Define your generation here. Generation What
حملة مقاطعة الشراء فشلت لهذه الأسباب
 
 

انتهت حملة مقاطعة الشراء ليوم واحد الأربعاء الماضي احتجاجًا على ارتفاع اﻷسعار، دون تفاعل كبير، على الرغم من وجود رعاية شبه حكومية لها، بعدما انضم رئيس جهاز حماية المستهلك، اللواء عاطف يعقوب، لها مطالبًا المواطنين بالتفاعل مع الحملة بسبب «وجود ارتفاعات عشوائية في أسعار بعض السلع بدون أي مبرر».

واعتبر رئيس جهاز حماية المستهلك، أنه في حالة نجاح الحملة، فستكون هناك خطوات تصعيدية، من ضمنها وضع قوائم سوداء، ومقاطعة سلع بعينها، بل واحتفال سنوي بـ «يوم للمستهلك» وتعظيم دوره في استقرار الأسواق.  

لكن المصريين لم يستجيبوا لدعوات المقاطعة. وتُرجع سعاد الديب، رئيسة الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك، غياب التفاعل إلى عدة أسباب من بينها عدم وجود ثقافة للمقاطعة بين المستهلكين في مصر.

غير أن ثقافة المقاطعة بين المستهلكين المصريين سبق وأن أثبتت فعاليتها في مجال بعيد عن الاقتصاد. ففي أكتوبر 2015، قررت قناة النهار تعليق برنامج اﻹعلامية المصرية ريهام سعيد بعد قيامها بإذاعة صور شخصية ﻷحد ضحايا التحرش الجنسي. القرار جاء بعد حملة قوية طالبت بمقاطعة الشركات الراعية للبرنامج، وهو ما اضطر 15 شركة منها ﻹعلان إنهائها لعقود رعايته، ليشكل انتصارًا نادرًا لقدرة المستهلكين المصريين على فرض سياساتهم.

ماذا عن الأسعار؟

أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي الخميس الماضي قرارًا بزيادة التعريفة الجمركية على عدد من السلع التي يتم استيرادها، مما يهدد بالمزيد من ارتفاع الأسعار بعد الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية بسبب أزمة الدولار، وما تبعها من قرار البنك المركزي بتحرير سعر الصرف، لتنخفض قيمة الجنيه بنسبة تجاوزت 90% أمام العملة الأمريكية.

وطبقًا لبيان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في نوفمبر الماضي، ارتفع معدل التضخم الشهري في أكتوبر الماضي إلى 1.8% مقابل 1.3% في سبتمبر الماضي مدفوعًا بارتفاع أسعار السلع الغذائية، وعلى رأسها السكر والحبوب والخبز والزيوت والدهون.

هنا تضيف الديب سبباً آخر لغياب استجابة واسعة لحملة ارتفاع الأسعار، هو أنها دعت إلى مقاطعة الشراء بشكل عام، واستمرت ليوم واحد فقط، معتبرة أن تركيز حملات المقاطعة الاستهلاكية على أنواع محددة من السلع، وخصوصًا السلع القابلة للتلف تؤدي إلى نتائج أكثر فعالية من ناحية استجابة المستهلكين.

ويتفق رئيس جهاز حماية المستهلك، الذي رفض التعليق لـ «مدى مصر» على نتائج حملة اﻷمس، في حوار له مع صحيفة البوابة على أن الدعوة لمقاطعة تستمر ليوم واحد غير كافية، موضحًا أنها كانت «دعوة رمزية»، وتمثل بداية لحملات أخرى تالية تركز على مقاطعة سلع معينة.

ويختص جهاز حماية المستهلك في مصر بحماية حقوق المستهلكين. وشهد الجهاز نشاطًا كبيرًا خلال الفترة الماضية، لكنه اقتصر في مجمله على تحويل شركات مخالفة في إعلاناتها إلى النيابة من أجل التحقيق أو تعليق حملات إعلانية معينة.

وطبقًا للقانون رقم 67 لسنة 2006 المنظم لعمله، يختص الجهاز بوضع الخطط وبرامج العمل لحماية حقوق المستهلك وتعزيزها وتنميتها ووسائل تحقيق ذلك وتلقى الشكاوى من المستهلكين والجمعيات والتحقيق فيها، والتنسيق مع أجهزة الدولة المختلفة لتطبيق أحكام هذا القانون. وتقول الديب إن قانون الجهاز لا يضع ارتفاع اﻷسعار ضمن مجالات عمله.

