيه في سوق الصرف كما تنسحب الحكومة ببساطة من دورها كداعم للطاقة.  يتصورون أن الانسحابين لهما نفس الآثار. الافتراض السائد في هذه المؤسسات والذي يردده المركزي حاليًا هو التالي: «عندما أنسحب من دعم الطاقة أوفر مزيدًا من الجنيهات، فينخفض عجز الموازنة، وحتى لو ارتفعت أسعار الطاقة على المواطنين، ولكن هذا إصلاح لابد منه. وعندما أنسحب من دعم الجنيه سأوفر مزيدًا من الدولارات فتزداد الاحتياطات النقدية، وسيرتفع الدولار مخلفًا آثارًا تضخمية على المواطنين وهذا أيضًا إصلاح لابد منه». هكذا يتصور المركزي المصري ومعظم من يتبنون هذه السياسات التي تغفل تعقيد الأسواق المالية. فعندما تنسحب من دعم الدولار لن تزداد احتياطاتك النقدية ولن تكون هناك نقطة محددة سيقف عندها الدولار في رحلة صعوده. للطاقة أسعار عالمية وأسوأ ما سيحدث لأسعارها في مصر عندما يلغى دعمها أن تصل لهذه الأسعار العالمية. أما في حالة الجنيه/الدولار في حالة الأصول المالية وليس السلع العينية فليس هناك مرجعية أو معيار لقيمة الجنيه/الدولار. ليس هناك نقطة تمنع الدولار من الصعود، هناك مضاربو ضوضاء ومحكمون غير موجودين وآليات توازن تلقائية غير موجودة إلا في الكتب الرديئة. هناك سوق أعنف وأكثر تشابكًا بكثير من التصورات الساذجة عن القيم العادلة وآليات التوازن التلقائية. إذا انسحبت من دورك كمحكم بهذا الشكل الغبي ستفقد السيطرة ولن ينقذك حتى التعويم.

هذا المقال بأجزائه الأربعة التي استغرقت في سرد البنية الدقيقة لأزمة العملة الحالية وآليات تفاقهما كان الهدف الأساسي منه هو إيضاح تصوري أن جزءً كبيرًا من الأزمة الحالية ليس مستحيل الحل، وليس معتمدًا بشكل أساسي على تحسن في الاقتصاد العيني. فالهبوط إلى العشرة جنيهات مرة أخرى أو ما تحتها مرتبط بقيام المركزي بوظيفته التحكيمية غير المستحيلة، مثلما كان صعودنا الى العشرة جنيهات وما بعدها مرتبطًا بتوقف المركزي عن القيام بهذه الوظيفة. وفي كل سنة من سنوات الأزمة كانت هناك فرصة للقيام بهذه الوظيفة. ولكن المركزي المصري يصر -وهو متسق في هذا مع باقي السياسات الاقتصادية للدولة- على التوقف عن القيام بدوره التحكيمي، يصر على تبني أي سياسات غير السياسة الأكثر جدوى والتي اعتقد أنه لا مفر من تبنيها من أجل إنهاء الأزمة.

نحن الآن ننتظر هذه اللحظة الفريدة التي تشبه انتصارات أبطال أفلام الأكشن؛ اللحظة التي سيقرر فيها المركزي استغلال الوجه الآخر لتجار الضوضاء بدلا من الاستسلام لهم، ويضخ دولارات في السوق بالشكل الكافي ويقلل السعر فتنقلب توقعات تجار الضوضاء وتزداد نسب تنازلهم في الجهاز المصرفي فتزداد قدرة المركزي على ضخ مزيد من الدولارات وقيادة سعر الدولار إلى أسفل. وبرغم أن المركزي المصري على الأرجح لن يستغل هذه اللحظة -عندما تجيء- بشكل كامل ليمحو أخطاءه السابقة أو ليرجع الجنيه /الدولار إلى قيمة عادلة بالنسبة لنا، فهو على الارجح سيخفض السعر ليصل إلى قيمة عادلة بالنسبة للبنوك. ولكن إلى أن تجيء هذه اللحظة تعالَ نؤجل الحديث عن قيمتهم العادلة وقيمتنا العادلة. إلى أن يحدث هذا تعالَ نتابع هل لازال في جعبة المركزي المصري سياسات عقيمة أخرى يتبناها ويفقرنا بها أكثر قبل الرجوع لدوره التحكيمي الذي لا يعجب الدائنين.

اعلان