كانت لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب قد بدأت في مناقشة مشروع قانون جهاز حماية المستهلك المُقدم من أكثر من 60 نائبًا في البرلمان. وأعلن الدكتور علي المصيلحي، رئيس اللجنة، موافقتها على مشروع القانون من حيث المبدأ، حسبما نقلت صحيفة اليوم السابع. لكن، بحسب الديب، فإن مشروع القانون الجديد خلا هو اﻵخر من أي مواد تتعلق بارتفاع اﻷسعار.

سوق حرة أم روابط مستهلكين؟

تعطي نماذج عديدة ناجحة لحملات مقاطعة في بلدان أخرى، وفقاً للديب، دروسًا في كيفية استخدام حملات من نوع مماثل.

«في انجلترا مثلًا تكررت حملات مقاطعة لسلع مختلفة عدة مرات»، كما تقول رئيسة الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك، مشيرة إلى ما تعتبره نموذجًا ناجحًا لحملة مقاطعة للقهوة في اﻷردن بعد رفع التجار أسعار البن هناك «بشكل مبالغ فيه».  وانتشرت حملة مقاطعة القهوة في اﻷردن في منتصف التسعينيات، وشارك فيها رئيس الوزراء اﻷردني وقتها والذي منع القهوة في مكتبه.

كما شهدت المملكة العربية السعودية حملة لمقاطعة شركات اﻷلبان العام الماضي بدأت من شبكات التواصل الاجتماعي بعد قرارها بزيادة أسعار منتجاتها، بعد نجاح حملة مماثلة في 2011.

لكن حملات من هذا النوع تفترض وجود «نظام سوق حرة يعمل يعتمد على قوانين العرض والطلب، ويتيح للمستهلكين اتّخاذ خطوات فعّالة باعتبارها القوة الشرائية المحركة للسوق»، طبقًا لما تراه الديب. وبالنسبة لها، فإن السوق المصري «سوق احتكارية بطبيعتها» وهو ما يتسبب في انعدام المنافسة وغياب التنوع بين أسعار المنتجات والخدمات المختلفة.

من ناحيته، يعتبر عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي في مركز كارنيجي، أن كلمة «مستهلك» تتصف بالعموم وتعني كل فرد قادر على الشراء دون أن يجمعهم تصنيف طبقي واضح، مضيفاً غياب مجتمع مدني قوي يمكنه من إدارة حملات ضد الاستغلال إلى غياب تصنيف جامع للمستهلكين في أسباب عدم نجاح حملات المقاطعة.

«اﻹطار الوحيد للتخاطب مع الجمهور في مصر هو اﻹعلام، وهو اﻹطار الذي تلجأ إليه كل من الحكومة والمعارضة»، يقول عادلي، «وبالتالي فإن حملات أخرى كحملة الشعب يؤمر مثلًا تبدأ من اﻹعلام».

زيادة الجمارك والمستهلكون

وفقاً لعادلي، يجب فهم  قرار زيادة التعريفة الجمركية في سياق رغبة الدولة في تقليص فاتورة الاستيراد عبر إجراءات غير مباشرة، فيما قد يكون استجابة لاشتراطات خطط اﻹصلاح الاقتصادي التي تلتزم بها مصر. ويرى الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي أن القرارات لا تأتي من تصورات تحكم الدولة المصرية في اتخاذ إجراءات حمائية لتشجيع الصناعة المحلية عبر الضغط على عملية الاستيراد: «الوطنية يتم استدعاؤها لتمرير اﻹجراءات التي لا تحظى بشعبية».

من جانبها، اعتبرت الديب أن قرار زيادة التعريفة الجمركية دون توفير بدائل محلية سيؤدي إلى توسّع السوق السوداء وزيادة اﻷنشطة التهريبية، وهو ما يضر المستهلكين بشكل أساسي. واستنكرت الديب اتخاذ القرار معتبرة أنه توجه انكماشي يتناقض مع ما تعلنه الحكومة من التوجه إلى السوق المفتوحة.

فيما اعتبر بيان صادر عن وزارة المالية اليوم أن قرار زيادة التعريفة الجمركية يتماشى مع التزامات مصر مع منظمة التجارة العالمية «حيث تم الالتزام بنسب الضرائب الجمركية المسموح بها دون تجاوز».

اعلان
 
 
محمد حمامة